|
|
|
|
الأثر المشهور عن الإمام مالك رحمه الله |
|
|
القسم الثاني |
|
|
د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر |
|
|
الأستاذ المشارك في كلية الدعوة وأصول الدين |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
المقدمة |
|
|
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام
على إمام المرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
|
|
أما بعد: فهذا القسم الثاني من
دراستي لأثر الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة رحمه الله المتعلق بصفة
الاستواء، وقد سبق في القسم الأول من هذه الدراسة الحديث عن مكانة هذا الأثر
وأهميته لدى أهل العلم، وبيان ثبوته عن الإمام مالك رحمه الله بالأسانيد الصحيحة
وذكر الشواهد على هذا الأثر من الكتاب والسنة، وذكر نظائر هذا الأثر من خلال ما
ورد عن السلف الصالح رحمهم الله، كل ذلك سبق في الفصل الأول من هذه الدراسة، وفي
هذا القسم نستكمل ما بقي من فصول هذه الدراسة، حيث بقي ثلاثة فصول وهي: |
|
|
-
ذكر معنى هذا الأثر مدلوله، وما يستفاد منه من ضوابط في توحيد الأسماء والصفات. |
|
|
-
إبطال تحريفات أهل البدع لهذا الأثر. |
|
|
-
ذكر فوائد عامة مأخوذة من هذا الأثر. والله الكريم نرجو التوفيق والسداد. |
|
|
الفصل الثاني: |
|
|
في ذكر معنى هذا الأثر وبيان
مدلوله وما يستفاد منه |
|
|
من ضوابط في توحيد الأسماء والصفات |
|
|
لا شك أنَّ هذا الأثر يتضمّن معاني
عميقة ودلالات دقيقة ويشتمل على فوائد عظيمة ودروس قوية متعلّقة بتوحيد الأسماء والصفات،
بل بالمنهج الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم في أمور الغيب عموماً، ومن هنا حاز
هذا الأثر على استحسان أهل العلم وثنائهم، وكثر استشهادهم به في مؤلّفاتهم،
ولهذا رأيتُ إفراد هذا الفصل لبيان معاني هذا الأثر ودلالاته وما يستفاد منه من
دروس وضوابط. |
|
|
ولما كان هذا الأثر ينتظم جُملاً
أربعاً رأيت أن أفرد لكل جملة منها مبحثاً مستقلاًّ لبيان ما فيها من دروس
وفوائد. |
|
|
المبحث الأوّل: في معنى قوله:
"الاستواء غير مجهول" والضوابط المستفادة منه. |
|
|
المبحث الثاني: في معنى قوله
:"الكيف غير معقول" والضوابط المستفادة منه. |
|
|
المبحث الثالث: في معنى قوله:
"الإيمان به واجب" والضوابط المستفادة منه. |
|
|
المبحث الرابع: في معنى قوله:
"والسؤال عنه بدعة" والضوابط المستفادة منه |
|
|
|
|
|
المبحث الأوّل: |
|
|
في معنى قوله: "الاستواء غير
مجهول" والضوابط المستفادة منه |
|
|
مراد الإمام مالك رحمه الله بقوله:
"الاستواء غير مجهول" ظاهرٌ بيِّنٌ، حيث قصد رحمه الله أنَّ الاستواء
معلوم في لغة العرب، وقد سبق أن نقلت في مبحث سابق[1] جملةً من النقولات عن أئمّة السلف رحمهم الله في معنى الاستواء وأنَّ المراد به
في اللغة: العلوّ والارتفاع، وهو من الصفات السمعية المعلومة بالخبر، وهو علوٌّ
وارتفاعٌ مخصوصٌ وقع بمشيئة الربّ تبارك وتعالى وإرادته، فعلاَ سبحانه وتعالى
فوق عرشه كيف شاء سبحانه "فالأصل أنَّ علوَّه على المخلوقات وصفٌ لازمٌ له
كما أنَّ عظمته وكبرياءه وقدرته كذلك، وأما الاستواء فهو فعلٌ يفعله سبحانه
وتعالى بمشيئته وقدرته، ولهذا قال فيه: {ثُمَّ
اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}، ولهذا كان الاستواء من الصفات السمعية
المعلومة بالخبر، وأما علوُّه على المخلوقات فهو عند أئمّة أهل الإثبات من
الصفات العقلية المعلومة بالعقل مع السمع"[2]. |
|
|
والاستواء كما تقدّم له معنى معلوم
من لغة العرب وهو العلوّ والارتفاع، لكن ما يضاف إلى الله منه فهو أمرٌ يليق
بجلاله وكماله سبحانه لا يشبه ما يكون من المخلوقين، ولا يجوز أن يثبت لفوقيته
خصائص فوقية المخلوقين وملزوماتها كقولهم: لو كان على العرش لكان محتاجاً إليه،
ولو سقط العرش لخرّ مَن عليه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون الجاحدون علواًّ
كبيراً، لأنَّ الله تبارك وتعالى أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة كما أضاف إليه
سائر أفعاله وصفاته، فلم يذكر استواء مطلقاً يصلح للمخلوقين ولا عاماًّ يتناول
المخلوق، وإنما ذكر استواءً أضافه إلى نفسه الكريمة[3]. |
|
|
فكيف يُتوهَّم أو يُظنّ فيما أضاف
الرب سبحانه إلى نفسه أنَّه يشبه ما هو من خصائص المخلوقين، ومن المعلوم أنَّ
الإضافة تقتضي التخصيص، فما يُضاف إلى الربّ يخصُّه ويليق بجلاله وكماله، وما يُضاف
إلى المخلوق يخصُّه ويليق به وبكونه مخلوقاً ضعيفاً عاجزاً. |
|
|
فالاستواء المضاف إلى الربّ سبحانه
معلومٌ معناه، وهو خاصٌّ بالربّ سبحانه لا يشبه وصف المخلوقين، فكما أنَّه
سبحانه له ذاتٌ لا تشبه الذوات فله صفاتٌ لا تشبه الصفات، فمن كان يقرُّ بأنَّ له
ذاتاً حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيءٌ فله كذلك
سمعٌ وبصرٌ وكلامٌ واستواء ونزول ثابتٌ في نفس الأمر، فهو سبحانه متّصفٌ بصفات
الكمال التي لا يشابهه فيها سمعُ المخلوقين وبصرهم وكلامهم ونزولهم واستواؤهم.
