|
|
|
|
|
|
|
بحث في إجابة الدعوة |
|
|
إعداد |
|
|
أستاذ مساعد
بكلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية |
|
|
الجامعة
الإسلامية - المدينة النبوية |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
المقدمة |
|
|
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور
أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن
لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. |
|
|
{يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ
وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[1]. |
|
|
{يَا أَيُّهَا
النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ
مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا
اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
عَلَيْكُمْ رَقِيباً}[2]. |
|
|
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا
قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}[3]. |
|
|
أما بعد: |
|
|
فإن الدعوات في هذا العصر قد كثرت وأصبح الكثير لا يدري ما
يأتي منها وما يذر سواء كانت لعرس أو إملاك أو عقيقة أو حضور ضيف أو غير ذلك. |
|
|
وأصبح البعض الآخر في حرج من عدم
الإجابة فأحببت أن أدلي بدلوي في هذا الباب ببحث هذه المسألة بجمع أدلتها مع
تخريجها والحكم عليها وبيان أقوال أهل العلم فيها ومناقشتها وبيان الراجح منها
حسب مايظهر لي[4]
وسميته: |
|
|
(إجابة الدعوة) |
|
|
وجعلته في مقدمة ومبحثين: |
|
|
المبحث الأول: حكم إجابة الدعوة. |
|
|
المبحث الثاني: الأكل لمن دعي إذا
حضر. |
|
|
وخاتمة تشتمل على أهم النتائج في
هذا البحث. |
|
|
هذا وقد بذلت جهدي في إخراج هذا
البحث فما كان فيه من صواب فمن توفيق الله وما كان فيه من خطأ فأسأل الله العفو
والتوفيق للصواب. |
|
|
والله أسأل أن ينفع به وأن يعظم به
الأجر إنه ولي ذلك والقادر عليه. |
|
|
وصلى الله وسلم على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين. |
|
|
|
كتبه |
|
|
إبراهيم بن علي عبيد العبيد |
|
|
المدينة النبوية |
|
|
في 1/1/1417ﻫ |
|
المبحث الأول: حكم إجابة الدعوة |
|
|
عند تأمل الأحاديث الواردة في هذه
المسألة نجد أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم إجابة الدعوة إذا دعي إليها حتى لو
دعي إلى كراع كما ثبت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم وقد تعددت الأحاديث القولية
والفعلية في ذلك واختلفت دلالتها فبعضها ظاهر في الوجوب مطلقاً، وبعضها ظاهر في
الوجوب في وليمة العرس، وبعضها ظاهر في السنية ولهذا اختلفت مذاهب أهل العلم في
ذلك على أقوال هي: |
|
|
القول الأول: |
|
|
وجوب إجابة الدعوة مطلقاً سواء
كانت عرساً أو غيره وممن قال بهذا: بعض الشافعية وأهل الظاهر وعبيدالله بن الحسن
العنبري قاضي البصرة والشوكاني وابن حزم، وقال: إن هذا قول جمهور الصحابة
والتابعين[5]. |
|
|
لكن تعقبه العراقي[6]
فقال: وادعى ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين وفي ذلك نظر. |
|
|
وقال الحافظ ابن حجر[7]:
وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين ويعكر عليه مانقلناه عن عثمان بن
أبي العاص وهو من مشاهير الصحابة أنه قال في وليمة الختان: "لم يكن يدعى
لها" لكن يمكن الانفصال عنه بأن ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دعوا... |
|
|
أدلة هذا القول: |
|
|
1- حديث أبي هريرة رضي الله عنه
قال: "شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك
الدعوة فقد عصى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم". |
|
|
أخرجه البخاري[8]،
ومسلم[9]،
وأبو داود[10]،
والنسائي[11]،
وابن ماجه[12]،
وفي لفظ لمسلم مرفوعاً جميعه[13]. |
|
|
ووجه الدلالة منه أن العصيان لا
يطلق إلا على ترك الواجب والوليمة تشمل العرس وغيره[16]. |
|
|
2- حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعي
أحدكم إلى الوليمة فليأتها". |
|
|
وفي لفظ متفق عليه "أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها". قال:
وكان عبد الله يأتي الدعوة في العرس وغير العرس ويأتيها وهو صائم". |
|
|
وفي لفظ لمسلم وأبي داود "إذا
دعا أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو نحوه". |
|
|
وله ألفاظ أخر[21]. |
|
|
ووجه الدلالة منه أن النبي صلى
الله عليه وسلم أمر بإجابة الوليمة والدعوة والأصل في الأمر الوجوب إلا أن يصرفه
صارف، وقالوا إن الوليمة والدعوة تشمل العرس وغيره ويؤيد هذا رواية مسلم وغيره "عرساً كان أو نحوه" وأن عبد الله بن عمر
وهو راوي الحديث كان يأتي الدعوة في العرس وهو صائم[22]. |
|
|
وفي لفظ لأبي داود[23]،
وابن عدي[24]،
والبيهقي[25]
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دعي
فلم يجب فقد عصى الله ورسوله ومن دخل على غير دعوة دخل سارقاً وخرج مغيراً". |
|
|
وفي هذا اللفظ قال: "من دعي فلم يجب" ولم يخصها بالوليمة. |
|
|
وفي لفظ لأبي يعلي[26]
"إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجبها ومن لم يجب
الدعوة فقد عصى الله ورسوله". |
|
|
ووجه الدلالة أنه سمى من لم يجب
الدعوة عاصياً لله ولرسوله. |
|
|
قال ابن حزم[27]:
فإن قيل قد جاء في بعض الآثار "إذا دعي أحدكم إلى
وليمة عرس فليجب" قلنا نعم لكن الآثار التي أوردنا فيها زيادة غير
العرس مع العرس وزيادة العدل لايحل تركها. |
|
|
3- حديث البراء بن عازب رضي الله
عنه قال: "أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا
بإتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصرة المظلوم، وإبرار القسم،
ورد السلام، وتشميت العاطس، ونهانا عن آنية الفضة، وخاتم الذهب، والحرير،
والديباح، والقسى، والإستبرق". |
|
|
وفي الباب عن أبي موسى رضي الله
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فكوا
العاني، وأجيبوا الداعي وعودوا المريض" أخرجه البخاري[32]. |
|
|
ووجه الدلالة منهما أن النبي صلى
الله عليه وسلم أمر بإجابة الداعي مطلقاً والأصل في الأمر الوجوب. |
|
|
4- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حق
المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة
الدعوة، وتشميت العاطس". |
|
|
وفي لفظ لمسلم أيضاً، ولفظ أبي
داود "خمس تجب للمسلم على أخيه". |
|
|
وفي الباب عن علي[37]
، وأبي مسعود[38]،
وأبي أيوب[39]
رضي الله عنهم. |
|
|
ووجه الدلالة أن المراد بالحق
الوجوب بدليل رواية مسلم وأبي داود. |
|
|
قال الحافظ[40]:
"وقد تبين أن معنى الحق هنا الوجوب خلافاً لقول ابن بطال المراد حق الحرمة
والصحبة والظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية".اﻫ |
|
|
وحديث أبي أيوب نص في الوجوب لو صح
لكنه ضعيف. |
|
|
5- حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من دعاكم
فأجيبوه". |
|
|
أخرجه الطبراني في الكبير[41]. |
|
|
ووجه الدلالة ظاهرة كالدليل
الثاني. |
|
|
6- حديث ابن مسعود رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أجيبوا
الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين". |
|
|
أخرجه أحمد[42]،
وابن أبي شيبة[43]،
والبخاري في الأدب المفرد[44]،
والبزار[45]،
والطحاوي[46]،
وابن حبان[47]،
والطبراني[48]. |
|
|
ووجه الدلالة منه ظاهرة كالدليل
الثاني. |
|
|
7- حديث جابر رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي
أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك". |
|
|
وأخرجه ابن ماجه[52]
وزاد "وهو صائم" وفي الباب عن أبي
هريرة[53]،
وابن مسعود[54]. |
|
|
ووجه الدلالة أن هذا أمر والأصل في
الأمر الوجوب. |
|
|
8- عن عكرمة بن عمار سمعت أبا
غادية اليمامي قال: "أتيت المدينة فجاء رسول كثير بن الصلت فدعاهم فما قام
إلا أبو هريرة وخمسة منهم أنا فذهبوا فأكلوا ثم جاء أبو هريرة ثم قال: والله يا
