طباعة

 توثيق النص

 

 

تلوين الخطاب لابن كمال باشا (تابع)

 

وصف النسخ ونماذج منها:

عثرت على مصوّرتين لتلوين الخطاب، وهما:

المصوّرة الأولى: عدد أوراقها (7.5) سبع ورقات ونصف، في الورقة صفحتان، وفي الصفحة الواحدة (25) خمسة وعشرون سطراً، وفي السطر الواحد (13) ثلاث عشرة كلمة تقريباً.

وكتبت بخط فارسي، وفي بعض صفحاتها تعليقات يسيرة.

ولا يعرف ناسخها ولا تاريخ نسخها.

ويوجد منها صورة فلمية، بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم (7313) فيلم وهي مصورة عن المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة.

وقد رمزت لهذه النسخة بالحرف (م).

المصوّرة الثانية: عدد أوراقها (14) أربع عشرة ورقة. في كل ورقة صفحتان.

وفي الصفحة الواحدة (19) تسعة عشر سطراً. وفي السطر الواحد: (10) عشر كلمات تقريباً.

وكتبت بخط فارسي، وفي بعض صفحاتها تعليقات يسيرة جداً، أقلّ من التعليقات التي وردت على النسخة الأولى.

ولا يعرف ناسخها، ولا تاريخ نسخها.

ويوجد منها صورة فلمية بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم (2440) فيلم وهي مصورة عن دار الكتب المصرية.

ورمزت لهذه النسخة بالحرف: (د).

P329

P330

P331

P332

P333

الحمد لله الذي أنزل الكتاب تبياناً، وجعل الخطاب ألواناً، والصلاة على محمد أولى من نطق بالصواب، وفصل الخطاب، وعلى آله وصحبه خير آل وأصحاب، وبعد: فهذه رسالة مرتبة في بيان تلوين الخطاب، وتفصيل شعبه التي منها الالتفات الذي هو أسلوب متكاثر الفوائد، متناثر الفرائد.

والمراد من الخطاب هنا: توجيه الكلام نحو السامع.

اعلم أنهم يحسنون قرى الأشباح[1]، فيخالفون[2] فيه بين لون ولون، وطعم وطعم كذلك يحسنون قرى[3] الأرواح، فيخالفون[4] فيه أيضاً بين أسلوب وأسلوب وإيرادٍ وإيراد، بل اعتناؤهم بهذا القرى[5] أكثر، واهتمامهم فيه أوفر[6].

ومرجع[7] التلوين المذكور إلى تغيير الأسلوب، وذلك قد يكون بالعدول عن الخطاب الخاصّ إلى الخطاب العام، كما في قوله تعالى: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِيْنَ يَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللهِ}[8] فإنَّ الخطاب فيما قبله وهو قوله تعالى: {واتَّبِع مَا أُوْحِيَ إليْكَ مِنْ رَبِّكَ}[9] الآية كان خاصاًّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعلّ النكتة فيه التجنب عن مواجهته عليه الصلاة والسلام وحده بالنهي عن خلاف ما هو عليه[10] من الأخلاق الكريمة، إذ لم يكن عليه الصلاة والسلام فحّاشاً ولا سبَّاباً، كما في قوله تعالى[11]: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَليٍّ وَلاَ نَصِيْرٍ}[12].

وخصوص الخطاب[13] قد يكون صورة لا معنى، فإنّ الخطاب في قوله

تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ} وإن كان خاصاً بحسب الصيغة، لكنه عامّ معنى، فإن المخاطب به كلّ واحد ممن يقدر على الاستدلال من المصنوع على[14] الصانع.

وقد يكون بصرف الخطاب عن مخاطب إلى مخاطب[15]، كما في قول جرير[16]:

وَمِنْ عِنْدِ الخَلِيْفَةِ بِالنَّجَاحِ

ثِقِيْ بِاللهِ لَيْسَ لَهُ شَرِيْكٌ

بِسَيْبٍ مِنْكَ إِنَّك ذُو ارْتِيَاحِ[17]

أَغِثْنِيْ يَا فِدَاكَ أَبِيْ وَأُمِّيْ

فإن [المخاطب][18] بالبيت الأوّل امرأته، وبالبيت الثاني الخليفة [19]، وليس هـذا

من قبيل الالتفات، كما سبق إلى بعض الأوهام[20]؛ لأنّ من[21] شرطه أن يكون الخطاب في الحالين لواحد، فلا يوجد فيه صرف الخطاب حقيقة وإن وجد ظاهراً، بسبب العدول عن صيغة إلى أخرى، صرّح بذلك صدر الأفاضل[22] حيث قال في شرح سقط الزّند: «قوله: (سقيت الغيث) بمعزل عن الالتفات، لأن قوله:

مَتَىكَانَ [23] الخِيَامُ بِذِيْ طُلُوحٍ [24]

كلام مع غير[25] الخيام، لأنه سؤال عن الخيام[26]" وقال في موضع آخر منه، "كان يرى أنه من قبيل الالتفات، وليس منه، وذلك[27] أنّ من شرط الالتفات أن يكون المخاطب[28] في الحالين واحداً"[29].

وقد يكون بالعدول عن صيغة من الصيغ الثلاث، وهي: صيغة التكلم وصيغة الخطاب، وصيغة[30] الغيبة، إلى الأخرى منها.

ومنه الالتفات، فإنه تغيير لأسلوب الكلام بنقله من إحدى الصيغ المذكورة إلى الأخرى، بشرط أن يكون الكلام بعد النقل مع من كان قبله، على ما تقدم بيانه. فلا التفات في قوله تعالى: {ثُمَّ تولَّيْتُمْ إلاّ قَلِيْلاً مِنْكُمْ}[31] لأن الكلام قبله مع أسلاف المخاطبين به، نعم هو على طرزه وطريقته، ولذلك قال صاحب الكشاف[32]: "{ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} على طريقة الالتفات"[33] فإن قلت: هلاّ يجدي نفعاً اعتبار التغلب الذي ذكره البيضاوي[34] حيث قال في تفسيره: "ولعلّ الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قبلهم على التغليب"[35]؟ قلت:

لا، لأنّ اعتباره لا يحقق الشرط المذكور، لأنّ الكلام قبل النّقل مع البعض، وبعده مع الكل حينئذٍ[36]، والكلّ غير البعض.

وقد نبّه على هذا صاحب الكشف[37]، حيث قال في شرح القول المذكور لصاحب الكشاف: "وهو كذلك سواء حمل على تغليب الموجودين في عصره عليه الصلاة والسلام، أو لا"[38] وكلام صاحب المفتاح[39] خلو عن اعتبار هذا الشرط في الالتفات[40]، والشارح الفاضل لم يتعرض له في شرحه.

وأمّا الشرط الآخر المذكور في كتب القوم، وهو أن يكون التعبير الثاني على خلاف مقتضى الظاهر[41]، واعتباره كيلا يدخل في حدّ الالتفات أشياء ليست منه، منها: أنا زيد وأنت عمرو[42]، ونحن رجال وأنتم رجال، وأنت الذي فعل كذا، و:

نَحْنُ اللَّذُوْنَ صَبَّحُوا الصَّبَاحَا[43]

ونحو ذلك ممّا عبّر عن معنى واحد، تارة بضمير المتكلم[44] أو المخاطب، وتارة بالاسم المظهر أو ضمير الغائب.

ومنها: يا زيد قم. ويا رجلاً له بصر[45] خذ بيدي، لأن الاسم المظهر طريق غيبته فلا حاجة إلى ذكره، واعتباره شرطاً زائداً على ما ذكرنا، لأن أسلوب الكلام لا يتغيّر إلاّ إذا كان كذلك، بناءً على أن المراد من مقتضى الظّاهر هنا مقتضى ظاهر الكلام، لا مقتضى ظاهر المقام، ولذلك صرّح الإمام البيضاوي على وفق إشارة[46] صاحب الكشاف[47]، بوجود الالتفات في قوله تعالى[48]: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى}[49] فإنَّ العدول فيه عن مقتضى[50] ظاهر الكلام، حيث كان سباقه، وهو قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى}[51] على صيغة الغيبة، لا عن مقتضى ظاهر المقام، لأن مقتضاه[52] الخطاب في الموضعين، ونكتة العدول عن مقتضى الظاهر بحسب المقام، التعظيم للنبي عليه الصلاة والسلام، والتلطيف في تأديبه بالعدول عن الخطاب في مقام العتاب، والإباء عن المواجهة بما فيه الكراهة.

