|
|
|
|
|
|
|
الأسفار
المقدسة عند اليهود |
|
|
عرض ونقد |
|
|
تأليف |
|
|
عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
مقدمة: |
|
|
الحمد
لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه
أجمعين. |
|
|
أما
بعد: |
|
|
فهذه
دراسة موجزة عن موضوع (الأسفار المقدسة عند اليهود - عرض ونقد - وأثرها في
انحرافهم) سرت فيها على خطى علمائنا المتقدمين- الذين قاموا بهدي من القرآن الكريم
والسنة النبوية المطهرة ببيان مواطن التحريف والتبديل في كتب أهل الكتاب - إقامة
للحجة وإلزاماً للبينة ومجادلة بالتي هي أحسن - ليحيى من حيّ عن بينة ويهلك من
هلك عن بينة - وتحذيراً لإخواننا المسلمين من كيد أعدائنا. قال
تعالى: {لَتَجِدَنّ أَشَدّ النّاسِ عَدَاوَةً
لّلّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالّذِينَ أَشْرَكُواْ..}[1]،
لأن اليهود أعداء الحق والفضيلة والخير منذ ظهورهم قال تعالى: {لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَلَىَ
لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ
بِمَا عَصَوْا وّكَانُواْ يَعْتَدُون
كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مّنكَرٍ
فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}[2]. |
|
|
واليهود
أعداؤنا ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، فحينما بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
سارع اليهود إلى تكذيبه وإنكار رسالته مع أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، بل
قالوا لقريش عبدة الأصنام بأنهم أهدى سبيلاً من محمد
صلى الله عليه وسلم، وحاربوا النبي صلى الله عليه وسلم بشتى الوسائل بالشبهات
والشكوك والكيد والنفاق، والاغتيال والقتال والسحر والسم. |
|
|
وهم أعداؤنا حاضراً باحتلالهم أولى القبلتين ومسرى رسول
الله صلى الله عليه وسلم وثالث المساجد التي تشد الرِّحال إليها وقتلهم المسلمين
وتشريدهم واحتلالهم ديارنا. |
|
|
وأعداؤنا
مستقبلاً فقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بأن المسيح الدجال سيتبعه عند
خروجه سبعون ألفاً من يهود أصبهان، فهم جند الدجال
وأعوانه، كما أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه
وسلم بأنه: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود،
حتى يقول الحجر -وراءه يهودي-: يا مسلم هذا يهودي ورائي
فاقتله"[3]. |
|
|
وهم
أعداء السلام وأصحاب الفتن والخصام قال تعالى:
{وَقَالَتِ
الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا
قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ
وَلَيَزِيدَنّ كَثِيراً مّنْهُم مّآ
أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ
الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَىَ يَوْمِ
الْقِيَامَةِ كُلّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ
أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبّ
الْمُفْسِدِين َ}[4]. |
|
|
وقد بينت في هذه الدراسة
بعض الأسس والمرتكزات الدينية التي ينطلق منها اليهود في فسادهم وعداوتهم
الفضيلة والناس جميعاً، وبذلك تتضح الرؤية في التعامل معهم والحذر والتحذير
منهم. |
|
|
وقسمت
الدراسة إلى ثلاثة مباحث كالآتي: |
|
|
- المبحث
الأول: الإيمان بالكتب الإلهية. |
|
|
- المبحث الثاني:
الأسفار المقدسة عند اليهود عرض ونقد. |
|
|
- المبحث
الثالث: أثر الأسفار المقدسة في انحراف اليهود. |
|
|
وبالله
التوفيق والسداد |
|
|
|
وكتبه |
|
|
د. محمود بن عبد
الرحمن
قدح |
|
المبحث الأول |
|
|
إن
من حكمة الله عز وجل ورحمته بعباده أن بعث أنبياء ورسلاً لهدايتهم ودعوتهم إلى
الخير، وإقامة حجته على خلقه، وأنزل عليهم كتباً ليبيّنوا للناس ما أنزل إليهم
من الهدى والنور، وما تتضمنه من أحكام الله عز وجل العادلة، ووصاياه النافعة،
وأوامره ونواهيه الكفيلة بإصلاح البشرية وإسعادها في الدنيا والآخرة. |
|
|
وتمهيداً لموضوع دراستنا (الأسفار المقدسة عند اليهود وأثرها
في انحرافهم - عرض ونقد)، فإنه يجدر بنا أن ندرس بإيجاز ثلاث مسائل مهمة لنتبين موقف الإسلام من الكتب الإلهية، وهي: |
|
|
1 - الإيمان بالكتب السماوية. |
|
|
2 - وقوع التحريف والتبديل في
الكتب السماوية السابقة على القرآن الكريم. |
|
|
3 - حكم قراءة المسلم في
التوراة والأناجيل المحرّفة. |
|
|
المطلب الأول: الإيمان
بالكتب الإلهية السماوية |
|
|
إن من أركان الإيمان الستة الإيمان بالكتب التي أنزلها الله عز وجل على أنبيائه
ورسله، وبأنها حق وصدق وهدى ونور وبيان وشفاء ورحمة للخلق وهداية لهم ليصلوا بها
إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة. |
