|
|
|||||||
|
|
|
|
|
|
|||
|
|
|
|
منهج الملك الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود
رحمه الله في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة |
|
|
د/ غازي بن غزاي بن عبد العزيز المطيري |
|
|
الأستاذ
المساعد بقسم الدعوة بالجامعة الإسلامية |
|
|
|
|
|
|
|
|
المقدمة |
|
|
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين. |
|
|
وبعد: |
|
|
فإن دراسة حياة العباقرة والنابغين، وما تحفل به حياتهم من إنجازات
عظام، سبقت زمانهم وفاقت قدرات أقرانهم، مدرسة عملية للأجيال، ومدعاة لاستخلاص
العبر والدروس، وإصلاح الحاضر، واستشراف المستقبل، في ضوء الحقائق الموضوعية
الماثلة في حياتهم، ولا جرم أن أحق الناس وأولادهم بالدراسة، زعماء الأمة
وقادتها التاريخيين، الذين ابلوا بلاءً حسناً في سبيل خدمة أوطانهم وأمتهم،
اعترافاً بفضلهم، وحفظاً لحقهم فلا تزال الأمة بخير – ما اعتزت بتاريخها المجيد،
وعرفت حق أهل الفضل والعلم فيها، ممن تجتمع معهم في جذور واحدة، وأصول مشتركة،
حيث من السهل حينئذ إعادة تاريخهم المجيد، وتطبيق تجربتهم، واختزان نجاحهم،
وتوظيفه في رقي الأمة ونهضتها، وحق للشعب السعودي المسلم الأصيل، أن يسترجع بفخر
واعتزاز سيرة مؤسس دولته الثالثة، الملك الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل
سعود – رحمه الله – الذي أجمع الباحثون الذين كتبوا عنه، على تعدد مواهبه، وعظيم
شخصيته، وقوة شكيمته، وجلالة جهاده ومن العسير –
والحالة هذه – الإلمام بجوانب حياته واستعراضها وتحليلها في بحث موجز، مما حملني
على طرق جانب واحد، نال قسطاً كبيراً من اهتمام الملك الإمام تبدت فيه عبقريته،
وظهرت في ميدانه نباهته، وذلك من خلال نهجه السديد في جمع القلوب المتنافرة،
وتأليف النفوس المتناحرة، ورص الصفوف المتفرقة، حيث تكللت جهوده المباركة بنجاح
رائع فريد، في أقل من ثلاثة عقود، وعنونته (منهج الملك الإمام عبد العزيز في
تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة) وتعظم أهمية هذه الدراسة في وقت تستعيد فيه المملكة
العربية السعودية، ذكرى مرور مائة عام على تأسيسها في
كيان متحد متلاحم الشعار والدثار، مما دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع،
اغتباطاً بتلك الذكرى الأثيرة على نفوسنا جميعاً، والتذكير بضرورة المحافظة على
تماسكها، وتوظيف رصيدها في حماية الأمة من براثن التفرق، وويلات التحزب، ومآسي
الشقاق، هذا واعتمدت في كتابة البحث على المراجع والوثائق العلمية الأصيلة التي
تحدثت عن حياة الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – وهي أكثر من أن تحصى، ولم
أجد عنتاً يذكر في إيراد الأدلة والبراهين والشواهد من حياة الملك الإمام
وأقواله، على ما أريد تقريره فقد كانت حياته غنية بالإنجازات والمواقف الفذة،
نالت اهتمام الباحثين والدارسين في عصره وبعده، وما من فصل في البحث إلا افتتحته
بمقدمة موجزة لتهيئة ذهن القارئ لما أريد تقريره، وذيلته بخاتمة لتكون حلقة وصل
لما بعده، وقد اشتمل البحث على مقدمة وتمهيد وأربعة
فصول وخاتمة. أما المقدمة، فتحدثت فيها عن أهمية البحث
ومنهجي في كتابته، وتضمن التمهيد تعريفاً موجزاً بالملك الإمام عبد العزيز –
رحمه الله -. |
|
|
أما
الفصل الأول: فاشتمل على أسس الملك الإمام عبد العزيز
– رحمه الله – في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة. |