وأمّا ما قيل: "في الإخبار عمّا فرط منه، ثم الإقبال عليه دليل على زيادة الإنكار، كمن يشكو إلى الناس جانياً جنى عليه، ثم يقبل على الجاني إذا حمي في الشكاية مواجهاً له بالتوبيخ، وإلزام الحجة"[53] فوهم، لا ينبغي أن يذهب إليه فهم.

ومن تأمل في طريق عتابه تعالى إياه عليه الصلاة والسلام في مواضع العتاب - كقوله تعالى: {عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ}[54] فإنْ فيه ما لا يخفى من لطف الكناية عن خطئه عليه الصلاة والسلام في الإذن تعظيماً لشأنه - لا يخطر بباله مثل ذلك الوهم، وإنّما قلنا على ما ذكرنا، إذ لابدّ من اعتباره شرطاً زائداً على ما ذكروا في تفسير الالتفات[55].

قال صاحب التلخيص[56]: والمشهـور أن الالتفات هـو التعبير عن[57] معنى بطريق من الثلاثة بعد التعبير عنه بآخر منها[58]. وقال الفاضل التفتازاني[59] - في شرحه، "بشرط أن يكون التعبير الثاني على خلاف مقتضى الظاهـر"[60] وفي المفتاح:

"ويسمّى هذا النقل التفاتاً عند علماء علم المعاني"[61].

وقال الفاضل الشريف[62] في شرحه : "ثم إن الالتفات من إحدى[63] الطرق الثلاثة إلى آخر[64] منها إنما يسمّى التفاتاً إذا كان على خلاف مقتضى الظاهر، كما يشعر به لفظ النقل، وإيراده في الإخراج لا على مقتضاه، وما ذكر من فائدته العامة"[65] ويردّ عليه أن النقل الذي أشير إليه، هو النقل من صيغة إلى أخرى، وهذا ظاهر عن التأمّل في سياق الكلام المنقول، فلا إشعار فيه بما ذكر، وتعليله على ما نقل عنه في الحاشية "بأن الجاري على مقتضى الظاهر لا يقال فيه: نقل[66]" مردود[67] أيضاً، لأنه [إن] أريد: أنه لا يقال فيه نقل على الإطلاق، فمسلّم ولكن لا يجدي نفعاً، لأن الواقع ههنا النقل المقرون بالإشارة[68] الصارفة عن المتبادر عند الإطلاق فلا صحة له كما لا يخفى، ثم إن قوله: "يتحقق الإشعار في إيراد الالتفات في الإخراج لا على مقتضى الظاهر بما ذكر"[69] مبناه عدم الفرق بين ظاهر المقام وظاهر[70] الكلام؛ فإنّ صاحب المفتاح قد أورد الالتفات في الإخراج على خلاف الظاهر[71] بحسب اقتضاء أسلوب الكلام، وقد نبّهت فيما تقدّم على هذا وعلى الفرق بين الإخراجين. فإن قلت: قد أثبت صاحب المفتاح في أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَىقول امرئ القيس[72]:

تَطَاوَلَ لَيلُكَ بِالأَثْمُدِ

التفاتاً، وهذا بناءً على أنّ كلاً من المتكلم[73] والخطاب والغيبة، إذا كان مقتضى الظاهـر فعدل عنه [74] إلى الآخر فهـو التفات[75] عنده، قلت: نعم، أثبت فيه التفاتاً[76] على خلاف ما عليه الجمهور[77]، ومع ذلك لم ينكر ثبوت[78] الالتفات إذا نقل الكلام عن أسلوب هو خلاف مقتضى المقام، إلى أسلوب هو مقتضاه ولذلك أثبت التفاتاً آخر في قوله: "وذلك من نبأ جاءني"[79]. فظهر أن المعتبر في الالتفات عنده -أيضاَ- الإخراج على خلاف الظاهر بحسب أسلوب الكلام، لا بحسب اقتضاء المقام، كما هو السابق إلى الفهم من النبأ المذكور آنفاً[80]، إلاّ أنّه اكتفى بالعدول عن الأسلوب المتوقع، وقال: يتحقق الشرط المذكور بذلك[81]، والجمهور على أنه لابد من العدول عن أسلوب محقّق.