وكما أنَّه لا علم للخلق بكيفية ذات الربّ سبحانه فلا علم لهم بكيفية صفاته
سبحانه، إذ العلم بكيفية الصفات يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرعٌ عنه
وتابع له[4]. |
|
|
ولهذا فإنَّ الصفات معلومة من حيث
المعاني ومجهولة ومتشابهة من حيث الكيفية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"والآيات التي ذكر الله فيها أنَّها متشابهات لا يعلم تأويلها إلاّ الله،
إنَّما نفى عن غيره علم تأويلها، لا علم تفسيرها ومعناها، كما أنَّه لما سئل
مالك رضي الله عنه عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ
عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ قال: "الاستواء معلوم،
والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" وكذلك ربيعة قبله فبيّن
مالك أنَّ معنى الاستواء معلوم، وأنَّ كيفيته مجهولة، فالكيف المجهول هو من
التأويل الذي لا يعلمه إلاّ الله، وأما ما يُعلم من الاستواء وغيره فهو من
التفسير الذي بيَّنه الله ورسوله. |
|
|
والله تعالى قد أمرنا أن نتدبّر
القرآن، وأخبر أنَّه أنزله لنعقله، ولا يكون التدبُّر والعقل إلاّ لكلام بيَّن
المتكلِّم مراده به، فأما من تكلّم بلفظ يحتمل معاني كثيرة ولم يبيِّن مراده
منها فهذا لا يمكن أن يُتدبّر كلامه ولا يعقل، ولهذا تجد عامة الذين يزعمون أنَّ
كلام الله يحتمل وجوهاً كثيرةً، وأنَّه لم يبيِّن مراده من ذلك قد اشتمل كلامهم
من الباطل على ما لا يعلمه إلاّ الله، بل في كلامهم من الكذب في السمعيات نظير
ما فيه من الكذب في العقليات، وإن كانوا لم يتعمّدوا الكذب، كالمحدِّث الذي يغلط
في حديثه خطأ، بل منتهى أمرهم: القرمطة في السمعيات، والسفسطة في العقليات،
وهذان النوعان مجمع الكذب والبهتان"[5]. |
|
|
ولهذا فقد مضى أهل السنة والجماعة
قاطبة على إثبات الصفات للباري سبحانه، وفهم معناها ومدلولها فـ"التفاسير
الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان تبيَّن أنَّهم إنَّما كانوا
يفهمون منها الإثبات، بل والنقول المتواترة المستفيضة عن الصحابة والتابعين في
غير التفسير موافقة للإثبات، ولم يُنقل عن أحد من الصحابة والتابعين حرفٌ واحدٌ
يوافق قول النفاة، ومن تدبّر الكتب المصنَّفة في آثار الصحابة والتابعين، بل
المصنَّفة في السنة، من (كتاب السنة والرد على الجهمية) للأثرم، ولعبد الله بن
أحمد، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبي داود السجستاني،
وعبد الله بن محمد الجعفي، والحكم بن معبد الخزاعي، وحشيش بن أصرم النسائي، وحرب
بن إسماعيل الكرماني، وأبي بكر الخلاّل، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي القاسم
الطبراني، وأبي الشيخ الأصبهاني، وأبي أحمد العسّال، وأبي نعيم الأصبهاني، وأبي
الحسن الدارقطني، وأبي حفص بن شاهين، ومحمد بن إسحاق بن منده، وأبي عبد الله بن
بطة، وأبي عمر الطلمنكي، وأبي ذر الهروي، وأبي محمد الخلاّل، والبيهقي، وأبي
عثمان الصابوني، وأبي نصر السجزي، وأبي عمر بن عبد البر، وأبي القاسم اللالكائي،
وأبي إسماعيل الأنصاري، وأبي القاسم التيمي، وأضعاف هؤلاء رأى في ذلك من الآثار
الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين، ما يُعلم معه بالاضطرار أنَّ الصحابة
والتابعين كانوا يقولون بما يوافق مقتضى هذه النصوص ومدلولها، وأنَّهم كانوا على
قول أهل الإثبات المثبتين لعلوِّ الله نفسه على خلقه، المثبتين لرؤيته، القائلين
بأنَّ القرآن كلامه ليس بمخلوق بائن عنه. |
|
|
وهذا يصير دليلا من وجهين: |
|
|
أحدهما: من جهة إجماع السلف، فإنَّهم
يمتنع أن يجمعوا في الفروع على خطأ، فكيف في الأصول؟ |
|
|
الثاني: من جهة أنَّهم كانوا
يقولون بما يوافق مدلول النصوص ومفهومها، لا يفهمون منها ما يناقض ذلك. |
|
|
ولهذا كان الذين أدركوا التابعين
من أعظم الناس قولاً بالإثبات وإنكاراً لقول النفاة، كما قال يزيد بن هارون
الواسطي: "من قال: إنَّ الله على العرش استوى خلاف ما يقرّ في نفوس العامة
فهو جهمي"[6]. |
|
|