|
|
أما
الفصل الثاني: فتكلمت فيه عن وسائل الملك عبد العزيز – رحمه الله – في تحقيق
الوحدة ونبذ الفرقة. |
|
|
أما
الفصل الثالث:
فذكرت فيه أساليب الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – في تحقيق الوحدة ونبذ
الفرقة. |
|
|
أما
الفصل الرابع:
فجمعت فيه نتائج منهج الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – في تحقيق الوحدة
ونبذ الفرقة. |
|
|
أما
الخاتمة:
فتضمنت الدروس المستنبطة من منهج الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – في تحقيق
الوحدة ونبذ الفرقة. |
|
|
والله تعالى أسأل أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه
الكريم، وأن ينفع به عموم المسلمين. |
|
|
التمهيد |
|
|
يلاحظ الباحث المدقق لسيرة الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – تحليه
بصفات ومناقب ذات أثر بالغ في حياته أهلته -بفضل الله- إلى قيادة مبكرة، والتحفز
نحو المقاصد العالية والأهداف السامية، حتى نال مرامه، وحقق أحلامه، ولم يزل بعد
في مقتبل العمر ورواء الفكر، جامعاً بين رسالة الداعية وريادة المصلح وحنكة
القائد، ملماً باتجاهات عصره ومتطلبات زمانه وثقافة وقته، زد على ذلك خلفية
أسرية مفعمة بالطموح والمجد، وإرث معنوي ملء السمع والبصر. |
|
|
نسب الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله -: |
|
|
ينتهي نسب الملك الإمام إلى أرومة عربية، ضاربة في الأصالة،
متجذرة في العراقة، فهو عبد العزيز بن عبد الرحمن بن
فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع المريدي من بني حنيفة بن ربيعة من
نزار [1]
. تولى جده الأول مانع المريدي إمارة الدرعية، والتي لم تزل في توسع في ممتلكاتها وحدودها نظراً
لتعاظم دور الإمارة وأمرائها وقوتهم [2]حتى
انتهى الحكم إلى الأمير محمد بن سعود – رحمه الله – الذي قاده تعاونه ونصرته
ومؤازرته الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – إلى تبوء أسرة آل سعود
مكانة سامقة في تاريخ الجزيرة العربية أفضت إلى قيادة أمة مترامية الأطراف ضمت
الجزيرة وأعرابها ودلفت إلى يمنها وعراقها وشامها في
عهد الإمام عبد العزيز بن محمد – رحمه الله – وابنه الإمام سعود بن عبد العزيز –
رحمه الله -[3]
وبهذا تكون أسرة الملك الإمام ذات تاريخ معرق
في الأصالة، باذخ الصيت في
المجد، متجذر الأصول في الإمارة والملك زادها مناصرة
دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – بعداً دينياً لا يرام وعزاً لا
يضام، وأضحت رمزاً للوحدة الوطنية، وروحاً حية تبث روح الحياة في أوصال الأمة في
أوقات الشدة وتكالب الأعداء عليها. |
|
|
مولده: |
|
|
ولد الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – في قصر الإمارة في الرياض
سنة 1297هـ[4]
في أوقات عصيبة عصفت بأسرته المباركة، حيث تفتحت عيناه على ملك مضاع، وشعب متناحر، وبيئة سياسية تتسم بالفوضى وعدم
الاستقرار. |
|
|
تعليمه: |
|
|
منذ نعومة أظافره عبّ الملك الإمام من معين العلوم الشرعية، على أيدي
علماء عصره وقراء زمانه الذين أولوه اهتامهم وعطفهم،
منهم الشيخ عبد الله الخرجي -رحمه الله-، الذي أخذ
عنه القراءة، والشيخ محمد بن مصيبيح – رحمه الله –
الذي درس على يديه الفقه، والشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ – رحمه الله –
الذي درس عليه التوحيد في كراسة أعدها خصيصاً
له[5].