فإن قلت أليس مقتضى المقام ينتظم مقتضى الكلام؟ فما هو على خلاف مقتضى أسلوبه يكون على خلاف مقتضى المقام أيضاً، قلت: كذلك إلاّ أن مقتضى الظاهر في مصطلح أهل[82] هذا الفن ما يقتضيه ظاهر المقام قبل الشروع في الكلام، ومن خلافه خلاف ذلك فلا ينتضمان[83] ما يحدث بعد[84] الشروع فيه، باختيار أسلوب من الحال، وإنّما لم يعتبروا الحادث بعد الشروع فيه، لأنّه قد يكون مخالفاً للقديم، كما إذا كان المقام مقام الخطاب، وشرع[85] في الكلام على أسلوب الغيبة، وقد مرّ مثاله من التنزيل، فلو اعتبر في مثل ذلك الحادث بعد الشروع يلزم أن يكون الكلام على مقتضى الظاهر من وجه وعلى خلافه من وجه، ولا وجه لترجيح الحادث على القديم، وإسقاطه على[86] حيّز الاعتبار بالكليّة؛ إذ يلزم حينئذٍ[87] أن لا يتحقق مقتضى المقام من جهة الكلام قبل الشروع بل عنده أيضاً، ما لم يتقرر أسلوبه، ولا مجال لأن يقال: أنهم اعتبروا القديم قبل حدوث [88] المعارض، وأسقطوا [ما] بعده، إذ لا مستند لهذا التفصيل من جهة السلف، كما لا يخفى على من تتبّع وأنصف، وبالتجنب عن التعسف[89] اتّصف.

ثمّ إنّ ما زعمه من الإشعار فيما ذكره[90]  من الفائدة العامة للالتفات بكونه على مقتضى الظاهر -مردود أيضاً؛ لأن مدار تلك الفائدة على العدول من أسلوب إلى آخر سواء كان العدول عنه على مقتضى الظاهر أو لا، على ما تقف على ذلك بإذن الله تعالى.

لا يُقال: المشهور في تفسير الالتفات ما هو المذكور في التلخيص، وعليه الجمهور على ما نصّ عليه الفاضل التفتازاني في شرحه[91]، وما ذكرته[92] تفسير محدث له، قلت: بل ما[93] ذكرته على وفق إشارة صاحب المفتاح حيث قال: «والعرب يستكثرون منه، ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخل في القبول عند السامع، وأحسن تطرئة لنشاطه[94]، وأملأ[95] باستدرار إصغائه»[96] ويوافقه ما في الكشّاف[97] ، وكفى بنا ذانك الشيخان قدوةً، وقد وقفت فيما سبق على أن ما ذكر في التلخيص لا يطّرد إلا باعتبار شرط من الخارج، وذلك خارج[98] عن قانون الحدّ، وما ذكرنا سالم عن المحذور المذكور، وذلك لأن الاختلاف في الأسلوب أخصّ من الاختلاف في التعبير؛ فإنّ الثاني يتحقّق في نحو[99] قوله تعالى: {يا أَيُّها الَّذِيْن آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاة}[100] دون الأوّل؛ لأن حق الضمير العائد إلى الموصول أن يكون غائباً، فلا يتغيّر به الأسلوب وإن تغيّر[101] التعبير حتى احتيج إلى اعتبار قيد زايد للاحتراز عن مثله.

وبما قررناه[102] تبيّن أن الجمهور لا يرتضي تحديد[103] الالتفات بما ذكر في التلخيص، وأن ما ذكر[104] في شرحه من نسبته إليهم فرية ما فيها مرية.

ومما يظنّ أنّه من قبيل الالتفات وليس منه قوله تعالى: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}[105] أما وجه الظنّ فهو أن الاسم الظاهر غائب فلما عدل عنه إلى الخطاب في تجهلون تحقق الالتفات، وأمّا أنه ليس منه فلأنّ في عبارة القوم [جهتا غيبة][106] وخطاب؛ وذلك لأنّها اسم ظاهر غائب وقد حمل على {أَنْتُمْ} فصار عبارة عن المخاطب، ثم إنّه[107] وصف {تَجْهَلُوْنَ} اعتباراً لجانب خطابه المستفاد من حمله على {أَنْتُمْ}[108] وترجيحاً له على جانب غيبته الثابت في نفسه؛ لأن الخطاب أشرف وأدل وجانب المعنى أقوى وأكمل[109]، فهو بالحقيقة اعتبار لجانب المعنى، وتغليب له على جهة اللفظ، فإنّ الغيبة في لفظ (القوم) ومعناه الخطاب[110]، وبهذا القدر من الاعتبار لا يتغير[111] الأسلوب، ولا يتحقق النقل من طريق إلى آخر، وعلى هذا القياس قول علي رضي الله عنه : "أنا الَّذي سمّتْنِي أمِّي حَيْدَرَة"[112].

