طباعة

 توثيق النص

 

 

 

كتابة العدل "ولاية التوثيق" في المملكة العربية السعودية

د/ عبد الله بن محمد بن سعد الحجيلي

الأستاذ المشارك في قسم القضاء والسياسة الشرعية

بكلية الشريعة في الجامعة الإسلامية

 

 

المقدمة

الحمد لله الذي أنزل القرآن المبين، على قلب سيد المرسلين، فجعله حجة على العالمين، وأودع فيه من الحكمة والعلوم ما به سعادة البشرية جمعاء إلى يوم الدين، فمن أخذ به نجا، ومن نبذه هلك، والحجة قائمة عليه، ولا يضر إلا نفسه، ولله ميراث السماوات والأرض.

والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله الأمين، أفضل الأنبياء والمرسلين، الذي جاء بهذا النور المبين، وأبلغه للناس كافة، فلم يلتحق بالرفيق الأعلى إلا وقد ضرب الإسلام بسرادقه، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وعلى آله وذريته وعلى الخلفاء الراشدين، الذين ورثوا ميراث النبوة، وقاموا بالأمر من بعده على سننه وهداه وعلى صحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

ومن الأئمة المقتدين بآثار الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين، الإمام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -رحمه الله تعالى-، الذي غامر بنفسه، مع فئة قليلة من أصحابه، ففتح مدينة الأباء والأجداد، الرياض في 5/10/1319هـ، فكان فتحه للرياض فتحاً للجزيرة العربية بكاملها، وانطلق من الرياض مشرقاً ومغرباً، ومُشمِلاً ومجنباً، حتى هدم الحصون المفرقة لأجزاء مناطق الجزيرة العربية فوحدها، وإلى قلاع الشرك فاجتثها، وإلى بذور الجاهلية ومفاخرها فقلعها، وإلى القلوب العمياء فأنارها بمنار العلوم، فأضحت المملكة العربية السعودية اليوم مضرب المثل في الأمن والتآلف، والوحدة، والعلم، والعقيدة الصحيحة، والأخوة الصادقة، والتقدم المستمر.

فلله ما أعظمه من قائد!!، ولله ما أجلها من فتوح!!

وبمناسبة الاحتفال المئوي بتأسيس المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه، أحببت أن أشارك في موضوع بعنوان "كتابة العدل ولاية التوثيق في المملكة العربية السعودية"، والأهداف التي من أجلها كتبت في هذا الموضوع كثيرة أهمها ما يلي:

1- كانت الجزيرة العربية قبل الملك عبد العزيز، تعيش في ظلام دامس، نتيجة الفتن والحروب بين القبائل المتناحرة المتغالبة، التي كل منها يريد الزعامة، والظفر بملك الجزيرة، مهما كلفه ذلك من ثمن، ولو كان الثمن إهلاك الحرث والنسل، فجاء الملك عبد العزيز فقطع دابر الفتن القائمة.

2- كانت الأمم المجاورة للجزيرة العربية تتدخل في شئون الجزيرة العربية حتى تتمكن من تحقيق أهدافها في هذا الجو المضطرب، فجاء الملك عبد العزيز فوحد الجزيرة وحماها من الطامعين.

3- كانت الأمم الأوربية وبعض الدول العربية الإسلامية تعيش في نهضة تعليمية وعلمية، وجزيرة العرب تعيش في جهل وظلام دامس، فجاء الملك عبد العزيز فأبدل ظلامها نوراً، وجهلها علماً.

4- أقام الملك عبد العزيز الدولة السعودية الثالثة على أساس متين من العلم والمعرفة، والنظم الحضارية المأخوذة من الشريعة الإسلامية، وهذا -هو بيت القصيد- فضرب المثل الرائع لكل أحد في سن الأنظمة المأخوذة من الشريعة الخالدة.

5- كان كثير من الدول الإسلامية والعربية معجبة بأنظمة الغرب، فقامت بنقل تلك الأنظمة وترجمتها إلى العربية، وهي غريبة في اللسان المنتزع فكان عملهم مزيجاً من الخلط الفكري والاستعمار الثقافي، فجاء الملك عبد العزيز -رحمه الله- فأقام الحجة على كافة المسلمين في عصره بأن في شرع الله الخالد الغني عن تلك الأنظمة المستوردة.

6- عهد الملك عبد العزيز إلى مجلس الشورى سن الأنظمة المأخوذة من الشريعة الغراء، وبعد الاطلاع عليها واعتمادها قام بإبلاغها لكافة مُدراء الإدارات الحكومية في عصره، وهي أحكام إمامية سلطانية واجبة التطبيق على كل أحد، ولا يعفى من تجاوزها أحد؛ لأن في تطبيق الأنظمة حفظ هيبة الدولة، وفرض سلطانها، وإعطاء كل ذي حق حقه بموجب الأنظمة المرعية، فيسود الأمن ويتحقق العدل.

7- الأنظمة التي عهد الملك عبد العزيز -رحمه الله- إلى مجلس الشورى بسنها لكافة المصالح الحكومية، وقد بلغ عددها في عصره بضع مئات من الأنظمة، لا زال الكثير منها مطبقاً إلى اليوم، وهذه الأنظمة كما هو معلوم عند علماء السياسة الشرعية يراعى فيها الحال، والزمان، والمكان، عند الإصدار والتطبيق، ويعيد النظر فيها ولي الأمر المرة تلو الأخرى، أو في أجزاء وفقرات منها، فما وافق العصر أقره، وما تجاوزه العصر عدله.

8- من أهم الأنظمة التي أصدرها الملك عبد العزيز، الأنظمة القضائية من قضاء وكتابة العدل، وديوان المظالم والحسبة وغير ذلك.