وقال الأوزاعي: "كنا
والتابعون متوافرون نقرُّ بأنَّ الله فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من
صفاته"[7]
[8]. |
|
|
قال الإمام الصابوني رحمه الله:
"وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف رحمهم الله لم يختلفوا في أنَّ الله
تعالى على عرشه وعرشه فوق سماواته، يُثبتون له من ذلك ما أثبته الله تعالى
ويؤمنون به ويُصدِّقون الرب جلّ جلاله في خبره، ويُطلقون ما أطلقه سبحانه وتعالى
من استوائه على العرش ويُمرُّونه على ظاهره ويَكِلون علمه إلى الله، ويقولون: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ
إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ}[9]،
كما أخبر الله تعالى عن الراسخين في العلم أنَّهم يقولون ذلك ورَضِيَه منهم
فأثنى عليهم به"[10]. |
|
|
وبما تقدّم يتّضح أنَّ مراد الإمام
مالك رحمه الله بقوله: "الاستواء غير مجهول" أي غير مجهول المعنى،
وأنَّه ثابت لله حقيقة على وجه يليق بجلاله سبحانه. |
|
|
قال ابن قدامة رحمه الله في كتابه
ذم التأويل: "وقولهم: "الاستواء غير مجهول" أي غير مجهول الوجود،
لأنَّ الله تعالى أخبر به، وخبرُه صدقٌ يقيناً لا يجوز الشك فيه، ولا الارتياب
فيه، فكان غير مجهول لحصول العلم به، وقد روي في بعض الألفاظ "الاستواء
معلوم"[11]"[12]. |
|
|
ولم يكن أحد من السلف رحمهم الله
يتعرض لنصوص الاستواء أو غيره من الصفات بتأويل يصرف فيه هذه الألفاظ عن معانيها
ودلالاتها المعلومة من لغة العرب. |
|
|
روى اللالكائي في شرح الاعتقاد عن
محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أنَّه قال: "اتفق الفقهاء كلُّهم من المشرق
إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم في صفة الربّ عز وجل، من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسّر
اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج عما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفارق
الجماعة، فإنَّهم لم يصفوا ولم يفسِّروا، ولكن أفتَوا بما في الكتاب والسنة ثم
سكتوا، فمن قال بقول جَهمٍ فقد فارق الجماعة، لأنَّه قد وصفه بصفة لا شيء"[13]. |
|
|
وروى البيهقي وغيره عن أبي عبيد
القاسم بن سلاّم قال: "هذه الأحاديث التي يقول فيها ضحِك ربُّنا مِن قنوط
عباده وقُرْب خيره، وأنَّ جهنّم لا تمتلئ حتى يضع ربُّك فيها قدمَه، والكرسي
موضع القدمين، وهذه الأحاديث في الرؤية، هي عندنا حقٌّ حَمَلَها الثقات بعضهم عن
بعض، غير أنّا إذا سُئلنا عن تفسيرها لا نفسِّرها، وما أدركنا أحداً
يُفسِّرها"[14]. |
|
|
فلم يكن مِن هؤلاء الأئمة مَن يخوض
في صفات الله بشيء من التفسيرات الباطلة والتحريفات للنصوص، بل كانوا يمرُّونها
كما جاءت بلا تحريف، فالمراد بقول محمد بن الحسن: "لم يُفسِّروا" وقول
أبي عبيد "لا نفسِّرها، وما أدركنا أحداً يفسِّرها" نفي تحريف الصفات
وصرفها عن ظاهرها الذي دلّت عليه لغة العرب كما هو الحال عند الجهمية، ولذا قال
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد أن أورد كلام أبي عبيد المتقدِّم "فقد
أخبر أنَّه ما أدرك أحداً من العلماء يفسِّرها تفسير الجهمية"[15]. |
|
|
وتفسيرات الجهمية لهذه الصفة كثيرة
جداًّ وهي تقارب العشرين، كما قال مرعي بن يوسف الكرمي: "وأما أهل التأويل
من الخلَف فقد اختلفوا في الاستواء على نحو العشرين قولاً..."[16]
وذكرها. |
|
|
وهي تأويلات متكلّفة وتحريفات بغيضة
تأباها النصوص ويردّها سياق الأدلّة المشتملة على ذكر استواء الربّ تبارك وتعالى
على عرشه[17]،
وكما يقول العلاّمة ابن القيِّم رحمه الله: "إنَّ استواء الرب المعدى بأداة
على المعلق بعرشه المعرّف باللاّم المعطوف بـ"ثمّ" على خلق السموات
والأرض المطَّرَد في موارده على أسلوب واحد ونمط واحد، لا يحتمل إلاّ معنىً
واحداً لا يحتمل معنيين ألبتة، فضلاً عن ثلاثة أو خمسة عشر كما قال صاحب
(القواصم والعواصم): إذا قال لك المجسِّم {الرَّحْمَنُ
عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} فقل استوى على العرش يستعمل على خمسة عشر