قال المرزوقي[113] في شرح قول[114] الحماسة[115]:

إِذا مَا رَأَتْهُ عَامِرٌ وَسَلُوْلُ

[وَإِنَّا][116] لَقَوْمٌ مَا نَرَى[117] القَتْلَ سُبَّةً[118]

"كان الوجه أن يقول: ما يرون القتل سبَّةً[119] ؛ حتى يرجع الضمير من صفة القوم إليه ولا تَعْرى منه، لكنّه لما علم أن المراد بالقوم هم قال: ما نرى، وقد جاء في الصلة مثل هذا وهو فيه أفظع، قال:

أَكِيْلُكُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ

أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّيْ حَيْدَرَهْ

والوجه سمّته حتى لا تعرى[120] الصلة من ضمير الموصول، قال أبو عثمان

المازني[121]: لولا صحة مورده وتكرره لرددته»[122] والشريف الفاضل[123] لغفوله عمّا قررناه قال[124] في شرحه للمفتاح: «لا يبعد أن يجعل مثل[125]: أنا الذي سمّتني أُمِّي حيدرة، وأنت الذي أخلفتني، ونحن قوم فعلنا، وأنتم قوم تجهلون - من باب الالتفات من الغيبة إلى التكلم أو الخطاب"[126].

وممّا يشبه الالتفات وليس منه: ما في قوله تعالى: {فَإنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ}[127] من تغيُّر[128] الأسلوب والعدول عن مقتضى ظاهر الكلام؛ وذلك أن موجب طرد الكلام على أسلوب ما سبق من قوله تعالى: {قُلْ أَطِيْعُوا الله وَأَطِيْعُوا الرَّسُوْلَ}[129] وسوقه[130] على مقتضى الظاهر هو أن يقال: فإن تولّوا[131] فإنّما[132] عليهم ما حمّلوا وعليك ما حمّلت، وإنّما قلنا إنّه ليس منه؛ لعدم النقل عن أحد الطرق الثلاثة إلى الآخر منها؛ فإن المتحقق[133] في قوله تعالى[134]: {قُلْ أَطِيْعُوا اللهَ} تنزيلهم منزلة الغائبين[135]، لا سوق الكلام[136] معهم على طريق الغائبة، والفرق واضح وإن خفي على صاحب الكشف حيث قال: "هو[137] التفات حقيقي؛ لأنّه[138] جعلهم غُيّباً، حيث أمر الرسول [صلى الله عليه وسلم] بخطابهم في[139] قوله {قُلْ أَطِيْعُوا اللهَ} ثم خاطبهم بقوله {فَإِنْ تَوَلَّوْا}[140]. وقد نبّه صاحب الكشاف[141] على ما ذكرنا من عدم الالتفات حقيقة فيما ذكر لفقد شرط النقل حيث قال: "صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات"[142] يعني أن مقتضى الظاهر نظم الكلام على الغيبة، ولما صرف عنها كان على طريقة الالتفات وإن لم يكن منه لعدم تحقّق النّقل عن الغيبة، حيث لم يوجب[143] سوق الكلام على صيغتها[144]، ففي إقحام عبارة الطريقة وذكر الصرف دون النّقل تنبيه على ما ذكرنا، فافهم.

ومن ههنا وما[145] تقدم بيانه تبيّن أنّ كلاً من تغيير الأسلوب والنّقل عن صيغة[146] إلى أخرى - أعمّ من الآخر من وجهٍ؛ ولذلك جمعنا بينهما في تفسير[147] الالتفات، وظهر لك شعبة أخرى لتلوين الخطاب، وهي: ما يوجد فيه تغيير الأسلوب دون النّقل.

فاعلم أن أنواع الالتفات بحسب النّقل من كل واحدة من الصيغ الثلاث[148] إلى إحدى الأخريين ستّة[149]، وقد أفصح عن هذا صاحب المفتاح بقوله: "بل الحكاية والخطاب والغيبة ثلاثتها ينقل[150] كل واحد منها إلى الآخر، ويسمّى هذا النقل التفاتاً عند علماء علم المعاني[151]" وإن قصر عنه بيان صاحب الكشاف بقوله: "هذا يسمّى الالتفات في علم البيان، وقد يكون من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم"[152] حيث اقتصر على[153] ذكر أنواعه الثلاثة، وقوله: "في علم البيان" لا ينافي قول صاحب المفتاح "عند علماء المعاني" لأنه أراد بالبيان علم البلاغة الشامل[154] للمعاني والبيان[155]، وإنما كان الالتفات من علم المعاني لأن ما يترتب[156] عليه من الفوائد من جملة خواصّ التراكيب التي يبحث عنها في العلم المذكور.