ولم يزل – رحمه الله – طالباً للعلم راغباً في تحصيله، حتى حفظ أجزاء من القرآن
الكريم، واستظهر عديداً من المؤلفات، مثل الرحبية في
الفرائض، والأربعين النووية، وبلوغ المرام، وقرأ الزاد كاملاً ثم توسع في
القراءة الذاتية، فقرأ البداية والنهاية لابن كثير، وتاريخ الطبري، وكان رحمه
الله محباً للأدب يحفظ الشاهد والمثل، ويتمثل بهما في
خطبه وحواراته، مكثاراً
للقراءة العامة، محافظاً على حزبه من الأذكار، وحفلت مجالسه حتى آخر حياته
بمجالس العلم ومذاكرته سماعاً ونقاشاً، وقد رزقه الله سرعة البديهة وألمعية
النظر وفرط الذكاء وعقلاً متفتحاً متنوراً لا يضيق ذرعاً من النقاش بل يستدعيه
وينميه[6]. |
|
|
تنقلاته
ورحلاته: |
|
|
اضطر الإمام عبد الرحمن بن فيصل آل سعود – رحمه الله – إلى الخروج من
الرياض تحت وطأة الضرورة، فرأى من المصلحة التنقل، إلى حين سنحان
الفرص، واهتبال الفُرَج، وانكشاف الكُرب، فاصطحب ابنه
عبد العزيز، فنزل في بادية العجمان وآل مرة، فتعلم
فيها ضروب الفروسية من ركوب الخيل والضرب بالسيوف
والطعن بالرماح يقول – رحمه الله – "أنا ترعرعت في البادية، فلا أعرف
التلاعب بالكلام، وتزويقه، ولكني أعرف الحقيقة عارية
من كل تزويق"[7]
وبين تضاعيف كلام الملك الإمام ما ينبئ عن مكنون قوة شخصيته، وصلابة
قناته. وفي فترة مبكرة من عمره أسند إليه والده بعض المهام الصعبة الملائمة
لتكوينه واستعداده، فشارك في مفاوضة ابن رشيد والإصلاح بين القبائل، والوفادة
على الأمراء والشيوخ رسولاً وسفيراً من قبل والده -رحمهما
الله-[8]. |
|
|
وبانتقاله مع والده إلى الكويت، اكتسب من مخالطة داهية العرب في وقته
(مبارك الصباح) أمير الكويت – رحمه الله – خبرة ومهارة في التعامل مع الأحداث،
والتعرف على القوى الخارجية وسياستها في المنطقة،
والوقوف عن كثب على الصراعات
الدولية في مناطق النفوذ، ومن هناك بدأ يخطط لوحدة بلاده، ولم شعثها، وجمع كلمتها، يحدوه أمل غير محدود، بنجاح طلبته،
وأحقية مهمته، وهو يعلم أن قلوب الشعب وسيوفهم معه، فقد ضاقوا ذرعاً من
الانشقاقات والنزاعات ولم تزدهم الإمارات المتسلطة
يومئذٍ إلا بؤساً وظلماً يقول – رحمه الله – "أنا قوي بالله تعالى. ثم
بشعبي، وشعبي كلهم – كتاب الله في رقابهم وسيوفهم بأيديهم يناضلون – ويكافحون في
سبيل الله، ولست أدعي أنهم أقوياء بعددهم أو عُددهم وكلهم أقوياء – إن شاء الله
بإيمانهم"[9]. |
|
|
وفاته: |
|
|
قضى الملك الإمام عبد العزيز -رحمه الله- عمراً مديداً مباركاً في زراعة
بذرة الوحدة، وسقيها بالإيمان والجهاد، حتى أينعت ثمارها وحان قطافها بالأمن
والأمان، والسعادة والاطمئنان، وفي رحلته السنوية التي اعتاد قضاءها في الربوع
المقدسة، لرعاية الحجاج من قرب، قعد به المرض في مدينة الطائف قبل أن يبلغ
وجهته، مما اضطره إلى إنابة ولي عهده الملك سعود -رحمه الله- للذهاب إلى مكة في
موسم عام 1372هـ، بينما اشتدت وطأة المرض عليه، وفي صبيح