|
|
والإيمان
بما علمنا اسمه منها باسمه كالقرآن الكريم الذي نُزّل على محمد صلى الله عليه
وسلم والإنجيل الذي نُزّل على عيسى صلى الله عليه وسلم، والزّبور الذي نُزّل على
داود صلى الله عليه وسلم، والتوراة التي أنزلت على موسى صلى الله عليه وسلم،
وصحف إبراهيم صلى الله عليه وسلم.[5] |
|
|
والإيمان
بأن لله كتبا أنزلها على أنبيائه لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله، قال عز وجل:
{كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ
النّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقّ
ليَحْكُمَ بَينَ النّاسِ فِيما اختَلَفُوا فِيهِ وَما اخْتَلَفَ فيه إلاّ
الّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُم البَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُم فَهَدَى الله
الَّذِينَ ءَامَنُوا لمِا اختَلَفُوا فِيهِ مِن
الحَقِّ بإذْنِهِ والله يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ}[6]. |
|
|
وأما كيفية إيماننا بالكتب السماوية، فإنا نؤمن بالكتب
السماوية السابقة إيماناً مجملاً، يكون بالإقرار بها بالقلب واللسان، وأن منها
ما فُقد واندثر، ومنها ما حُرِّف وغُيِّر، وأنها منسوخة بالقرآن الكريم. |
|
|
وأما القرآن الكريم فنؤمن به إيماناً مفصلاً، يكون
بالإقرار به بالقلب واللسان، وإتباع ما جاء فيه، وتحكيمه في كل كبيرة وصغيرة،
وأن الله تعالى قد تكفَّل بحفظه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه
كلام الله منزّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه ناسخ لما قبله من الكتب
السماوية، قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ
الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ
وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ...}[7]،
أي حاكماً عليه، وعلى هذا فلا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السماوية إلاَّ
ما أقره منها القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة[8]. |
|
|
المطلب الثاني: وقوع
التحريف في الكتب السماوية السابقة على
القرآن الكريم. |
|
|
لقد تضافرت الأدلة والبراهين على تحريف أهل الكتاب
للتوراة والإنجيل وغيرها من الكتب المتقدمة، والآيات القرآنية كثيرة في ذلك
منها: قوله تعالى: {...قُلْ مَنْ أَنزَلَ
الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ نُوراً وَهُدًى
لّلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً...}
[9]،
وقوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَاقَهُمْ
لَعنّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن
مّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّا مّمّا ذُكِرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطّلِعُ
عَلَىَ خَآئِنَةٍ مّنْهُمْ إِلاّ قَلِيلاً مّنْهُمُ
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ وَمِنَ الّذِينَ
قَالُواْ إِنّا نَصَارَىَ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مّمّا
ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ
إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ
يَصْنَعُونَ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ
رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ
وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مّنَ اللّهِ
نُورٌ وَكِتَابٌ مّبِينٌ}[10]. |
|
|
وقد أجمع المسلمون على وقوع التحريف في التوراة
والإنجيل وغيرهما من الكتب السابقة، إما عمداً وإما
خطأً في ترجمتها أو في تفسيرها أو تأويلها، إلا أن علماء المسلمين قد اختلفوا في
مقدار التحريف فيها: |
|
|
فقال
بعضهم: إن كثيراً مما في التوراة والإنجيل باطل ليس من
كلام الله. |
|
|
ومنهم
من قال: بل ذلك قليل. |
|
|
وقال بعضهم: لم يحرف أحد شيئاً من حروف الكتب وإنما
حرفوا معانيها بالتأويل. |
|
|
وقال بعضهم: كانت توجد نسخ صحيحة للتوراة والإنجيل بقيت
إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ونسخ كثيرة محرفة. |
|
|
وقال
الجمهور: بأنه بُدِّل بعض ألفاظها وحُرِّف[11]. |
|
|
والذي أراه - والله أعلم - أن تحريفاً كثيراً قد وقع في
كتبهم إلا أنه لا تزال فيها بقايا من الوحي الإلهي وهي كثيرة أيضاً، ولا سبيل
لمعرفتها إلا بموافقتها لما في القرآن الكريم والسنة الصحيحة. |
|
|
وأما أنواع التحريف في كتبهم فهو: تحريف بالتبديل،
وتحريف بالزيادة، وتحريف بالنقصان، وتحريف بتغيير
المعنى دون اللفظ، والشواهد على ذلك كثيرة. |
|
|
وإلى
جانب التحريف فإن هناك وسائل أخرى ذكرها القرآن الكريم لا تقل خطورة في تأثيرها