وقد اخترت نظام كتابة العدل موضوعاً لبحثي، وسأوضح معالم البحث في موجز خطتي في الفقرة التالية.

هذه هي أهم الأسباب الداعية لاختيار هذا الموضوع وهي أسباب وجيهة تدعو كل قارئ لحفز الهمة لقراءة هذا البحث لمعرفة بعض جهود الملك عبد العزيز -رحمه الله- في هذا الجانب، والله من وراء القصد.

 

خطة البحث

يتكون البحث من فصلين وكل فصل يحتوي على عدة مباحث ومطالب.

أما الفصول فهي كالتالي:

الفصل الأول: ولاية التوثيق "خطة العدالة" في الفقه الإسلامي، والقصد من هذا الفصل والمباحث المتفرعة عنه، إلقاء الأضواء على بعض أحكام ولاية التوثيق، والتعريف بها، ومعرفة مكانتها من الولايات القضائية، والإحاطة بأهم شروط الموثق وآدابه، وهو جهد تأصيلي في هذا الجانب حتى يكون لدى القارئ عند انتقاله إلى قراءة الفصل الثاني العلم التام بأهم الأحكام الشرعية لهذه الولاية الجليلة في الفقه الإسلامي.

أما الفصل الثاني: فألقيت فيه الأضواء على تاريخ كتابة العدل في المملكة العربية السعودية منذ إنشائها، وأهم النظم الصادرة المنظمة لها من عهد الملك عبد العزيز إلى الوقت الحاضر، وإرشاد القارئ الكريم إلى أهم مواد نظام كتابة العدل، وهي الولاية العظيمة التي لها دور مباشر في حياة كل فرد من أفراد الأمة، وما هنالك فرد من أبناء هذه البلاد الطاهرة إلا قد احتاج لهذه الولاية الجليلة فراجعها بنفسه أو نيابة عن الغير.

هذه أهم الموضوعات التي سوف يطالعها القارئ الكريم في هذا البحث.

وفي الختام أزجي شكري الجزيل إلى الجامعة الإسلامية ومديرها فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور/ صالح بن عبد الله العبود، الذي حضنا على الكتابة وسهل لنا كافة سبل البحث، ولوكيليه المكرمين، وأسدي شكري الجزيل لفضيلة وكيل وزارة العدل الشيخ الدكتور/ عبد الله محمد اليحيى لتفضله بإصدار توجيهاته لإدارة كتابتي العدل بالمدينة المنورة تسهيل مهمتي البحثية، وأشكر المشايخ الأفاضل الشيخ خالد الحصين، والشيخ عبد العزيز المهنا، والشيخ مريشيد البذيلي لما وجدته منهم من تعاون صادق واستجابة سريعة لكل ما طلبته منهم، وقد استفدت من خبرتهم العريقة في هذا الميدان الشرعي، وأشكر كل من ساعدني بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إعداد هذا البحث، وأسال الله الكريم أن يغفر لي ولوالدي ولحكامنا آل سعود الميامين السابقين والمعاصرين، والحمد لله رب العالمين.

د. عبد الله بن محمد بن سعد الحجيلي

 

الفصل الأول ولاية التوثيق والموثق (كتابة العدل في الفقه الإسلامي)

المبحث الأول: تعريف الولاية في اللغة والاصطلاح.

المبحث الثاني : أنواع الولايات الدينية (السلطانية).

المبحث الثالث: أولاية التوثيق ولاية عامة أم جزئية؟.

المبحث الرابع: تعريف التوثيق في اللغة والاصطلاح.

المبحث الخامس: تعريف ولاية التوثيق "العدالة" وذكر بعض أحكامها.

المبحث السادس: مشروعية تعيين ولاة التوثيق وكتاب الوثائق الشرعية.

المبحث السابع : شروط الموثق (كاتب العدل عند الفقهاء).

المبحث الثامن: آداب كاتب الوثائق الشرعية (كاتب العدل).

المبحث التاسع: شروط صحة كتابة الوثيقة الشرعية عند الفقهاء.

 

المبحث الأول تعريف الولاية في اللغة والاصطلاح

المطلب الأول: تعريف الولاية في اللغة[1]:

الولاية -بفتح الواو- تأتي بمعنى النصرة والسلطة.

تقول: وليت الأمر، أًلِيْهِ -بكسرتين- وِلاية -بالكسر-: توليته، وَوَلِيت البلد، وعليه، والفاعل: (والٍ)، والجمع ولاة.

ولي الشيء وِلايةً، ووَلاية، وهي المصدر-، وبالكسر، والمراد بها: الخطة، والإمارة، والسلطان، وهو المراد هنا.

 

المطلب الثاني: الولاية في اصطلاح الفقهاء:

قسم فقهاء الإسلام الولاية إلى نوعين رئيسين هما:

النوع الأول: الولاية العامة:

عرّفها الفقهاء بصورة موجزة فقالوا: "الولاية حق تنفيذ القول على الغير شاء أم أبى"[2]، وهذا الحق تدخل فيه كل الولايات العامة والخاصة، ومن الولايات العامة (ولاية السلطان، وولاية القاضي، والمحتسب، ووالي التوثيق، وغيرهم من أصحاب الولايات الدينية والإدارية).

وعرفها بعض المعاصرين وهو د. نزيه حماد بقوله:

"سلطة تدبير المصالح العامة للأمة، وتصريف شؤون الناس، والأمر والنهي فيهم"[3]، ويندرج تحت هذا التعريف كل الولايات الشرعية كالإمامة العظمى، وإمارات الأقاليم، والبلدان، والوزارة، والقضاء، والشرطة..، الخ.