الاثنين 2 ربيع الأول سنة 1373هـ انتقل إلى جوار ربه ونقل بالطائرة إلى الرياض
ودفن بها[10]
-رحمه الله رحمة واسعة وجزاه الله عن المسلمين والإسلام خير الجزاء-. |
|
|
أهلية أسرة الملك الإمام وخصائصها الوحدوية: |
|
|
لم تكن أسرة الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – غريبة على سكان الجزيرة
العربية، فهم من بني جلدتهم، وبضعة من لحومهم ودمائهم، يتقاسمون بينهم الآلام
والآمال، وتاريخهم شاهد على نزاهتها من النقائص، واستعلائها على الأهواء
والأطماع، فليس لحي من أحياء العرب من الحظوة والمكانة القيادية ما لأسرة الملك
الإمام، وذلك للأسباب التالية:- |
|
|
1 – تجذر الملك والحكم في أصولها، فلم يكونوا
حديثي عهد بملك، بل أخذوه كابراً عن كابر، يقول الملك الإمام: "أنا عربي من
خيار الأسر العربية ولست متطفلاً على الرئاسة والملك، ولست ممن يتكئ على سواعد
الآخرين في النهوض والقيام، وإنما اتكالي على الله، ثم على سواعدنا يتكئ الآخرون
ويستندون إن شاء الله"[11]. |
|
|
ومن عادة العرب أنها لا تنسى مآثر ذوي المكرمات وتعرف لذوي الهيئات
منازلهم مهما تعرضوا للنكبات وطوارق المدلهمات،
فسرعان ما تلتف حولهم الخاصة والعامة، عند أول بادرة نهضة ويقظة وهدة، كما هو حال تاريخ أسرة الملك الإمام. |
|
|
2 – ارتباط أسرة الملك الإمام – رحمه الله – بنصرة الدين الحق، وتجديده
مما أكسب حكمها سلطاناً على القلوب لا يزول أثره، ولا يحمي ذكره، يقول الملك
الإمام: "نحن دعاة إلى التمسك بالدين الخالص من كل بدعة نحن دعاة إلى
العروة الوثقى"[12]
ولا أتجاوز الحقيقة إذا قلت: إنها الأسرة الوحيدة التي قام ملكها في
جزيرة العرب بعد العهد النبوي والراشدي على أسس دعوية صحيحة، ولا أدعي هذا الفهم لنفسي فقد سبقني إليه
الدكتور محمد البهي - رحمه الله - الذي قال بإنصاف - يشكر عليه - حين الحديث عن
التعاضد بين الإمامين: محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب – رحمهما
الله – "وبهذا التعاضد اجتمع لهذه الدعوة سلطان الحاكم وقوة الإيمان، وقلما
اجتمع الأمران في حركة دينية بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه
الراشدين سوى هذه الحركة"[13]
وصدق فيهم قول الإمام الشوكاني – رحمه الله – في
أبيات له: |
|
|
جميع بني الدنيا فما للمجادل |
هم الناس أهل البأس يعرف فضلهم |
|
إلى أن أقاموا بالظي كل مائل |
وقد جاهدوا في الله حق جهاده |
|
كما
دافعوا داعي الهوى بالقنابل[14] |
لقد نصروا دين الإله وحزبه |
|
3 – ابتعاد أسرة الملك الإمام
عن التسلط والظلم، واتسمت سياستهم بالصبغة الشرعية، حتى في أوقات الشدة بخلاف ما
اشتهر عن كثير من أفراد الأسر الحاكمة (أحياناً) من الظلم والاعتداء، واغتصاب
حقوق الناس وممتلكاتهم، وقد تمتع القضاء تحت ظل حكمهم باستقلالية ونزاهة، لا
سلطان لغير شرع الله عليه، وقد أشار أحد الباحثين إلى علة انتصار أسرة الملك