وأمّا ما قيل: "يُبحث عنه في علمي[157] البلاغة والبديع، أمّا في المعاني فباعتبار كونه على خلاف مقتضى الظاهر، وأمّا في البيان فباعتبار أنَّه إيراد لمعنى واحد في طرق مختلفة في الدلالة عليه جلاء، [وخفاء] [158] وبهذين الاعتبارين يفيد الكلام حسناً ذاتياً للبلاغة، وأمّا في البديع فمن حيث إنّ فيه جمعاً بين صورٍ متقابلة في معنى واحد فكان من محسّناته المعنوية[159]" - ففيه نظر؛ أمّا أوّلاً: فلأن مجرد كونه على خلاف مقتضى الظاهر لا يكفي في دخوله في علم المعاني، وهذا ظاهر[160] عند من له أدنى تأمل في حدّ العلم المذكور.

وأمّا ثانياً: فلأن اعتبار أنّه إيراد لمعنى واحد في طرق مختلفة في الدلالة عليه جلاء [وخفاء]، غير كافٍ في دخوله في علم البيان؛ بل لابدّ معه أن يكون ذلك الاختلاف بحسب الدلالة العقلية، وهو مفقود[161] في الالتفات، ولذلك لم يورده صاحب المفتاح في البيان واقتصر على إيراده في[162] المعاني والبديع[163].

وعدّه خلاف مقتضى الظاهر من الكناية[164] لا يجدي نفعاً في كونه من البيان؛ لأنه ليس منها حقيقة؛ كيف وهي من أقسام اللفظ، والخلاف المذكور ليس من جنس اللفظ، وكذا إخراج الكلام عليه ليس منه، وإنّما عدّه من الكناية لما بينهما من المشابهة، والشريف الفاضل لغفوله عن هذا قال في شرح المفتاح في حاشيته "وكونه من إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر المندرج تحت الكناية؛ لا يوجب كونه من مباحث البيان كسائر الجزئيات المندرجة تحت [165] قواعده؛ لأن الأحكام الجزئية المندرجة تحت[166] قواعد علم [البيان[167]] فروعٌ وثمراتٌ لمسائله، إذ ليست مبحوثاً عنها بخصوصيّاتها"[168].

ثم إن موجب تعليله بقوله: "لأن الأحكام" الخ. على تقدير تمامه هو إيجاب ما ذكر من الاندراج عدم كونه من مباحث البيان لا عدم إيجاب كونه منها، وإنّما قلنا: "على تقدير تمامه" لأنه محل نظر، فتدبّر.

وهذا الكلام قد وقع في البيان[169] استطراداً[170]، فلنعد إلى ما كنّا فيه من تفصيل أنواع الالتفات الحاصلة من ضرب الثلاث في الاثنين[171]، فنقول: أحدها: الالتفات من التكلم إلى الخطاب: ومثاله من التنزيل {وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون}[172] وذلك أن المراد بقوله تعالى: {وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ} المخاطبون، والمعنى: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم فالمعبّر عنه في الجميع هو المخاطبون، ولمّا عبّر عنهم بصيغة التكلم كان مقتضى[173] الظاهر أن لا يغيّر أسلوب الكلام، بل يجري اللاحق على سنن السابق، ويقال: وإليه[174] أرجع، فلمّا عدل عنه إلى ما[175] ذكر تحقق الالتفات[176].

ومن الشعر:

وَأَصْبَحَ باقِي وَصْلِها قَدْ تَقضَّبا[177]

تَذَكَّرْتَ والذِّكْرَى تَهِيْجُكَ زَيْنَبَا

إن قُرئ (تذكرتَ) بالفتح كما هـو الرواية، فالالتفات فيه على رأي صاحب المفتاح؛ حيث كان الظاهـر ضمّهـا على التكلم [178] فعدل عنه إلى الخطاب، وإن قُرِئ بالضمّ فالالتفات في (يهيجك) وهذا باتفاق[179].