وهناك تعريف آخر ذكره الأستاذ الزرقا:

"هي سلطة شرعية لشخص في إدارة شأن ما، وتنفيذ إرادته فيه على الغير"[4].

وهذا التعريف أوجز من سابقة، ولكن السابق أشمل وأعم لكل الولايات الشرعية، ويؤخذ على الثاني قوله: "تنفيذ إرادته فيه"، والحقيقة أنَّه لا يجوز له أن ينفذ إرادته، إنما ينفذ ما توصل إليه باجتهاده في تنفيذ الأحكام أو الأنظمة التي خولته إياها السلطات، وولاية التوثيق جزء من الولاية العامة في الشريعة الإسلامية.

وهي لب الحديث في هذا البحث المقصور عليها وعلى أحكامها.

النوع الثاني: الولاية الخاصة:

وعرفها الأستاذ/ صالح جمعة الجبوري بقوله:

"هي قدرة الإنسان على التصرف الصحيح النافذ لنفسه أو لغيره جبراً أو اختياراً"[5].

وهي بهذا الاعتبار أنواع كثيرة وباعتبارات متعددة بحسب طبيعة ما تتناوله وهذه إشارة موجزة لأهم أنواعها[6]:

أ - الولاية على النفس: كقيام الكبير العاقل بإدارة شئون القاصر الخاصة به غير المالية كالتربية أو التعليم أو التزويج، أو أخذ الدية أو تنفيذ القصاص، ونحو ذلك.

ب - الولاية على المال: وهي القدرة على إنشاء العقود الخاصة بالمال وتنفيذها، كقيام الكبير العاقل الراشد على مال المحجور عليه ونحو ذلك.

ج – الولاية على النكاح، وهي ولاية النظر في أمر النكاح أو الإذن فيه أو المنع منه.

وذكرتها هنا موجزة لأنها ليست من صميم البحث، إنما استدعى الحديث عنها الحديث عن أقسام الولاية الشرعية.

 

المبحث الثاني أنواع الولايات الدينية (السلطانية)

حصر بعض الفقهاء المصنفين في علم الأحكام السلطانية والولايات الدينية أنواع الولايات الدينية، وليس قصدهم عند ذكرهم العدد الحصر، إنما هو تفصيل بعض أحكام الولايات الذائعة المشهورة في عصرهم، ومن هؤلاء الأئمة الإمام أبو يعلى الفراء الحنبلي في كتابة "الأحكام السلطانية"، والإمام الماوردي الشافعي كذلك، ومن المتأخرين الإمام ابن جماعة الشافعي، والإمام القرافي المالكي، والإمام ابن فرحون المالكي وغيرهم، وهذا سرد مجمل لأهم الولايات الدينية التي ذكروها كما نص عليها الإمام أبو يعلى الحنبلي:

1 - الإمامة العظمى "الخلافة".

2 - الوزارة.

3 - إمارة البلدان والأقاليم.

4 - ولاية القضاء.

5 - ولاية المظالم.

6 - ولاية النقابة على ذوي الأنساب.

7 - ولاية الإمامة على الصلوات.

 8 - ولاية الحج.

9 - ولاية الصدقات.

10 - ولاية الجرائم.

11 - ولاية الحسبة، وغير ذلك كثير.

وكلٌ من الإمامين أبي يعلى الفراء والماوردي لم يذكرا ولاية التوثيق صراحة ضمن الولايات الدينية إنما ذكروا أحكامها مندرجة ضمن ولاية القضاء.

ولكن هنالك من ذكرها صراحة كالإمام القرافي في الأحكام، والإمام ابن خلدون في مقدمته، والإمام ابن الأزرق في كتابه بدائع السلك، فهي عند الإمام القرافي خمسة عشر ولاية، هي[7]:

1 - الإمامة الكبرى.

2 - الوزارة.

3 - ولاية الإمارة على البلدان والأقاليم.

4 - وزير الأمير المولى على القطر.

5 - الإمارة الخاصة بتدبير الجيوش.

6 - ولاية القضاء.

7 – ولاية المظالم

8 - ولاية نواب القضاة.

9 - ولاية الحسبة.

10 - الولايات الجزئية المستفادة من القضاة وغيرهم [كولاية التوثيق].

11 - الولاية المستفادة من آحاد الناس (التحكيم).

12 - ولاية السعاة وجباة الصدقة.

13 - ولاية الخرص.

14 - ولاية قسم الغنائم ونحوها.

15 - ولاية المقوم والمترجم.

فالإمام القرافي بعد هذا التعداد تكلم عن الفروق بينها، وعد ولاية التوثيق ولاية جزئية، أما الإمام ابن خلدون فعدها ولاية عامة، وذكرها كإحدى "الخطط الدينية الخلافية".

ومما قاله: "اعلم أًنًّ الخطط الدينية الشرعية من الصلاة والفتيا والقضاء والجهاد والحسبة كلها مندرجة تحت الإمامة الكبرى التي هي الخلافة، فكأنها الإمام الكبير، والأصل الجامع، وهذه كلها متفرعة عنها، داخلة فيها، لعموم نظر الخلافة، وتصرفها في سائر أحوال الملة الدينية والدنيوية، وتنفيذ أحكام الشرع فيها على العموم"[8]، ثم ذكر الخطط الدينية الخلافية ومنها:

1- إمامة الصلاة.

2- خطة الفتيا.

3- خطة القضاء.

4- خطة النظر في المظالم.

5- خطة صاحب الشرطة.

6- خطة العدالة [أي ولاية التوثيق].

7- خطة الحسبة والسكة.