الإمام بقوله: "تمكن آل سعود من السيطرة على البلاد لما قاموا به، من جليل
الأعمال كما كانوا وما زالوا أكثر الأسر التي حكمت الجزيرة منذ زوال الملكية من
أيدي العرب تفانياً في إحقاق الحق وإزهاق الباطل وإعلاء كلمة الله في السر والعلن"[15]. |
|
|
4 – لم يعهد من سياسة أسرة الملك الإمام – رحمه الله – الانحياز إلى فئة
دون أخرى، أو تأليب بعضها على بعض، مما حفظ لهم مصداقية، ونزاهة أمام الأمة (فلا
يكاد أمير سعودي، يظهر حتى يتسابقوا في تأييده ونصرته، ويتراكضوا إلى بيعته والانظواء تحت رايته لا يتعانون
مع غيره، ولا ينقادون مع سواه، مادام ذلك في مقدورهم وفي حيز استطاعتهم ومرد ذلك
ما عرفوه بالتجارب الكثيرة المتتالية عبر التاريخ، وعبر الأيام من زائد الإخلاص
في محبتهم، واهتمام بشؤونهم وحرص على إقامة العدل
بينهم[16]،
وباشر الجميع تحت حكمهم العمل بتفان وإخلاص في محيط تحفظ فيه الحقوق، وتصان الحرمات، وتتكافأ فيه الفرص أمام الجميع كل على قدر أمانته
وكفاءته، فهم أبعد الناس عن التحزب والوقوع في براثن العنصرية والفئوية
والقبلية، ومن هنا كان حكمهم بلسماً شافياً، ودواء كافياً ورحمة وسلام، وبهذه
المعطيات الراسخة تمثلت أمام الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – بارقة أمل
لا ينقطع في العودة إلى الوطن، ولم شعثه، ورتق فتقه،
يؤازره في ذلك رجال صالحون من آل بيته، وعموم علماء الدعوة وفي مقدمتهم أسرة آل
الشيخ المباركة الطيبة، وغالب رجالات العرب العرباء
وأبطالهم النجباء – رحم الله الجميع رحمة واسعة – وجزاهم عن الإسلام والمسلمين
خير الجزاء. |
|
|
الفصل الأول
أسس منهج الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – في تحقيق الوحدة ونبذ
الفرقة |
|
|
ما من منهج سديد يروم الكمال ويسعى إلى التأثير، إلا حرص مخططوه ومنظروه
على إقامته على دعائم راسخة وقواعد جامعة، تؤكد أحقيته في البقاء وصيرورته في النجاح
والإثراء، وقد حرص الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – في سبيل تحقيق الوحدة
ونبذ الفرقة، أن يقيم منهجاً يتسم بالشمولية والاستيعاب لحاجة عصره ومراحل
جهاده، توظف فيه مناقب العرب، وفق وجهة إسلامية رشيدة، تنتهي إلى وحدة شاملة،
تنطلق في البناء والإعمار، راشدة موفقة، ينعم بها
القريب، ويسعد بها البعيد، وتبقى منارة هدى ومثابة أمن وأمان، للأجيال الحاضرة
والقادمة، وعليه وطد منهجه على أسس وقواعد، بنيت عليها الوحدة الكبرى بين أبناء
شعبه وأفراد أمته، بما لا يستطيع أحد زعزعته، أو النيل منها، ومن أهمها: |
|
|
المبحث الأول:
العقيدة الصحيحة: |
|
|
ورث الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – عن آبائه وأجداده، موروثاً
علمياً وزاداً حضارياً، أخذه عن علم وبصيرة، وطبقه بنية صادقة، وإرادة قوية،
أحدثت معجزة باهرة في جميع أمة مقطعة الأوصال، مختلفة الرؤى متناقضة الأهداف،