عن التحريف والتبديل، ومن هذه الوسائل[12]
ما يلي: |
|
|
1- الإخفاء: قال تعالى: {تَجْعَلُونَهُ
قَرَاطِيسَ تُبدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً...}[13]،
وقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمّا
كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءكُمْ مّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مّبِينٌ }[14]. |
|
|
2- الكتمان: قال تعالى: {الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا
يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنّ فَرِيقاً مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقّ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[15]، وقال
تعالى: {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الّذِينَ
أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيّنُنّهُ لِلنّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ
فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ
ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ
مَا يَشْتَرُونَ}[16]. |
|
|
3- إلباس الحق بالباطل: قال
تعالى: {يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ
الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقّ وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ}[17]، وقال
تعالى: {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ
وَتَكْتُمُواْ الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[18]. |
|
|
4- الكذب والتكذيب: قال تعالى:
{ قُلْ فَأْتُواْ بِالتّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن
كُنتُمْ صَادِقِينَ فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ}[19]، وقال
تعالى: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ..}[20]. |
|
|
5- لوي الألسنة
بالكتاب: قال تعالى: {وَإِنّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً
يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا
هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ
عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكَذِبَ وَهُمْ
يَعْلَمُون}
[21]. |
|
|
6- التعطيل:
المقصود به تعطيل أحكام التوراة والإنجيل وعدم إقامتها والعمل بها. قال تعالى:
{وَلَوْ أَنّهُمْ أَقَامُواْ التّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ
وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رّبّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ
أَرْجُلِهِم مّنْهُمْ أُمّةٌ مّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ}[22]، وقال
تعالى: {قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىَ
شَيْءٍ حَتّىَ تُقِيمُواْ التّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ
مّن رّبّكُمْ…}[23].
وقال تعالى: {مَثَلُ الّذِينَ حُمّلُواْ
التّوْرَاةَ ثُمّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الّذِينَ كَذّبُواْ بِآيَاتِ
اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ
الظّالِمِينَ}[24]. |
|
|
7- الإيمان ببعض الكتاب والكفر
بالبعض الآخر: قال تعالى:
{...
أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ
بِبَعْضٍ...}
[25]. |
|
|
8- الإهمال: قال تعالى: {وَلَما جَآءَهُمْ رَسُولٌ مّنْ
عِندِ اللّهِ مُصَدّقٌ لّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنّهُمْ لاَ
يَعْلَمُونَ}[26]. |
|
|
وكذلك
قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ
الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ
فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِم وَاشْتَرَوْا بِهِ ثمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ
}[27]. |
|
|
9- الظن: قال تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمّيّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاّ
أَمَانِيّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنّونَ}[28]. |
|
|
10- النسيان[29]:
قال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَاقَهُمْ
لَعنّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن
مّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّا مّمّا ذُكِرُواْ بِهِ...}
[30]. |
|
|
11- التزوير: قال الله تعالى: {فَوَيْلٌ للذِينَ يَكْتُبُون الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ
ثُمّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً
فَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا يَكْسِبُونَ}[31]. |
|
|