وجهاً فأيُّها تريد؟ فيقال له: كَلاَّ والذي استوى على العرش لا يحتمل هذا اللفظ
معنيين ألبتة، والمُدَّعي للاحتمال عليه بيان الدليل، إذ الأصل عدم الاشتراك
والمجاز، ولم يذكر على دعواه دليلاً ولا بيّن الوجوه المحتملة حتى يصلح قوله
(فأيُّها تريدون وأيُّها تعنون) وكان ينبغي له أن يبيِّن كلّ احتمال ويذكر
الدليل على ثبوته، ثم يطالب حزب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بتعيين أحد
الاحتمالات، وإلاّ فهم يقولون لا نسلِّم احتماله لغير معنىً واحد، فإنَّ الأصل
في الكلام الإفراد والحقيقة، دون الاشتراك والمجاز فهم في منعهم أولى بالصواب
منك في تعدد الاحتمال، فدعواك أنَّ هذا اللفظ يحتمل خمسة عشر معنى دعوى مجرّة
ليست معلومة بضرورةٍ ولا نصٍ ولا إجماعٍ"[18]. |
|
|
إلاَّ أنَّ أشهر تأويلات هؤلاء
وأكثرها ذيوعاً بينهم هو قولهم: إنَّ الاستواء المراد به الاستيلاء، وهو تأويل
باطل وتحريف فاسد، أبطله أهل العلم من وجوه كثيرة، وفيما يلي تلخيص لبعض الوجوه
التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في إبطال هذا التأويل: |
|
|
"أولاً:
إنَّ هذا التفسير لم يفسّره أحد من السلف من سائر المسلمين من الصحابة
والتابعين، فإنَّه لم يفسِّره أحد في الكتب الصحيحة عنهم، بل أول من قال ذلك بعض
الجهمية والمعتزلة، كما ذكره أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات وكتاب الإبانة. |
|
|
ثانياً: إنَّ معنى هذه الكلمة
مشهور، ولهذا لما سُئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك بن أنس عن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}؟ قالا: الاستواء
معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. |
|
|
ثالثاً: إنَّه إذا كان معلوماً في
اللغة التي نزل بها القرآن كان معلوماً في القرآن. |
|
|
رابعاً: إنَّه لو لم يكن معنى
الاستواء في الآية معلوماً لم يحتج أن يقول: الكيف مجهول، لأنَّ نفيَ العلم بالكيف
لا ينفي إلاَّ ما قد عُلم أصله، كما نقول: إنَّا نقرُّ بالله ونؤمن به، ولا نعلم
كيف هو. |
|
|
خامساً: الاستيلاء سواء كان بمعنى
القدرة أو القهر أو نحو ذلك هو عام في المخلوقات كالربوبية، فلو كان استوى بمعنى
استولى، كما هو عام في الموجودات كلّها لجاز مع إضافته إلى العرش أن يُقال:
استوى على السماء، وعلى الهوى، والبحار والأرض، وعليها ودونها ونحوها، إذ هو
مستوٍ على العرش، فقد اتفق المسلمون على أنَّه يُقال: استوى على العرش، ولا
يُقال استوى على هذه الأشياء، مع أنَّه يُقال استولى على العرش والأشياء، علم
أنَّ معنى استوى خاص بالعرش ليس عاماً كعموم الأشياء. |
|
|
سادساً: أنّه أخبر بخلق السموات
والأرض في ستة أيّام ثم استوى على العرش، وأخبر أنَّ عرشَه كان على الماء قبل
خلقها، وثبت ذلك في صحيح البخاري عن عمران بن حُصين عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: "كان الله ولا شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذِّكر كلَّ
شيء ثم خلق السموات والأرض"[19]،
مع أنَّ العرش كان مخلوقاً قبل ذلك، فمعلوم أنَّه ما زال مستولياً عليه قبل
وبعد، فامتنع أن يكون الاستيلاء العام هذا الاستيلاء الخاص بزمان كما كان
مختصاًّ بالعرش. |
|
|
سابعاً: أنَّه لم يثبت أنَّ لفظ
استوى في اللغة بمعنى استولى، إذ الذين قالوا ذلك عمدتهم البيت المشهور: |
|
|
ثم استوى بِشر على العراق |
من غير سيفٍ ولا دم مهراق |
|
ولم يثبت نقل صحيح أنَّه شعر عربي،
وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه، وقالوا: إنَّه بيت مصنوع لا يُعرف في
اللغة، وقد علم أنَّه لو احتجّ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحتاج إلى
صحّته، فكيف بيت من الشعر لا يُعرف إسناده؟! وقد طعن فيه أئمة اللغة، وذُكر عن
الخليل كما ذكره أبو المظفر في كتابه الإفصاح قال: "سُئل الخليل هل وجدتَ
في اللغة استوى بمعنى استولى؟ فقال: هذا ما لا تعرفه العرب، ولا هو جائز في
لغتها"[20].