أهل المسجد إنكم لعصاة لأبي القاسم صلى الله عليه وسلم". |
|
|
أخرجه أحمد[55]. |
|
|
ووجه الدلالة ظاهرة حيث سمى من لم
يجب عاصياً. |
|
|
9- حديث عياض بن أشرس السلمي قال:
رأيت يعلي بن مرة دعوته إلى مأدبة فقعد صائماً فجعل الناس يأكلون ولا يطعم فقلت
له: والله لو علمنا أنك صائم ما عتبناك قال: لا تقولوا ذلك فإني سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: "أجب أخاك فإنك منه على
اثنتين إما خير فأحق ما شهدته، وإما غيره فتنهاه عنه وتأمره بالخير". |
|
|
أخرجه الطبراني في الكبير[56]. |
|
|
ووجه الدلالة منه أن النبي صلى
الله عليه وسلم أمر بإجابة الدعوة. |
|
|
قال الشوكاني[57]:
"والظاهر الوجوب للأوامر الواردة بالإجابة من غير صارف لها من الوجوب ولجعل
الذي لم يجب عاصياً وهذا في وليمة النكاح في غاية الظهور وأما في غيرها من
الولائم الآتية فإن صدق عليها اسم الوليمة شرعاً كما سلف في أول الباب كانت
الإجابة إليها واجبة...". |
|
|
وقال أيضاً: ولكن الحق ما ذهب إليه
الأولون يعني القول بالوجوب. |
|
|
القول الثاني: |
|
|
أن إجابة الدعوة سنة مطلقاً في العرس وغيره وممن قال بهذا
القول: |
|
|
بعض الشافعية والحنابلة وذكر
اللخمي من المالكية أنه المذهب[58]
وابن عبد البر[59]. |
|
|
أدلة هذا القول: |
|
|
استدل أصحاب هذا القول بعموم أدلة
أصحاب القول الأول وأنها تدل على السنية واستدلوا أيضاً بأن النبي صلى الله عليه
وسلم كان هدْيُهُ إجابة الدعوة كما ورد في أحاديث كثيرة منها: |
|
|
1- حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو دعيت إلى
كُراع لأجبت، ولو أهدي إليَّ كراع لقبلت". |
|
|
أخرجه البخاري[60]،
والنسائي[61]،
ولفظه "لو دعيت إلى كراع أو إلى ذراع ولو أهدي
إلىَّ ذراع أو كراع لقبلت" وفي الباب عن أنس[62]
وابن عباس[63]
رضي الله عنهم. |
|
|
2- حديث سهل بن سعد رضي الله عنه
قال: "دعا أبو أسيد الساعدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرسه وكانت
امرأته يومئذ خادمهم، وهى العروس، قال سهل: تدرون ما سقت رسول الله صلى الله
عليه وسلم أنقعت له تمرات من الليل فلما أكل سقته إياه". |
|
|
أخرجه البخاري[64]
، ومسلم[65]
، وفي الباب عن أنس[66]
، وأبي طلحة[67]
رضي الله عنهما. |
|
|
3- حديث أنس رضي الله عنه قال:
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض ويشهد الجنازة ويركب الحمار
ويجيب دعوة العبد، وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف[68]
ليف". |
|
|
أخرجه الترمذي[69]
، وابن ماجه[70]
، وابن سعد[71]،
وابن أبي شيبة[72]،
وابن أبي الدنيا[73]
، وأبو الشيخ[74]،
والبيهقي[75]. |
|
|
4- حديث أنس رضي الله عنه قال:
"كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب
ولقد كان له درع عند يهودي فما وجد ما يفكها حتى مات". |
|
|
أخرجه الترمذي في الشمائل[76]،
وأبو يعلي[77]،
وأبو الشيخ[78]. |
|
|
وفي الباب عن ابن عباس[79]
رضي الله عنهما. |
|
|
ووجه الدلالة من هذه الأحاديث أن
هدي النبي صلى الله عليه وسلم هو إجابة الدعوة وهذا فعل وهو يدل على السنية. |
|
|
القول الثالث: |
|
|
التفصيل وهو أن إجابة الدعوة تجب
في العرس دون غيره. |
|
|
وممن قال بهذا: مالك والثوري
والشافعي والخطابي والعنبري والحنفية وجمهور الحنابلة وجمهور الشافعية وهو
المشهور عنهم وبالغ السرخسي منهم فنقل الإجماع[80]
وهو قول الجمهور. |
|
|
ونقل القاضي عياض وغيره الاتفاق
على وجوب الإجابة في وليمة العرس[81]. |
|
|
لكن اعترض على هذا النقل الحافظ
ابن حجر[82]
فقال: "وقد نقل ابن عبد البر ثم عياض ثم النووي الاتفاق على القول بوجوب
الإجابة إلى وليمة العرس وفيه نظر نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب وصرح
جمهور الشافعية والحنابلة أنها فرض عين ونص عليه مالك وعن بعض الشافعية