وما ذكره الإمام ابن خلدون فيما مضى من إندراج كل الوظائف الإدارية والدينية والأمنية والحربية تحت مظلة الإمامة الكبرى، هذا هو الحق الذي لا محيد عنه، وتابعه في هذا القول الإمام ابن الأرزق في كتابة (بدائع السلك في طبائع الملك)، ومما قاله:

"إن حقيقة الخلافة نيابة عن الشارع في حفظ الدين وسياسة الدنيا به، وأن الملك مندرج فيها، وتابع للقصد بها، وعند ذلك، فتمام القيام به اتباعاً لمقاصد الخلافة ما أمكن ذلك، متوقف على تولية خططها، من يقوم بها على التعين، لتعذر وفاء السلطان بها مباشرة، وأمهات ما يذكر منها جملة"[9].

ثم ذكر أمهات الخطط الدينية وهي[10]:

الخطة الأولى: "إمامة الصلاة".

الخطة الثانية: "الفتيا".

الخطة الثالثة: "التدريس".

الخطة الرابعة: "القضاء".

الخطة الخامسة: "العدالة" [أي ولاية التوثيق].

الخطة السادسة: "الحسبة".

الخطة السابعة: "السكة".

ونختم الحديث عن الخطط الدينية بقول الإمام ابن خلدون: "وبالجملة فقد اندرجت رسوم الخلافة ووظائفها في رسوم الملك والسياسة في سائر الدول في هذا العهد"، وما قاله الإمام ابن خلدون حق وصدق، فكل الولايات الحكومية، هي ولايات شرعية مهما كان نوعها وحالها، وقد نصَّ على ذلك الإمام ابن تيمية حين قال: "جميع الولايات هي في الأصل ولايات شرعية، ومناصب دينية، فكل من عدل في ولاية من هذه الولايات فساسها بعلم وعدل، وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان، فهو من الأبرار الصالحين، وكل من ظلم وعمل فيها بظلم فهو من الفجار الظالمين، وإنما الضابط قوله تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}[11]، [والآيتان من سورة الانفطار (13،14)].

 

المبحث الثالث أولاية التوثيق ولاية عامة أم جزئية؟

تمهيد: حدود الولاية الشرعية:

ذهب الإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم والإمام ابن فرحون معتمدا على كلامهما، مورده في مجال الاستشهاد بهما والانتصار لهما، أن الولاية الشرعية لا حد لها في عرف الشرع، وأًن هذا راجع إلى العرف والعادة والتنظيمات التي يقوم ولي الأمر بإصدارها والعمل بها في أي زمان أو مكان، قال الإمام ابن فرحون عن الولاية الدينية:

"واعلم أن الذي ينبغي أن يعول عليه العرف، وقد قال الإمام العلامة شمس الدين محمد بن قيم الجوزية الحنبلي: "اعلم أن عموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي بالولاية، يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف، وليس لذلك حد في الشرع، فقد يدخل في ولاية القضاء في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمنة، ما يدخل في ولاية الحرب، وقد يكون في بعض الأمكنة والأزمنة قاصرة على الأحكام الشرعية فقط"[12].

وقال الإمام ابن تيمية في تفصيل أكثر لما شاع في عصره من تنوع اختصاصات أصحاب الولايات الشرعية قال:

"فولاية الحرب في عرف هذا الزمان في هذه البلاد الشامية والمصرية تختص بإقامة الحدود التي فيها إتلاف، مثل قطع يد السارق، وعقوبة المحارب، ونحو ذلك، وقد يدخل فيها من العقوبات ما ليس فيه إتلاف كجلد السارق، ويدخل فيها الحكم في المخاصمات والمضاربات، ودواعي التهم التي ليس فيها كتاب ولا شهود، كما تختص ولاية القضاء بما فيه كتاب وشهود، وكما تختص بإثبات الحقوق والحكم في مثل ذلك، والنظر في حال نُظَّار الوقوف، وأوصياء اليتامى، وغير ذلك مما هو موقوف، وفي بلاد أخرى كبلاد المغرب، ليس لوالي الحرب حكم في شيء، وإنما هو منفذ لما يأمر به متولي القضاء، وهذا اتباع للسنة القديمة"[13].

فيستفاد من ولاية القضاء في كل قطر ما جرت به العادة واقتضاه العرف، وهذا هو التحقيق في هذه المسألة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

واستشهد الإمام ابن فرحون على صحة ما ذهب إليه الإمام ابن القيم بذكر واقعة تاريخية فقال: "وقد جمع للقاضي أبي العباس عبد الله بن أحمد بن طالب -قاضي أفريقيا- النظر والولاية"[14].

فهذا القاضي له ولايات متعددة ولم يحصره ولي الأمر بالقضاء بل أطلق يده في كل الولايات، وهذا جائز شرعاً وعرفاً، ولا حجر في الاصطلاح الشرعي لمصطلح الولاية.

 

ولاية التوثيق ولاية كاملة أم جزئية:

مرَّ معنا أن الولاية الشرعية لا حدَّ لها في الشرع المطهر، فقد تكون في بعض العصور ولاية تامة كاملة، وقد تكون في بعض العصور ولاية جزئية متحدة مع بعض الولايات الشرعية الأخرى كالقضاء، وهذا ما رجحه بعض الأئمة كالإمام ابن تيمية وابن القيم وابن فرحون وغيرهم وقالوا: لا حد لها في الشرع المطهر، بل ذلك راجع إلى العرف والعادات والمصالح الراجحة، وما قيل عن بعض الولايات الشرعية، ينطبق على ولاية التوثيق، وهذا يعرف من خلال الاستقراء لبعض النصوص التاريخية كشواهد علمية لما ذهبت إليه.