وهو إمام في اللغة على ما عرف من حاله، فحينئذ حمله على ما لا يُعرف حمل باطل. |
|
|
ثامناً: أنَّه روي عن جماعة من أهل
اللغة أنّهم قالوا: لا يجوز استوى بمعنى استولى إلاَّ في حقِّ من كان عاجزاً ثم
ظهر، والله سبحانه لا يعجزه شيء، والعرش لا يغالبه في حال، فامتنع أن يكون بمعنى
استولى، فإذا تبيّن هذا فقول الشاعر: |
|
|
ثم استوى بِشر على العراق |
|
|
لفظ مجازي لا يجوز حمل الكلام عليه
إلاَّ مع قرينة تدل على إرادته، واللفظ المشترك بطريق الأولى، ومعلوم أنَّه ليس
في الخطاب قرينة أنَّه أراد بالآية الاستلاء. |
|
|
وأيضاً فأهل اللغة قالوا: لا يكون
استوى بمعنى استولى إلاَّ فيما كان منازعاً مغالباً، فإذا غلب أحدهما صاحبه قيل:
استولى، والله لم ينازعه أحد في العرش، فلو ثبت استعماله في هذا المعنى الأخص مع
النزاع في إرادة المعنى الأعم لم يجب حمله عليه بمجرّد قول بعض أهل اللغة مع
تنازعهم فيه، وهؤلاء ادّعوا أنّه بمعنى استولى في اللغة مطلقاً. |
|
|
تاسعاً: أنَّ معنى الاستواء معلوم
علماً ظاهراً بين الصحابة والتابعين وتابعيهم، فيكون التفسير المحدث بعده باطلاً
قطعاً، وهذا قول يزيد بن هارون الواسطي، فإنَّه قال: "إنَّ من قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} خلاف ما
تقرّر في نفوس العامة فهو جهمي"[21]،
ومنه قول مالك: "الاستواء معلوم"، وليس المراد أنَّ هذا اللفظ في
القرآن معلوم كما قال بعض الناس: استوى أم لا؟ أو أنَّه سُئل عن الكيفية ومالك
جعلها معلومة، والسؤال عن النزول ولفظ الاستواء ليس بدعة ولا الكلام فيه، فقد
تكلّم فيه الصحابة والتابعون، وإنَّما البدعة السؤال عن الكيفية"[22]. |
|
|
وقد أبطل العلاّمة ابن القيم هذا
التأويل الفاسد في كتابه الصواعق المرسلة من اثنين وأربعين وجهاً، فلم يدَعْ
رحمه الله لمبطل متعلّقاً[23]. |
|
|
فإذا تبيّن فساد هذا التأويل الذي
هو أشهر تأويلات هؤلاء، فإنَّ ما سواه من التأويلات أشدّ فساداً وأكثر بعداً عن
الحق والصواب. |
|
|
وقبل أن أختم هذا المبحث أودّ
التنبيه على أمرين: |
|
|
الأول: كلام القاضي أبي يعلى في
كتابه إبطال التأويلات بعد أن ذكر أثر أم سلمة في آية الاستواء حيث قال:
"فقد صرّحت بالقول بالاستواء غير معقول، وهذا يمنع تأويله على العلوّ
والاستيلاء"[24]. |
|
|
قال هذا رحمه الله، مع أنَّ لفظ
الأثر عنده "الاستواء غير مجهول" أي غير مجهول المعنى وهو العلو
والارتفاع كما تقدّم فكيف يُقال: إنَّه يمتنع تأويله بالعلوّ، مع أنَّ هذا هو
معنى اللفظ في لغة العرب. |
|
|
الثاني: قول القرطبي بعد أن نقل ما
قيل في معنى الاستواء حيث قال: "أظهر الأقوال وإن كنتُ لا أقول به ولا
أختاره ما تظاهرت عليه الآي والأخبار والفضلاء الأخيار أنَّ الله سبحانه على
عرشه كما أخبر في كتابه بلا كيف بائنٌ من جميع خلقه، هذا جملة مذهب السلف
الصالح"[25]. |
|
|
فهو كلام غريب من مثله رحمه الله، إذ
كيف يكون على علم بتظاهر الآيات عليه وقول الفضلاء الأخيار به وأنَّه مذهب السلف
الصالح ثم يصرّح بأنَّه لا يقول به ولا يختاره، {فَمَاذَا
بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلال}، ولذا قال السفاريني رحمه الله بعد
أن نقل كلامه هذا: "وفي قوله رحمه الله: "وإن كنتُ لا أقول به"
غاية العجب، لأنَّه اعترف بتظافر الآيات القرآنية عليه ودلالة الأخبار النبوية
إليه، وتعويل السلف الصالح الأخيار عليه، فكيف يليق من مثله أن يقول: "وإن
كنتُ لا أقول به ولا أختاره" مع الدلالات القرآنية والأحاديث النبوية،
وكونه معتقد الرعيل الأول والحزب الذي عليه المعوَّل..."[26].
وبالله وحده التوفيق. |
|
|
المبحث الثاني: |
|
|
في معنى قوله: "والكيف غير
معقول" والضوابط المستفادة منه |
|
|
قول الإمام مالك رحمه الله في
الاستواء: "والكيف غير معقول" هو نظير قول غير واحد من أئمة السلف في
إثبات الصفات عموماً: "بلا كيف"، وقد سبق نقل بعض ألفاظهم في ذلك
ومنها غير ما تقدّم: |
|
|
قول سفيان بن عيينة: "كلُّ
شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره ولا كيف ولا مثل"[27]. |
|
|
وقول وكيع: "نسلم هذه
الأحاديث كما جاءت ولا نقول كيف هذا، ولِمَ جاء هذا"[28]. |
|
|
وسبق أن مرَّ معنا قول مالك نفسه رحمه
الله، وغيره من أئمة السلف في الصفات: "أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف". |
|
|
قال شيخ الإسلام: "فقول ربيعة
ومالك: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب"
موافق لقول الباقين: "أمرُّوها كما جاءت بلا كيف" فإنَّما نفوا علم
الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرّد من غير
فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير
معقول"، ولما قالوا: "أمرُّوها كما جاءت بلا كيف"، فإنَّ
الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهول بمنزلة حروف المعجم وأيضاً فإنَّه لا
يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، إنّما يحتاج إلى نفي علم
الكيفية إذا أثبتت الصفات، وأيضاً فإنَّ من ينفي الصفات الجزئية أو الصفات
مطلقاً لا يحتاج إلى أن يقول: "بلا كيف" فمن قال: إنَّ الله ليس على
العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر
لما قالوا: بلا كيف. وأيضاً فقولهم: "أمرُّوها كما جاءت" يقتضي إبقاء
دلالتها على ما هي عليه، فإنّها جاءت ألفاظاً دالّة على معاني، فلو كانت