والحنابلة أنها مستحبة وذكر اللخمي من المالكية أنه المذهب...". |
|
|
أدلة هذا القول: |
|
|
1- عموم أحاديث الباب وأنها تدل
على السنية إلا ما نص عليه وهو وليمة العرس. |
|
|
2- حديث أبي هريرة رضي الله عنه
قال: "شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن ترك
الدعوة فقد عصى الله ورسوله"[83]. |
|
|
ووجه الدلالة منه أن هذا الحديث
يدل على وجوب إجابة وليمة العرس دون غيرها لأن الوليمة المراد بها وليمة العرس
إذا أطلقت دون غيرها وهذا الدليل هو الذي خصص دعوة وليمة العرس بالوجوب دون
غيرها من الدعوات فتبقى على السنية[84]. |
|
|
3- حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعي أحدكم
إلى الوليمة فليأتها". |
|
|
وفي لفظ "إذا
دعي أحدكم إلى الوليمة فليجبها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله"[85]. |
|
|
ووجه الدلالة أن المراد بالوليمة
هي وليمة العرس كما تقدم وما ورد في بعض ألفاظه "الدعوة"
فالألف واللام للعهد والمراد بها وليمة العرس[86]. |
|
|
4- حديث أبي هريرة رضي الله عنه
قال: "الوليمة حق وسنة فمن دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله والخُرس
والإعذار والتوكير أنت فيه بالخيار". |
|
|
قال قلت: إني والله لا أدري ما
الخرس والإعذار والتوكير ؟ قال: الخرس الولادة والإعذار الختان، والتوكير الرجل
يبني الدار وينزل في القوم فيجعل الطعام فيدعوهم فهم بالخيار إن شاؤا جاؤا، وإن
شاؤا قعدوا". |
|
|
أخرجه الطبراني في الأوسط[87]. |
|
|
ووجه الدلالة منه أنه فرق بين دعوة
الوليمة وغيرها وسمى من لم يجب في الوليمة عاصياً أما غيرها فهو بالخيار. |
|
|
القول الرابع: |
|
|
أن إجابة وليمة العرس فرض كفاية
إذا قام به البعض سقط عن الباقين. |
|
|
وممن قال بهذا: بعض الشافعية
والحنابلة[88]. |
|
|
أدلة هذا القول: |
|
|
عموم الأدلة السابقة وقالوا إن
الإجابة إكرام وموالاة فهي كرد السلام[89]. |
|
|
القول الخامس: |
|
|
أن إجابة الدعوة تسن في العرس
وتباح في غيره، حكاه العراقي عن بعض الحنابلة[90]. |
|
|
المناقشة: |
|
|
بعد استعراض الأقوال في هذه المسألة اتضح أن الأقوال فيها
خمسة المشهور منها ثلاثة: الوجوب والسنية والتفصيل وإن كان كل قول منها لا يسلم
من اعتراض لكن قد يكون الاعتراض له حظ من النظر وقد لا يكون له حظ من النظر وفي
هذا المبحث أود أن أورد فيه الاعتراضات الواردة على أدلة كل قول ومناقشتها قدر
الإمكان مع ذكر أقوال أهل العلم في ذلك فأقول: |
|
|
مناقشة أدلة أصحاب القول الأول: |
|
|
نوقشت أدلة أصحاب القول الأول. |
|
|
أما الدليل الأول وهو حديث أبي
هريرة فاعترض عليه من وجهين: |
|
|
الأول: بأن المراد به وليمة العرس
وذلك لأن الوليمة إذا أطلقت فالمراد بها وليمة العرس. |
|
|
قال الحافظ ابن حجر[91]:
عقب تبويب البخاري "باب حق إجابة الوليمة والدعوة": كذا عطف
الدعوة على الوليمة فأشار بذلك إلى أن الوليمة مختصة بطعام العرس ويكون عطف
الدعوة عليها من العام بعد الخاص وقد تقدم بيان الاختلاف في وقته. |
|
|
وأما اختصاص اسم الوليمة به فهو
قول أهل اللغة فيما نقله عنهم ابن عبد البر[92]
وهو المنقول عن الخليل بن أحمد وثعلب وغيرهما وجزم به الجوهري[93]
وابن الأثير[94]
وقال صاحب المحكم: الوليمة طعام العرس والإملاك، وقيل كل طعام صنع لعرس وغيره. |
|
|
وقال عياض في المشارق: الوليمة
طعام النكاح وقيل: الإملاك وقيل: طعام العرس خاصة. |
|
|
وقال الشافعي وأصحابه: تقع الوليمة
على كل دعوة تتخذ لسرور حادث من نكاح أو ختان أو غيرهما، لكن الأشهر استعمالها
عند الإطلاق في النكاح وتقيد في غيره فيقال: وليمة الختان ونحو ذلك . |
|
|
وقال الأزهري[95]:
الوليمة مأخوذة من الوَلم الجمع وزناً ومعنى لأن الزوجين يجتمعان. |
|
|
وقال ابن الأعرابي: أصلها من تتم
الشيء واجتماعه. |
|
|
وجزم الماوردي ثم القرطبي بأنها لا
تطلق في غير طعام العرس إلا بقرينة وأما الدعوة فهي أعم من الوليمة...