كانت كتابة الوثائق في كثير من الدول الإسلامية الماضية عملاً رسمياً من أعمال الدولة، بل ولاية من ولاياتها، وخطة من خططها كبقية الولايات الإسلامية، لهذا أفردها في أبواب مستقلة كخطة من الخطط الإسلامية الإمام ابن الأزرق وابن خلدون في كتبهما  تحت مسمى (خطة العدالة)، وفي كتاب الصلة لابن بشكوال في ترجمة (أحمد بن محمد الأموي) قال عن بعض ولاياته الرسمية: "وتولى عقد الوثائق لمحمد المهدي أيام تولية الملك بقرطبة"[15].

وقال ابن بشكوال في ترجمة الحسين بن حي التجيبي: "ولي خطة الوثائق السلطانية في صدر دولة المظفر عبد الملك بن عامر"[16].

والخطة الولاية الكاملة؛ بل إن التجيبي بعد ولايته لخطة الوثائق السلطانية تولى القضاء في عدد من مدن الأندلس كباجة ومدينة سالم وجيان وغيرها.

وفي الغالب لا يتولى هذه الخطة الشريفة إلا من برع في فقهها، فها هو الإمام أحمد بن محمد بن عفيف بن عبد الله الأموي ، -الماضي ذكره- يقول عنه ابن بشكوال: "وعني بالفقه، وعقد الوثائق والشروط فحذقها، وشهر بتبريزه فيها"[17]، فلما فاق المعاصرين من أقرانه كان جديراً بأن يتولى هذه الولاية العظيمة التي عرف أسرارها، وأجاد فقهها، وحذق فنونها.

وقد فصل القول الإمام القرافي في حديثه عن الولايات الشرعية وأحكامها وما تفيده كل ولاية وهذا بعض ما قاله:

"من الولايات ما لا يفيد أهلية شيء من الأحكام، ومنها ما يفيد أهلية الأحكام كلها، ومنها ما يفيد أهلية بعض الأحكام، ومنها ما يحتملها من حيث الجملة، ثم الولاية لها طرفان وواسطة، فأعلاها الخلافة التي هي الإمامة الكبرى، وأدناها التحكيم الذي يكون بين المتنازعين، وبين هذين الطرفين وسائط كثيرة"[18]، ثم سرد الولايات الشرعية وأنواعها وأحكامها، وقال عن الولاية الجزئية المستفادة من القضاة وغيرهم -ككتاب الوثائق، ومأذوني الأنكحة، وغيرهم، وجعلهم في الرتبة العاشرة من الولايات الشرعية- ما نصه:

"الولاية الجزئية المستفادة من القضاة وغيرهم كمن يتعاطى العقود والفسوخ في الأنكحة فقط، أو النظر في شفاعات الأيتام أو عقودهم فقط، فيفوض إليه في ذلك النقض والإبرام على ما يراه من الأوضاع الشرعية، فهذه الولاية شعبة من ولاية القضاء، وله إنشاء الأحكام في غير المجمع عليه، وذلك كله فيما وليه فقط، وماعداه لا ينفذ له في حكم البتة"[19].

أما إذا عُدَّت ولاية التوثيق خطة مستقلة، وولاية منفصلة، كما في بعض العصور الإسلامية الماضية، كما هو الحال في عصرنا، فيُعدُّ الموثق نائباً عن القاضي، وقال القرافي عن نواب القضاة وهم في المرتبة الثانية ضمن درجات الولايات الشرعية، ما نصه:

"نواب القضاة في كل عمل من أعمالهم ومطلقاتهم، مساوون للقضاة الأصول، في أن لهم إنشاء الحكم في غير المجمع عليه، وتنفيذ المجمع عليه، إذا قامت الحجاج، وتعينت الأسباب، وولايتهم مساوية لمنصب الحكم من غير زيادة ونقصان، غير أن الفرق بقلة العمل وكثرته من جهة كثرة الأقطار وقلتها"[20].

وقد يباشر القاضي أو قاضي الجهة الإشراف على الوثائق، فقد ذكر ابن حارث في "قضاة قرطبة" في ترجمة أحمد بن بقي بن مخلد "أنه كان يتعقب كتاب الوثائق، وكان حسن الانتقاء والفطنة في الوثائق، وكان لا يوقع شهادته في وثيقة حتى يقرأ جميعها، من أولها إلى آخرها، وكان بصيراً على ذلك، وإن كان قائماً على قدميه"[21]. وهذا يدل على أن الوثائق في الغالب خاصة الوثائق التي تصدر من المحاكم الشرعية لا يكتبها إلا العدول، ولابدَّ من تصديق القاضي عليها، وأن القاضي هو المرجع الأعلى لكتاب العدل، وأنه يتعقب أعمالهم ومدى مطابقتها للشرع المطهر، وانضمام مجموعة من الولايات بعضها إلى بعض مذهب معروف مشتهر في التاريخ الإسلامي.

"فهذا أبو جعفر المنصور يضم إلى قاضيه سوار بن عبد الله القاضي ولاية الصلاة والشرطة مع القضاء، وقبله كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه  ينظر في أمور بيت المال والقضاء بولاية من عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان عبد الله بن الحسن القاضي في زمن عمر وعثمان ينظر في الصدقة، ومرم الأنهار، ومشاكل المياه، وذكر الكندي أن سليم بن عتر قاضي مصر المشهور جمع له القضاء مع الشرطة، وأن الحسين بن علي بن النعمان فوض له الحاكم الإشراف على دار الضرب والدعوة والقضاء، وذكر وكيع أن عبد الرحمن بن زيد بن حارثة الأنصاري كان قاضيَ المدينة وواليها في عصره، بل قد يصل القاضي إلى درجة الوزارة، فذكر النباهي أن ابن ذكوان قد ولي الوزارة مجموعة إلى قضاء القضاة"[22].