دلالتُها منتفية لكان الواجب أن يُقال: أمرّوا لفظها مع اعتقاد أنَّ المفهوم
منها غير مراد، أو أمرّوا لفظها مع اعتقاد أنَّ الله لا يوصف بما دلّت عليه
حقيقة، وحينئذ تكون قد أُمِرَّت كما جاءت، ولا يُقال حينئذ: "بلا
كيف"، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغوٌ من القول"[29]. |
|
|
وقول السلف رحمهم الله:
"الكيف مجهول" أو "بلا كيف" يتضمّن عدّة فوائد أُجملها فيما
يلي: |
|
|
1-
قطع طمع العقل في إدراك كيفية صفات الله، وأنَّ ذلك غير ممكن "مهما تصوّر
في وهمك فالله بخلاف ذلك". |
|
|
2-
أنّهم نفوا علمنا بالكيفية، ولم ينفوا أن يكون في نفس الأمر كيفية لا يعلمها
إلاَّ هو سبحانه "نفي الشيء غير نفي العلم به" "لم يقل مالك:
الكيف معدوم، وإنما قال الكيف مجهول". |
|
|
3-
عدم العلم بالكيفية لا يقدح في الإيمان بالصفات. |
|
|
4-
إثبات الصفة لله حقيقة، لأنَّ من ينفي الصفات ولا يثبتها لا يحتاج أن يقول:
"لا كيف". |
|
|
5-
إنَّ العلم بكيفية الشيء تكون برؤيته أو رؤية نظيره أو الخبر الصادق عنه،
والمؤمنون لن يرى أحدٌ منهم ربَّه في الدنيا، والله تبارك وتعالى لا نظير له،ولم
يأت في الخبر الصادق ذكر لكيفية صفات الباري سبحانه. |
|
|
6-
إمكانية العلم بكيفية الصفة عند رؤية الله في الآخرة. |
|
|
7-
بطلان قول المعتزلة وغيرهم الذين ينفون أن يكون له ماهية وحقيقة وراء ما علموه. |
|
|
8-
التوقّف عند النصوص وما دلّت عليه وعدم تجاوزها فالكيف مجهول، "لأنَّه لم
يرد به توقيف ولا سبيل إلى معرفته بغير توقيف"[30]. |
|
|
9-
الردّ على الممثِّلة، لأنَّ كلَّ ممثِّل مكيِّف. |
|
|
10-
أنَّ إثبات أهل السنة والجماعة للصفات هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف،
فالمؤمن مُبصِرٌ بها من وجه، أعمى من وجه آخر. |
|
|
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله: "المشهور بين أهل السنة والجماعة أنَّه لا يُقال في صفات الله عز وجل
(كيف) ولا في أفعاله (لِمَ) وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أنَّ السلف والأئمة
نفوا علمنا الآن بكيفيته، كقول مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول".
لم ينفوا أن يكون في نفس الأمر له حقيقة يعلمها هو، وتكلّمنا على إمكان العلم
بها عند رؤيته في الآخرة أو غير ذلك، لكن كثيراً من الجهمية من المعتزلة وغيرهم
ينفون أن يكون له ماهية وحقيقة وراء ما علموه"[31]. |
|
|
وقال ابن القيم رحمه الله:
"ومراد السلف بقولهم: "بلا كيف" هو نفي للتأويل، فإنَّه التكييف
الذي يزعمه أهل التأويل، فإنَّهم هم الذين يثبتون كيفيةً تخالف الحقيقة فيقعون في
ثلاثة محاذير: نفي الحقيقة، وإثبات التكييف بالتأويل، وتعطيل الرب تعالى عن صفته
التي أثبتها لنفسه، وأما أهل الإثبات فليس أحد منهم يكيِّف ما أثبته الله تعالى
لنفسه، ويقول: كيفية كذا وكذا، حتى يكون قول السلف "بلا كيف" ردًّا
عليه، وإنّما ردّوا على أهل التأويل الذي يتضمّن التحريف والتعطيل، تحريف اللفظ
وتعطيل معناه"[32]. |
|
|
وقال أيضاً: "إنَّ العقل قد
يئس من تعرّف كُنه الصفة وكيفيتها، فإنَّه لا يعلم كيف الله إلاَّ الله، وهذا
معنى قول السلف "بلا كيف" أي: بلا كيف يعقله البشر، فإنَّ من لا تعلم
حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها،
ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من
حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته، مع قرب ما بين المخلوق
والمخلوق، فعَجْزُنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم. |
|
|
فكيف يطمع العقل المخلوق المحصور
المحدود في معرفة كيفية من له الكمال كلّه، والجمال كلّه، والعلم كلُّه، والقدرة
كلّها، والعظمة كلّها، والكبرياء كلّها؟ من لو كُشف الحجاب عن وجهه لأحرقت
سبحاته السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، وما وراء ذلك، الذي يقبض سمواته
بيده فتغيب كما تغيب الخردلة في كفِّ أحدنا، الذي نسبة علوم الخلائق كلّها إلى
علمه أقلَّ من نسبة نقْرة عصفور من بحار العلم الذي لو أنَّ البحر يمدُّه من
بعده سبعة أبحر مداد وأشجار الأرض من حين خلقت إلى قيام الساعة أقلام، لفَنِيَ
المداد وفنيت الأقلام، ولم تنفد كلماته، الذي لو أنَّ الخلق من أول الدنيا إلى
آخرها، إنسهم وجِنَّهم، وناطقهم وأعجمهم، جُعلوا صفًّا واحداً ما أحاطوا به
سبحانه، الذي يضع السموات على إصبع من أصابعه، والأرض على إصبع، والجبال على
إصبع، والأشجار على إصبع، ثمّ يهزّهنَّ، ثم يقول: أنا الملك. |
|
|
فقاتل الله الجهمية والمعطّلة! أين
التشبيه ها هنا؟ وأين التمثيل؟ لقد اضمحلَّ ها هنا كلُّ موجود سواه، فضلاً عن أن
يكون له ما يماثله في ذلك الكمال، ويشابهه فيه، فسبحان من حجب عقول هؤلاء عن
معرفته، وولاّها ما تولّت من وقوفها مع الألفاظ التي لا حرمة لها، والمعاني التي
لا حقائق لها. |
|
|
ولما فهمت هذه الطائفة من الصفات
الإلهية ما تفهمه من صفات المخلوقين، فرَّت إلى إنكار حقائقها، وابتغاء تحريفها،
وسمَّته تأويلاً، فشبّهت أوَّلاً، وعطّلت ثانياً، وأساءت الظنَّ بربِّها وبكتابه
وبنبيِّه، وبأتباعه"[33]. |
|
|
ثم بيّن رحمه الله وجه إساءة هؤلاء
الظنّ بربِّهم وكتابه ونبيّهم وأتباعه. |
|
|
وقال الجويني في رسالته (النصيحة
في صفات الرب جلَّ وعلا): "وصفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت، غير