فانصهرت جميعها في بوتقة الإيمان، وحدة متماسكة وبنية
متشابكة، فسعى إلى إعادة هذا الموروث، والاستناد إليها في كل خطوة نحو الوحدة،
وطبقها بعلم مكين، وفهم دقيق، وفقه راسخ رشيد، جنبه -بفضل الله- الوقوع في
المحاذير والآفات التي تورطت فيها الفرق والطوائف المختلفة. يقول الملك الإمام
عن الفهم الصحيح للعقيدة "عقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح، التي جاءت في
كتاب الله وسنة رسوله، وما كان عليه السلف الصالح، نحن نحترم الأئمة الأربعة،
ولا فرق بين الأئمة: مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة كلهم محترمون في
نظرنا"[17]
ويقول رحمه الله "أنا داعية لعقيدة السلف الصالح، وعقيدة السلف الصالح هي
التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما جاء عن الخلفاء الراشدين،
أما ما كان غير موجود فيها، فأرجع بشأنه، إلى أقوال الأئمة الأربعة، فآخذ منها
ما فيه صلاح المسلمين، أنا مسلم، وأحب جمع كلمة الإسلام والمسلمين، وليس أحب
عندي من أن تجتمع كلمة المسلمين، ولو على يد عبد حبشي، وإنني لا أتأخر عن تقديم
نفسي وأسرتي ضحية في سبيل ذلك"[18]. |
|
|
فسعى بإخلاص إلى إعادة هذا الموروث السلفي – الذي يلزم عموم المسلمين
فجعله محور دعوته ولب جهاده، مع يقينه بأثرها الناجح في تربية شعبه ونهضته، يقول
-رحمه الله-: "مثل هذه البادية في حياتها، كمثل أرضها تظل قاحلة، إلى أن
يسقيها الغيث فإذا سقيت أخضرت وأزهرت، كذلك هي في رجالها، تستمر عصوراً وهي
مستغرقة في جهالتها، ويبرز فيها رجل يحسن تنظيمها وتوجيهها، فتنقلب الحياة في كل
ناحية من نواحيها"[19].
فعقيدة التوحيد في نظر الملك الإمام، قوة متجددة تؤدي دورها التجديدي
في بعث الأمة ووحدتها في كل أوان، متى أراد أهلها ذلك، وتهيئة الأسباب المعينة
على ذلك، ومن أهمها بعد توفيق الله – وجود مصلح حكيم، يحسن تنظيمها نحو الإصلاح
– كمثل الملك الإمام – رحمه الله – فكان إشهار هذا الدواء الناجح ضرورة شرعية،
وحاجة بشرية، يقتضيها خطاب الشرع الحنيف في كل زمان ومكان، فضلاً عن ظروف
الجزيرة العربية وأحوالها الاجتماعية والسياسية، والتي عادت بعد سقوط الدولة
السعودية الثانية إلى سبل التناحر والتقاتل، فأعلن -رحمه الله- لشعبه منذ خطواته
الأولى أنه لم يأت لإحياء مكاسب دنيوية، وكثيراً ما يقول مبتهلاً في دعائه
المنيب: "اللهم إن كان قصدي إعلاء كلمة الله ونصرة الإسلام والمسلمين فأرجو
منك التوفيق والتأييد والنصر، وإن كان قصدي خلاف ذلك، فأرجو منك أن تريحني
بالموت العاجل"[20]
ولم يكن ترسيخ العقيدة في نفوس أبناء العرب بالأمر الهين، ولاسيما بعد
طول عهدهم بمعرفتها، فقد واجه الملك الإمام مصاعب عدة، تنبثق من جبلة العرب،
ونزعتهم نحو الحرية والاستقلالية وأنفتهم الشديدة من الانصياع للنظام، يقول ابن
مانع رحمه الله: "لقد كان من أعظم مشكلات ابن سعود في بناء دولة مستقرة تلك