وتوضح هذه الوسائل
مجتمعة الطرق التي تحوّلت بها التوراة والإنجيل وغيرها من كتب إلهية سماوية إلى
كتب بشرية خطها رجال الدين من اليهود والنصارى بأيديهم. |
|
|
المطلب الثالث: حكم قراءة
المسلم في التوراة والأناجيل المحرفة وما شابهها. |
|
|
بعد أن علمنا من المطلبين
السابقين أن الكتب السماوية السابقة قد حرّفت وبُدّلت ونُسخت بالقرآن الكريم،
فإن سؤالاً مهماً يتبادر إلى الذهن هو: ما حكم إطلاع المسلم وقراءته الكتب
المقدسة عند أهل الكتاب؟ |
|
|
وبالرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة المتعلقة بهذه المسألة نجد أدلة
ظاهرها التعارض، فبعضها يفيد الجواز والآخر يفيد المنع، وسأبدأ بأدلة المنع ثم
أدلة الجواز ثم أبين ما يترجح منها مستعيناً بالله عز وجل. |
|
|
- أما أدلة المنع من قراءة كتب
أهل الكتاب فهي: |
|
|
- عن جابر بن عبد الله أن عمر
بن الخطاب رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل
الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم فغضب، فقال: "أمتهوكون[32] فيها يا ابن الخطاب
؟! والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق
فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه
إلا أن يتبعني"[33]. |
|
|
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: كان أهل الكتاب يقرؤن التوراة بالعبرانية و
يفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا:
{آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل
وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق
بين أحد منهم ونحن له
مسلمون}[34]
الآية"[35] |
|
|
- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب
وكتابكم الذي أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم أحْدَثُ الأخبار
بالله تقرؤنه لم يُشبْ؟! وقد حدثكم الله أن
أهل الكتاب بدَّلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا: {هَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً
قَلِيلاً}[36]،
أفلا ينهاكم بما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم رجلاً
قطُّ يسألكم عن الذي أنزل عليكم[37]. |
|
|
- وعن عبد الله بن مسعود رضي
الله عنه قال: "لا تسألوا أهل الكتاب، فإنهم لن يهدوكم وقد أضلوا أنفسهم،
فتكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل"[38]. |
|
|
- وأما أدلة جواز الإطلاع على
كتب أهل الكتاب فمنها: |
|
|
قال
تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمّآ
أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الّذِينَ يَقْرَءُونَ
الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْجَاءَكَ الحَقُّ مِنْ
رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْترين
[39]}
[40]. |
|
|
وقال
تعالى: {وَيَقُولُ الّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ
مُرْسَلاً قُلْ كَفَىَ بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ
عِلْمُ الْكِتَابِ}[41]. |
|
|
قال
تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ
مِن رّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرّحْمَنِ آلِهَةً
يُعْبَدُونَ}[42]. |
|
|
- وعن عبد الله بن عمرو رضي
الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: |
|
|
- وعن عطاء بن يسار قال:
"لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما
قلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة. قال: أجل، والله إنه لموصوف
في التوراة ببعض صفته في القرآن، يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً
ونذيراً، وحرزاً[44]
للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس
بفظ ولا غليظ...الخ"[45]. |
|
|
- وورد أن عبد الله بن عمرو
رضي الله عنهما أصاب يوم اليرموك زاملتين
من كتب أهل الكتاب فكان يحدِّث منهما[46]. |
|
|
وإزاء هذه النصوص التي ظاهرها التعارض بين النهي والجواز في
النظر في كتب أهل الكتاب، فقد ذكر العلماء أقوالاً في الترجيح والجمع بين تلك
النصوص: |
|
|
قال الحافظ ابن حجر في شرحه لقول النبي صلى الله عليه
وسلم: "... وحدثوا عن بني إسرائيل ولا
حرج..." أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم لأنه كان تقدم منه صلى الله
عليه وسلم الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك، وكأن
النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدينية خشية الفتنة، ثم لما
زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار[47]. |
|
|
وقال
بعضهم: إن الأمر بالإباحة والجواز ليس على إطلاقه، فإن جاء ما في كتبهم موافقاً