معقولة له من حيث التكييف والتحديد، فيكون المؤمن بها مبصراً من وجه، أعمى من
وجه، مبصراً من حيث الإثبات والوجود، أعمى من حيث التكييف والتحديد، وبهذا يحصل
الجمع بين الإثبات لما وصف الله به نفسه، وبين نفي التحريف والتشبيه والوقوف،
وذلك هو مراد الله تعالى مِنَّا في إبراز صفاته لنا لنعرفه بها، ونؤمن بحقائقها
وننفي عنها التشبيه، ولا نعطلها بالتحريف والتأويل، لا فرق بين الاستواء والسمع،
ولا بين النزول والبصر، لأنَّ الكلَّ ورد في النص"[34]. |
|
|
فهذا هو مراد السلف رحمهم الله
بقولهم: "بلا كيف". |
|
|
ومع ذلك فقد قال الزمخشري المعتزلي
في كشافه: "ثم تعجب من المتسمّين بالإسلام، المتسمّين بأهل السنة والجماعة كيف
اتخذوا هذه العظيمة[35]
مذهباً، ولا يغرّنك تستّرهم بالبَلْكَفَة[36]،
فإنَّه من منصوبات أشياخهم[37]،
والقول ما قال بعض العدلية[38]
فيهم: |
|
|
لجماعة سمّوا هواهم سنّة |
وجماعة حمر لعمري موكفه[39] |
|
قد شبّهوه بخلقه وتخوّفوا |
شنع
الورى فتستّروا بالبلكفه"[40]. |
|
وقد أجاب بعض أهل العلم عن هذين
البيتين بمثلهما فقال: |
|
|
عجباً لقوم ظالمين تلقّبوا |
بالعدل ما فيهم لعمري معرفة |
|
قد جاءهم من حيث لا يدرونه |
تعطيل ذات الله مع نفي الصفة[41] |
|
ثم هم مع تعطيل الذات ونفي الصفة قد
شبّهوا الله تبارك وتعالى بخلقه، لأنّهم إنما قالوا بالتعطيل لتوهمهم التشبيه،
ففرّوا منه إلى التعطيل، فوقعوا في تشبيه آخر، وهو تشبيه الله بالممتنعات
والمعدومات أو الجمادات، وذلك بحسب نوع تعطيلهم، وقد "برّأ الله أتباع
رسوله وورثته القائمين بسنّته عن ذلك كلّه فلم يصفوه إلاَّ بما وصف به نفسه
ووصفه به نبيُّه صلى الله عليه وسلم، ولم يجحدوا صفاته، ولم يشبّهوها بصفات
خلقه، ولم يعدلوا بها عمّا أنزلت عليه لفظاً ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء
والصفات ونفوا عنه مشابهة المخلوقات، فكان إثباتهم بريًّا من التشبيه، وتنزيههم
خليًّا من التعطيل لا كمن شبّه حتى كأنَّه يعبد صنماً، أو عطّل حتى كأنَّه لا
يعبد إلاَّ عدَماً"[42]،
والحمد لله رب العالمين. |
|
|
المبحث الثالث: |
|
|
في معنى قوله "والإيمان به
واجب" والضوابط المستفادة منه |
|
|
لا ريب أنَّ الإيمان بالاستواء وغيره
من صفات الباري سبحانه واجبٌ، وكذلك "الجحود به كفرٌ، لأنَّه ردٌ لخبر
الله، وكفرٌ بكلام الله، ومن كفر بحرف متفق عليه فهو كافر، فكيف بمن كفر بسبع
آيات وردَّ خبَرَ الله تعالى في سبعة مواضع من كتابه"[43]،
وقد سبق أنْ مرّ معنا نصوصٌ كثيرةٌ في مبحث سابق فيها أوضح دلالة على وجوب
الإيمان بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة. و"كتاب الله من
أوّله إلى آخره، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أوّلها إلى آخرها، ثم عامة
كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة مملوءٌ بما هو إمّا نصٌ وإمّا
ظاهرٌ في أنَّ الله سبحانه وتعالى هو العليُّ الأعلى، وهو فوق كلِّ شيء، وهو على
كل شيء، وإنَّه فوق العرش، وإنَّه فوق السماء، مثل قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ
الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}[44]،
{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}[45]،
{أَأَمِنْتُمْ مَن فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ
بِكُمُ الأَرْضَ}[46]،
{أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ
يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا}[47]،
{بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ}[48]،
{تَعْرُجُ المَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ}[49]،
{يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى
الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ}[50]،
{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ}[51]،
{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ}، في
ستّة مواضع[52]،
{الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى}،
{يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي
أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاِت فَأَطِّلِعَ إِلَى إِلَهِ ُموَسى
وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً}[53]،
{تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}[54]،
{مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ}[55]
إلى أمثال ذلك مما لا يحصى إلا بكلفة. |
|
|
وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا
يحصى إلا بالكلفة، مثل قصة معراج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربّه[56]،
ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه، وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون
فيكم بالليل والنهار: "فيعرج الذين باتوا فيكم
إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم"[57]. |
|
|
وفي الصحيح في حديث الخوارج: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء
صباحاً ومساءً"[58]،
وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره "ربّنا
الله الذي في السماء، تقدّس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتُك في السماء
اجعل رحمتَك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من