المشكلة التي واجهت كل زعيم في الصحراء وهي نزعة رجال القبائل الجادة إلى
الاستقلال، وحبهم للحرب وسرعة تغيير ولائهم"[21]
ولكنه رحمه الله سعى بلباقة وحكمة وجلد إلى توجيه حماس العربي لقبيلته ومنازلها،
إلى هدف عقدي يجتمعون على تحقيقه، ويكسبون معيشتهم بسببه، ويتحقق لهم الأمن
والطمأنينة على مائدته، مما يستوجب ذلك تغيير المفاهيم السائدة والمصطلحات
الراسخة يقول -رحمه الله-: "إني أريد تغيير نزعة العرب إلى الحرب، وعدم
جعلها الأسلوب الوحيد أو الأقوى لتحقيق الأهداف حتى يشعروا بأنهم في جماعة
واحدة"[22]
فكانت عقيدة التوحيد خير وسيلة لتغيير نزعة العرب إلى الحرب، ولم تكن العقيدة
الصحيحة عند الملك شعاراً رناناً للاستهلاك المحلي، كعادة أصحاب الشعارات الطنانة والرايات الرنانة، يقول
-رحمه الله-: "إني أفضل أن أكون على جبل آكل من عشب الأرض أعبد الله وحده،
على أن أكون ملكاً على سائر الدنيا، وهي على حالتها من الكفر والضلال، اللهم إنك
تعلم إني أحب من تحب، وأبغض من تبغض، إننا لا يهمنا الأسماء والألقاب، وإنما
يهمنا القيام بحق واجب التوحيد"[23]
ولذا نراه لا يحاب أحداً حين القدح في جانب التوحيد، فقد زاره أحد الزعماء العرب
المشهورين، ودار بينهما حوار، وأراد الضيف أن يؤكد أمراً قائلاً: وحياة رأسك
فنظر إليه الملك الإمام وقال: "قل والله"[24]
ويعلو صوته، ويشتد غضبه إذا ما جانب أحد من رعيته عقيدة التوحيد، ولو كان مدحاً
له ففي زيارته إلى الخرج سنة 1363هـ دخل عليه شاعر واستأذنه. في قصيدة مطلعها: |
|
|
أنت أملنا وفيك
الرجا |
|
|
فصاح الملك الإمام في وجهه قائلاً: "تخسأ – تخسأ" ولمح في
المجلس أحد طلبة العلم فقال: "علمه
التوحيد"[25]
وقد اقترن قوله بفعله في تربية شعبه على التوحيد، فمكنه من قيادة الإصلاح
في جميع نواحي الحياة، وسخر العلم لتوجيه الناشئة من صغرهم، ليتولى العلماء
تدريسه في حلقاتهم ودروسهم، ويطبقه القضاة في محاكمهم، ولم يحاب فيه أحداً كما
تقدم. فحلت العقيدة الصحيحة في قلب الملك الإمام وسياسته موضع الاهتمام البالغ
والتحكيم الحازم، وعلى فلكها يدور منهجه، وجهاده وإصلاحه غير آبه لمعارضتها أو
مجامل لمخالفتها، مهما كانت المكاسب يقول الدكتور عبد الله التركي -حفظه الله-:
"عرف عن كثير من الساسة الذين يهمهم المكسب السياسي فحسب – أنهم يعاملون
الناس ويداهنون العامة في أمور العقائد بل إنهم من يشارك العامة في خرافاتها ووثنياتها رغبة في السلطة وطلباً للتأييد، وكان من مقتضيات
المجاراة العرفية في منطق السياسيين الذين يضحون بالعقيدة من أجل أهدافهم
السياسية أن يجاري الملك عبد العزيز بعض الأعراف وطوائف البدع والخرافات التي
تنال من جلال التوحيد، ولكنه لم يفعل لأن التوحيد أعلى وأسمى وأعظم من أي اعتبار
آخر، بل فعل ذلك حيث عقد العزم على تطهير الجزيرة من كل عرف أو تقليد أو عادة أو
خرافة تفسد على الناس توحيدهم الخالص، وهذه طريقة لا يستخدمها في الانتصار