لما في شرعنا صدّقناه وجازت روايته، وما جاء مخالفاً لما في شرعنا كذّبناه وحرمت
روايته إلا لبيان بطلانه، وما سكت عنه شرعنا توقفنا فيه فلا نحكم عليه بصدق ولا
بكذب وتجوز روايته، وتذكر للاستشهاد لا
للاعتقاد[48]. |
|
|
والأولى
في هذه المسألة الجمع بين النصوص المتعارضة، لأن فيه العمل بالنصوص كلها، أما
القول بالنسخ ففيه الأخذ ببعض النصوص وترك لبعضها، وطريقة الجمع بينها تكون
بالتفصيل في المسألة على النحو الآتي: |
|
|
1- حكم المقروء من كتب أهل
الكتاب. |
|
|
2- حال القارئ لها. |
|
|
3- قصد القارئ ونيته من
القراءة فيها. |
|
|
1- فأما بالنسبة
لحكم المقروء منها فإنه على ثلاثة أنواع: |
|
|
أ
- نوع يجوز تصديقه وروايته، وهو ما جاء في كتبهم
موافقاً لما في شرعنا. |
|
|
ب
- ونوع يحرم روايته إلا بشرط تكذيبه وبيان بطلانه، وهو
ما جاء في كتبهم مخالفاً لما في شرعنا. |
|
|
ج
- ونوع يتوقف فيه، لا يحكم عليه بصدق ولا بكذب وتجوز روايته وتذكر للاستشهاد لا للإعتقاد، وهوما سكت عنه شرعنا. |
|
|
2- وأما حال القارئ لكتبهم
فإنه يجوز لأهل العلم من الراسخين في الإيمان والعلم وعلى هذا الصنف من الناس
نحمل نصوص الجواز والإباحة في قراءة كتب أهل الكتاب، ولا يجوز لمن لم يكن من
الصنف الأول كالعامي الغرِّ والشاب الغمر من الناس ومن في حكمهم فهؤلاء تحمل
عليهم نصوص المنع وعدم الجواز. |
|
|
3- وأما
بالنسبة لقصد القارئ ونيته ممن يجوز لهم القراءة، فإنه لا يجوز للقارئ إذا كان
النظر فيها على وجه التعظيم والتفخيم لها، أو إذا كان يتشاغل بذلك دون غيرها مما
هو مطلوب من علوم الشرع. |
|
|
وأما
إذا كان قصد القارئ معرفة ما في كتبهم من الشر لتوقيه وتحذير الناس منه، أو الرد
على المخالف وإلزام اليهود والنصارى بطلان دينهم وتحريف كتبهم ونسخ شريعتهم
والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم بما يستخرج من البشارات
في كتبهم، فهذا جائز يدل عليه النصوص الشرعية وفعل الأئمة كابن حزم وابن تيمية
وابن القيم وغيرهم في النقل من كتب أهل الكتاب، ولولا اعتقاد الأئمة جواز النظر
فيها لما فعلوه وتواردوا عليه. |
|
|
وذلك
القصد داخل ضمن ما أمرنا به الله عز وجل في قوله تعالى: {ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بمِنْ ضَلَّ
عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ}[49].
وقوله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ
الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا
بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له
مسلمون}[50]. |
|
|
والمجادلة
المحمودة التي أمرنا بها هي التي تكون عن علم وبصيرة وهدي وذلك يقتضي النظر في
كتبهم لإلزامهم الحجة وإقامة البينة عليهم والله أعلى
وأعلم[51]. |
|
|
[1] سورة المائدة، آية 82. |
|
[2] سورة المائدة، آية 78-79. |
|
[3] أخرجه البخاري (انظر: فتح الباري 6/103)، ومسلم 4/2238،2239، عن أبي هريرة رضي الله عنه. |
|
[4] سورة المائدة، آية 64. |
|
[5] ورد أن الكتب السماوية المعروفة بأسمائها قد أنزلت في شهر رمضان المبارك في حديث واثلة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لستٍ مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان". أخرجه الإمام أحمد 4/107، وابن عساكر. |
|
قال الهيثمي في المجمع 1/197: "رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عمران بن داود القطان، ضعفه يحيى ووثقه ابن حبان، وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث، وبقية رجاله ثقات". |
|
قال الشيح الألباني: إسناده حسن، رجاله ثقات، وله شاهد من حديث ابن عباس مرفوعاً نحوه أخرجه ابن عساكر. (انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة 4/104 ح1575). |
|
[6] سورة البقرة، آية 213. |
|
[7] سورة المائدة، آية 48. |
|
[8] انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص350، شرح لمعة الاعتقاد ص77-85 لابن عثيمين، الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد ص149-151. |
|
[9] سورة الأنعام، آية 91. |
|
[10] سورة المائدة، آية 13-15. |
|
[11] للتوسع انظر: مجموع الفتاوى 13/102-105، الجواب الصحيح 1/356، 367، 2/5، 3/246 للإمام ابن تيمية، وهداية الحيارى 105 لابن القيم، تفسير ابن كثير 1/520، فتح الباري 17/523-526. |
|
[12] انظر: علاقة الإسلام باليهودية ص43-45، د.محمد خليفة. |
|
[13] سورة الأنعام، آية 91. |
|
[14] سورة المائدة، آية 15. |
|
[15] سورة البقرة، آية 146. |
|
[16] سورة آل عمران، آية 187. |
|
[17] سورة آل عمران، آية 71. |
|
[18] سورة البقرة، آية 42. |
|
[19] سورة آل عمران، آية 93-94. |
|
[20] سورة آل عمران، آية 78. |