فلا ريبَ بعد هذا كله أن تكون ولاية التوثيق مندرجة في بعض الولايات الشرعية في بعض العصور، وأن تكون مستقلة في عصور أخرى، فهذا يعود لعظم الدولة الإسلامية واتساع سلطانها، ومدى حاجة الناس إلى هذه الولاية، فإذا كثر الناس تعددت الولايات، وإذا قل الناس قلت الولايات؛ لأن القصد من الولايات كلها تصريف شئون الأمة بسهولة ويسر، مع الحزم والصرامة، وإنهاء الحقوق، وحفظها في أقل مدة، وأقصر طريق، وهذا كله يعود إلى نظر الإمام الأعظم "الخليفة" القائم بالأمر في ذلك العصر.

 

المبحث الرابع تعريف التوثيق في اللغة والاصطلاح

أولاً: التوثيق في اللغة[23]:

كلمة التوثيق مأخوذة من قولك "وثق بالشيء" -أي قوي وثبت، فهو وثيق: ثابت محكم، وأخذ فلان بالوثيقة في أمره: أي بالثقة، والجمع وثائق، قال ابن فارس: "إن مادة الواو والثاء والقاف -وهي جذر كلمه (وثق)- تدل على "عقد وأحكام" فوثقت الشيء: أحكمته، والميثاق: العهد، والتوثقة في الأمر: إحكامه، وتوثق بالأمر مثله، واستوثق فلان، وتوثقت من الأمر: إذا أخذت فيه بالوثاقة، ومنه: "عقد وثيق: أي محكم"، واستوثقت منه: أخذت في أمره بالوثيقة، ومنه الميثاق والمَوْثق: هو العهد والجمع مواثيق.

وسمي الحلف موثقاً: لأنَّه توثق به العهود وتؤكد.

مما سبق نجد أن معنى الوثيقة في اللغة العربية يطلق على معانٍ عدة منها:

1- العقد والأحكام.

2- التقوية والثبوت والثقة.

3- الشدّ والإحكام.

4- الأخذ بالوثاقة والوثيقة.

5- العهد والأيمان.

ثانياً: التوثيق والوثيقة في الاصطلاح:

عرفه الأستاذ الفاضلي بقوله: "التوثيق في الاصطلاح هو: علم يبحث فيه عن كيفية إثبات العقود والالتزامات والتصرفات وغيرها، على وجه يصح الاحتجاج والتمسك به"[24]، والموثق: "هو من يقوم بالتوثيق، أي بكتابة العقد أو الإقرار أو التصرف ونحو ذلك"[25].

والوثيقة هي: "الورقة التي يكتب فيها الموثق، وسميت هذه الورقة وثيقة لأن مادة "وثق" تنبئ عن الربط، فهي شريط كل من المتعاقدين بما التزم به".

والوثيقة الشرعية هي: "الورقة التي يدون فيها ما يصدر من شخص أو أكثر من التصرفات أو الالتزامات أو الإسقاطات أو نحو ذلك، على وجه يجعله منطبقاً على القواعد الشرعية، ومستوفياً لجميع الشروط التي اشترطها الفقهاء لجعل هذا المدون صحيحاً بعيداً عن الفساد"[26].

ويسمى الفقهاء علم التوثيق بعلم الشروط والمحاضر والسجلات، وفيه كتب كثيرة مؤلفة عند كل المذاهب الإسلامية قديماً وحديثاً.

 

المبحث الخامس تعريف ولاية التوثيق "العدالة" وذكر بعض أحكامها

عرفت ولاية التوثيق عند علماء المغاربة باسم "خطة العدالة" وهذا الاسم ليس مقصوراً عليهم بل هو عندهم أشهر، فلقد عرف الشهود باسم "العدول" منذ عصر متقدم من هذا ما روي عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب قوله:

"والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول"[27].

وقد عرفها بصورة شاملة جامعة الإمام ابن خلدون في مقدمته، وعنه نقل كل من جاء بعده كابن الأزرق في بدائع السلك في طبائع الملك، وغيره من المعاصرين، قال الإمام ابن خلدون عنها[28]:

"العدالة: وظيفة رئيسية تابعة للقضاء ومن مواد تصريفه، وحقيقة هذه الوظيفة القيام عن إذن القاضي بالشهادة بين الناس فيما لهم وعليهم، تحملاً عند الإشهاد، وأداء عند التنازع، وكتباً في السجلات، تحفظ به حقوق الناس، وأملاكهم، وديونهم، وسائر معاملاتهم" وهذا التعريف يُلاحَظُ فيه نوعٌٍ من الخلط بين ولاية العدالة، ووظيفة العدول "المزكين" في القديم وفي عصره، ولكنه عند ذكر مهامهم الوظيفية يوضح بجلاء الصورة الحقيقية لولاية العدالة في عصره فقال عن طبيعة وظائفهم:

"القيام بكتب السجلات والعقود من جهة عباراتها، وانتظام فصولها، ومن جهة إحكام شروطها الشرعية، وعقودها، فيحتاج حينئذٍ إلى ما يتعلق بذلك من الفقه ولأجل هذه الشروط وما تحتاج إليه من المران على ذلك والممارسة له اختص بذلك ببعض العدول"[29]، ولم تكن في عصر الإمام ابن خلدون - وهو العصر المملوكي - لها استقلال تام عن ولاية القضاء، بل كان للقضاة الإشراف عليهم، فقد ذكر مراقبة القضاة لهم وأنها وظيفة تابعة للولاية القضائية من جهة الإشراف ونحوه.