رحمتك، وشفاء من شفاءك على هذا الوجع" قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "إذا اشتكى أحد منكم أو اشتكى أخ له فليقل:
ربنا الله الذي في السماء..."، وذكره[59]،
إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلاّ الله، مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية
والمعنوية"[60]. |
|
|
فليس لمسلمٍ يؤمن بوحي الله وتنزيله
ويؤمن بما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجحد شيئاً من ذلك أو يتعرَّض له
بردٍّ أو تحريفٍ أو نحو ذلك، بل الواجب هو القبول والتسليم والإيمان والتعظيم،
و"القول الشامل في جميع هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه
به رسوله، وبما وصفه به السابقون الأولون لا يُتجاوز القرآن والحديث. |
|
|
قال الإمام أحمد رضي الله عنه:
"لا يوصف إلاَّ بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لا
يُتجاوز القرآن والحديث"، ومذهب السلف أنّهم يصفون الله بما وصف به نفسه
وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونعلم
أنَّ ما وصف الله به من ذلك فهو حقٌّ ليس فيه لُغْزٌ ولا أحَاجي، بل معناه يعرف
من حيث يعرف مقصود المتكلّم بكلامه، لا سيما إذا كان المتكلّم أعلم الخلق بما
يقول، وأفصح الخلق في بيان العلم، وأفصح الخلق في البيان والتعريف والدلالة
والإرشاد، وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء، لا في نفسه المقدّسة المذكورة
بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فكما نتيقّن أنَّ الله سبحانه له ذات حقيقة، وله
أفعال حقيقة، فكذلك له صفات حقيقة وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته،
ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصاً أو حدوثاً فإنَّ الله منزَّهٌ عنه حقيقة،
فإنَّه سبحانه مستحقٌ للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث لامتناع
العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقة العدم، ولافتقار المحدَث إلى محدِث، ولوجوب
وجوده بنفسه سبحانه وتعالى. |
|
|
ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل،
فلا يمثِّلون صفات الله بصفات خلقه كما لا يمثِّلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون
عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فيعطِّلوا أسماءه الحسنى وصفاته العليا
ويحرِّفوا الكلم عن مواضعه ويلحدوا في أسماء الله وآياته، وكل واحد من فريقي
التعطيل والتمثيل فهو جامع بين التعطيل والتمثيل، أما المعطِّلون فإنَّهم لم
يفهموا من أسماء الله وصفاته إلاّ ما هو اللاّئق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك
المفهومات، فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل، مثّلوا أوّلاً وعطّلوا آخراً، وهذا
تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم،
وتعطيل لما يستحقُّه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللاّئقة بالله سبحانه
وتعالى"[61]. |
|
|
ويمكن تلخيص الأقسام الممكنة في
آيات الصفات وأحاديثها في ستة أقسام ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكل
قسم منها عليه طائفة من أهل القبلة وهي: |
|
|
قسمان يقولان: تجرى نصوص الصفات
على ظواهرها. |
|
|
وقسمان يقولان: إنَّ نصوص الصفات
على خلاف ظاهرها، أي ظاهرها غير مراد. |
|
|
وقسمان: يسكتون. |
|
|
أما الأولون فقسمان: |
|
|
أحدهما: من يجريها على ظاهرها
ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء المشبِّهة، ومذهبهم باطل أنكره
السلف، وإليهم يتوجّه الردّ بالحق. |
|
|
الثاني: من يجريها على ظاهرها
اللاّئق بجلال الله، كما يجري ظاهر اسم العليم والقدير والرب والإله والموجود
والذات ونحو ذلك على ظاهرها اللاّئق بجلال الله، فإنَّ ظواهر هذه الصفات في حق
المخلوق إمَّا جوهر محدَث، وإمَّا عرَض قائم به. |
|
|
فالعلم والقدرة والكلام والمشيئة
والرحمة والرضا والغضب ونحو ذلك في حق العبد أعراضٌ، والوجه واليد والعين في حقه
أجسام، فإذا كان الله موصوفاً عند عامة أهل الإثبات بأنَّ له علماً وقدرةً
وكلاما ومشيئة وإن لم يكن ذلك عرَضاً يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين جاز
أن يكون وجه الله ويداه صفات ليست أجساماً يجوز عليها ما يجوز على صفات
المخلوقين. |
|
|
وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي
وغيره عن السلف، وعليه يدل كلام جمهورهم، وكلام الباقين لا يخالفه، وهو أمر
واضحٌ، فإنَّ الصفات كالذات، فكما أنَّ ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من
جنس المخلوقات، فصفاته ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقات... |
|
|
وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها،
أعني الذين يقولون ليس لها في الباطن مدلول هو صفة الله تعالى قط، وأنَّ الله لا
صفة له ثبوتية، بل صفاته إما سلبية وإما إضافية وإما مركبة منهما، أو يثبتون بعض
الصفات وهي الصفات السبعة أو الثمانية أو
الخمسة عشر أو يثبتون الأحوال دون
الصفات، ويقرّون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث، على ما قد عرف من
مذاهب المتكلّمين، فهؤلاء قسمان: |
|
|
قسم: يتأوّلونها ويُعيِّنون المراد
مثل قولهم: استوى بمعنى استولى، أو بمعنى علوّ المكانة والقدر، أو بمعنى ظهور
نوره للعرش، أو بمعنى انتهاء الخلق إليه، إلى غير ذلك من معاني المتكلِّمين. |
|