اﻫ. |
|
|
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية[96]:
الوليمة تختص بطعام العرس في مقتضى كلام أحمد في رواية المروذي. |
|
|
وقيل: تطلق على كل طعام لسرور حادث
وقاله القاضي في الجامع وقيل: تطلق على ذلك إلا أنه في العرس أظهر. |
|
|
وقال العراقي[97]:
اختلف العلماء وأهل اللغة في الوليمة والمشهور اختصاصها بطعام العرس... ثم ساق
نحو كلام الحافظ السابق. |
|
|
وقال في القاموس[98]:
الوليمة طعام العرس أو كل طعام صنع لدعوة وغيرها وأَوْلَم صنعها. |
|
|
قال ابن رسلان[99]:
وقول أهل اللغة أقوى لأنهم أهل اللسان وهم أعرف بموضوعات اللغة وأعلم بلسان
العرب. |
|
|
وقال الشوكاني[100]:
عقب دلالة هذا الحديث: "والظاهر الوجوب للأوامر الواردة بالإجابة من غير
صارف لها عن الوجوب ولجعل الذي لم يجب عاصياً وهذا في النكاح في غاية الظهور
وأما في غيرها من الولائم الآتية فإن صدق عليها اسم الوليمة شرعاً كما سلف في
أول الباب كانت الإجابة إليها واجبة". |
|
|
وقال أيضاً[101]:
ويمكن أن يقال: الوليمة في اللغة وليمة العرس فقط وفي الشرع للولائم
المشروعة.اﻫ. |
|
|
وبعد إيراد هذه النقول يظهر لنا أن
المشهور عند أهل اللغة وغيرهم أن الوليمة لا تطلق إلا على وليمة العرس فقط وعلى
هذا لا يكون في الحديث دلالة على الوجوب إلا في وليمة العرس فقط. |
|
|
قال الطحاوي[102]:
فتأملنا هذا الحديث - يعني حديث أبي هريرة - لنقف على معناه الذي أريد به إن شاء
الله فوجدنا الطعام المقصود بما ذكر إليه فيه هو الوليمة وكانت صنفاً من الأطعمة
لأن في الأطعمة أصنافاً سواها نحن ذاكروها في هذا الباب إن شاء الله وهو ما سمعت
أحمد بن أبي عمران يقول: كانت العرب تسمى الطعام الذي يطعمه الرجل إذا ولد له
مولود طعام الخرس وتسمى طعام الختان طعام الأعذار. يقولون: قد أعذر على ولده. |
|
|
وإذا بنى الرجل داراً أو اشتراها
فأطعم قيل طعام الوكيرة أي من الوكر. |
|
|
وإذا قدم من سفر فأطعم قيل طعام
النقيعة. |
|
|
قال: وأنشد أبو نصر أحمد بن حاتم
صاحب الأصمعي: |
|
|
إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم |
ضرب القدار نقيعة القدام |
|
قال: والقدار الجزار والقدام القادمون يقال قادم وقدّام كما
يقال كاتب وكتاب. |
|
|
وطعام المأتم يقال له طعام الهضيمة
قال لنا ابن أبي عمران: وأنشدني الحسن بن عمرو الوائلي لأم حكيم بنت عبد المطلب
لأبيها: |
|
|
كفى قومه نائبات الخطوب |
في آخر الدهر والأول |
|
طعام الهضائم والمأدبات |
وحمل عن الغارم المثقل |
|
وطعام الدعوة: طعام المأدبة قال لي ابن أبي عمران: وم | |