فقال : "ويجب على القاضي تصفح أحوالهم، والكشف عن سيرهم رعاية لشرط العدالة فيهم وأن لا يهمل ذلك، لما يتعلق عليه من حفظ حقوق الناس، فالعهدة عليه في ذلك كله، وهو ضامن دركه"[30].

وذكر أنها وظيفة مساعدة للعملية القضائية، وأن حاجة  الناس إليها ماسة، وكذلك القضاة، فقال: "إذا تعين هؤلاء لهذه الوظيفة، عمت الفائدة في تعيين من تخفى عدالته على القضاة، بسبب اتساع الأمصار، واشتباه الأحوال، واضطرار القضاة إلى الفصل بين المتنازعين بالبينات الموثوقة فيعولون غالباً في الوثوق بها على هذا الصنف"[31].

ثم ذكر أماكن جلوسهم وتواجدهم في المدن الإسلامية، والفرق بين العدالة والشهادة والجرح.

فقال: "لهم - في سائر الأمصار - دكاكين ومصاطب يختصون بالجلوس عليها فيتعاهدهم أصحاب المعاملات للإشهاد وتقيده بالكتاب، وصار مدلول هذه اللفظة مشتركاً بين هذه الوظيفة التي بين مدلولها وبين العدالة الشرعية التي هي أخت الجرح وقد يتواردان ويفترقان"[32].

وعقد الإمام ابن الحاج في المدخل فصلاً بعنوان (العدالة) وذكر حال ولاتها في عصره وآداب كاتب العدل ومما قاله:

"فإذا تقرر ما ذكر من الهرب من المناصب فمن آكدها الهرب من العدالة، والتشوف إليها، إذ أن الخطر فيها أعظم مما تقدم في القضاء، إذ إن القاضي ليس له أمر ولا نهي في الغالب إلا بشهاداتهم فكأنه أسيرهم، لأنه بحسب ما قالوه حكم، فهم الباعثون له على الحكم"[33].

ومن خلال كلام ابن خلدون السابق يمكن أن نخرج بالنتائج التالية:

1- أن ولاية العدالة ولاية منفردة عن القضاء، ومن اختصاصات القضاة أو قاضي الجماعة الإشراف عليهم وتسمى في المغرب الإسلامي "بخطة عقد الشروط"[34]، أو "خطة العدالة".

2- أن وظيفة العدل القيام بدلاً عن القاضي بضبط شهادات الخصوم في السجلات، وكتابة الحقوق، وإصدار الصكوك والحجج الشرعية الخاصة بالديون والأملاك وغير ذلك.

3- لابدَّ أن يكون المتولي لها عالماً بعلم الفقه والشروط والسجلات وأحكامها الشرعية، وأن يمارس هذه المهنة ويتمرن عليها حتى يحذقها.

4- يجب على القاضي تصفح أحوال هؤلاء الشروطيين والعدول والكشف عن سيرهم وأحوالهم.

5- أن اتساع الأمصار واشتباه الأحوال، وانشغال القضاة سبب من أسباب وجود هذه الولاية الشرعية.

6- العدول: الشرطيون يجلسون في عصر المماليك في دكاكين خاصة بهم ويحصلون على إجازات وتصريح بالعمل في هذه المهنة الشرعية الجليلة من قبل رئيس القضاة في عصرهم.

7- أن الفرق شاسع بين مهنة العدول وهم الشروطيون، والعدول الآخرون الذين يشهدون على الناس من جهة العدالة وضدها -"أخت الجرح"- كما وصفهم بذاك الإمام ابن خلدون.

المبحث السادس مشروعية تعيين ولاة التوثيق، وكتاب الوثائق الشرعية

لقد ثبتت مشروعية تعين ولاة التوثيق وكتاب الوثائق الشرعية بأدلة الكتاب والسنة القولية والفعلية، والإجماع والمعقول.

 

المطلب الأول: مشروعيته من الكتاب الكريم:

لقد أنزل الله عز وجل في الأمر بكتابة الديون ونحوها أطول آية كريمة في كتابه الكريم، وأحدث آية نزولاً بالعرش.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ} وقال تعالى: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُب...} [سورة البقرة: 282].

هذه الآية الكريمة أمرت بالكتابة وقد اختلف الفقهاء والمفسرون هل الأمر هنا للوجوب أم للندب؟، وسواء أكان الأمر للندب أم للفرض، فالآية تقرر مبدأ مشروعية الكتابة، ونصب الكتبة، وهم "ولاة التوثيق"، وهذا النصب لا يكون إلا من قبل ولاة الأمر، للآثار العظيمة المترتبة على حجية الوثائق الشرعية وقوة نفاذها، وحاجة الناس إليها في كل زمان ومكان، والاعتماد عليها عند الجحود والإنكار، وحفظ الحقوق بها أزمنة متطاولة، وفصل النزاعات فيها عند القضاء عند التخاصم والتجاحد.

يقول الدكتور/ محمد الزحيلي موضحاً الشاهد من هذه الآية الكريمة: "إن هذه الآية الكريمة أمرت بكتابة الدين لدى كاتب موثوق معتمد، مع توثيق الكتابة بالإشهاد عليها، وهذا السند العادي أو العقد الرسمي الذي يستعمل اليوم في أنحاء العالم، وانتشر استعماله في كل الأمور، وعند كل الأشخاص، يُعَدُّ سنداً في الدين، وحجة في القضاء، يلزم صاحبه، ويلزم القاضي الحكم به ما لم يثبت تزويره أو تغييره"[35].

وما ذكره الدكتور الزحيلي هو ما نصَّ عليه وفهمه علماء السلف الأجلاء، كالإمام مالك وغيره، قال مالك:

"لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها، عدل في نفسه مأمون، لقوله تعالى: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ}[36].

ووضح الشاهد من هذه الآية الكريمة الإمام الجصاص بقوله في معرض تفسيره لقوله تعالى: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} : "فيه أمر لمن تولى كتابة الوثائق بين الناس، أن يكتبها بالعدل بينهم، والكتاب وإن لم يكن حتماً، فإن سبيله إذا كتب أن يكتب على حد العدل والاحتياط، والتوثق من الأمور التي من أجلها يكتب الكتاب، بأن يكون شرطاً صحيحاً جائزاً على ما توجبه الشريعة وتقتضيه، وعليه التحرز من العبارات المحتملة للمعاني، وتجنب الألفاظ المشتركة، وتحري تحقيق المعاني بألفاظ مبينة، خارجة عن حد الشركة والاحتمال، والتحرز من خلاف الفقهاء ما أمكن، حتى يحصل للمتداينين معنى الوثيقة والاحتياط المأمور بها في الآية"[37].

ومن هنا ترى أنَّه ليس بوسع كل أحد، أن يقوم بكتابة الوثائق، فلابد أن يقوم ولي الأمر باختيار ولاة عدولٍ لهم خبرة ودراية وعلم في فقه الشروط والوثائق، حتى يقوموا بهذا الواجب على أكمل وجه، هذا ما ذكره علماء الإسلام وفهموه من قوله تعالى: {وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} قال الجصاص: "يعني والله أعلم ما بينه من أحكام العقود الصحيحة، والمداينات الثابتة الجائزة، ولأن الكاتب بذلك إذا كان جاهلاً بالحكم لا يأمن أن يكتب ما يفسد عليهما ما قصداه، ويبطل ما تعاقداه" ، ومتى كتب فواجب أن يكون على هذه الشريطة كما قال عز وجل: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6]، فانتظم ذلك صلاة الفرض، والنفل غير واجب عليه ولكن من قصد فعلها وهو محدث فعليه ألاَّ يفعلَها إلا بشرائطها من الطهارة وسائر أركانها، فكذلك كتابة الدين والإشهاد عليه ليسا بواجبين ولكنه متى كتب فعلى الكاتب أن يكتبه على الوجه الذي أمره الله تعالى به وأن يستوفي فيه شروط صحته ليحصل المعنى المقصود بكتابته"[38].

هذا بعض ما فهمه العلماء من قول الله عز وجلَّ عن الكاتب بأن يكتب كما علمه الله تعالى، وهذا يفيد أنَّه لا يجوز أن يتولى هذه الولاية والٍ جاهل بشروطها وأركانها وواجباتها، لهذا جعل العلماء وولاة الأمر في القديم والحديث شروطاً واجبة وشروطاً مستحبة لكل من تقدم لشغل هذه الولاية الشريفة الجليلة.

ولا يستغني عن كُتّاب العدل وولاة التوثيق أحد، خاصة في عصرنا الحاضر الذي شاعت فيه المعاملات التجارية، وكثرت العقود بشتى أنواعها، وتشابكت المصالح بين الأفراد والدول والحكومات تشابكا قوياً لا يمكن أن تقوم المصالح المناطة بهذه المعاملات على سنن العدل إلا بإدارات كتابات العدل.

يقول الشيخ محمد عبده:

"إن كاتب العقود والوثائق بمنزلة المحكمة الفاصلة بين الناس، وليس كل من يخط بالقلم أهلاً لذلك، إنما أهله من يصح أن يكون قاضيَ العدل والإنصاف"، وقال عن وجوب نصب كتاب العدل في معرض شرحه للآية السابقة: "فهذا إرشاد للمسلمين إلى أنَّه ينبغي أن يكون منهم هذا الصنف من الكتاب، فهذه قاعدة شرعية لإيجاد المقتدرين على كتابة العقود، وهم ما يسمون اليوم "بالعقود الرسمية" يتحتم ذلك على هذا القول بأن الكتابة واجبة وعليه العمل الآن فإن للعقود الرسمية كتاباً يختصون بها"[39].

 

المطلب الثاني: مشروعيته من السنة المطهرة:

اتخذ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الكتابة وسيلة من وسائل تبليغ الرسالة إلى الناس في عصره من عرب وعجم، وكتب بعض الكتب إلى بعض ولاته في بيان الحلال والحرام، وكتب المعاهدات مع قريش وغيرهم، وكتب عقود الصلح والأمان، وأعطى كل من وفد إليه من أمراء الأعراب القطائع العظيمة، وكتب لهم بذلك كتباً معروفة عند أهل العلم مفردة في كتب لديهم، وكتب إلى أمرائه في البلدان النائية عنه، وكتب كتباً لقادة السرايا، بل استعملها في عقود البيع والشراء والوصية والقضاء وغير ذلك مما ذكره العلماء في كتب الحديث والفقه والسيرة والتاريخ وغيرها، وهذه نبذ من هذه الكتب العظيمة.

أولاً: حدث أبو هريرة فقال: "لما فتحت مكة قام رسول الله   صلى الله عليه وسلم - فذكر الخطبة خطبة النبي صلى الله عليه وسلم - ثم قال: فقام رجل من اليمن يقال له أبو شاه، فقال: يا رسول الله اكتبوا لي، فقال صلى الله عليه وسلم: "اكتبوا لأبي شاه"[40].