للعقيدة إلا داعية موحد لا يقايض على التوحيد بشيىء"[26]
لقد جعل الملك الإمام الاهتمام بالعقيدة أصل الأصول أساساً للحكم ووصية
لعقبه من بعده ففي وصيته لولي عهده يقول فيها: "تعقد نيتك على نية صالحة،
وعزم على أن تكون حياتك وأن يكون دينك إعلاء كلمة التوحيد"[27]
وليس ثمة وصف يصح إطلاقه على جهود الملك الإمام سوى تلك المقولة التي قالها
الملك الإمام "أنا داعية أدعو إلى عقيدة السلف الصالح"[28]. |
|
|
المبحث
الثاني: تطبيق الشريعة: |
|
|
من البدهي أن يكون تطبيق الشريعة، قاعدة
أساسية في منهج الملك الإمام عبد العزيز رحمه الله في سبيل جمع فلول أمته على
مائدة أحكام الشريعة، التي يتفيؤُ الجميع ظلال
عدالتها وبركة قسطاطها، ليغدوا أخوة متحابين، تسودهم
المودة، وتغشاهم المحبة وتلك نتيجة طبيعية للعلاقة الوطيدة بين الشريعة والعقيدة
في نفس الملك الإمام، فإن تمكنها في نفسه وسريانها في روحه ودمه، استلزم حتماً
تطبيقها بمفهومها الشامل، ليقينه بعدالتها المطلقة، وضرورتها الملحة في إزالة
أسباب الجفوة بين أفراد شعبه، وكفالتها بإزاحة العوائق أمام الوحدة الكبرى
لبلده، فبدأ بنفسه، يقول الملك فيصل رحمه الله: "إن والدي لا يفرق بيننا
وبين أبناء شعبه، وليس للعدالة عنده ميزانان، يزن بأحدهما
لأبناءه، ويزن بآخر لأبناء الشعب فالكل سواء عنده
والكل أبناؤه"[29]
وتلك آية حرصه على تكامل حلقات الإصلاح، وسد ثغراتها، مما يؤدي إلى تحقيق
العدالة، وتقوية البنية الاجتماعية ولذا نراه يؤكد على هذا المعنى بقوله:
"لا يدوم الملك إلا بدولة عادلة"[30]
فلم يكن -رحمه الله- رجل دولة محنكاً، أو قائداً عسكرياً مظفراً فحسب بل جاوز
ذلك إلى داعية مخلص، ومصلح اجتماعي متنور، وعالم إسلامي متمكن، جعل من تطبيق
الشريعة الإسلامية غاية وهدفاً لتحقيق الأهداف السامية، والإصلاحات العظيمة.
يقول -رحمه الله-: "إن اعتصامي بالله وسيري على الطريقة المحمدية وإقتدائي بعلماء المسلمين يدعوني إن شاء الله تعالى لعدم
الجموح بالنفس وقد عاهدت الله على ثلاث: |
|
|
1 – الدعوة لتعلم التوحيد، وتحكيم الشريعة في الدقيق والجليل. |
|
|
2 – الأخذ على يد السفيه وتحكيم السيف فيه. |
|
|
3 – الإحسان إلى المحسن والعفو عن المسيئ"[31]. |
|
|
وقد أنجز ما وعد وحقق – بفضل الله تعالى – ما جاهد من أجله وجد وقال على
الملأ مبيناً نهجه الذي يسير عليه في تطبيق الشريعة "إن كتاب الله ديننا،
ومرجعنا وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم دليلنا، وفيها كل ما نحتاجه من خير
ورشاد، ونحن من جانبنا سنحرص إن شاء الله كل الحرص على إقامته واتباعه، وتحكيمه في كل أمر من
الأمور"[32]. |
|
|
وبهذا
النهج القويم انطلق الملك الإمام مسترشداً بشرع الله
وتطبيقه نحو تأليف الأمة، وضم أقاليم الجزيرة بعضها إلى بعض معلناً ومؤكداً في
كل مرة، هدفه وغايته من ذلك. ففي سنة 1343هـ قال قبل خروجه إلى الحجاز "إني
مسافر إلى مكة لا للتسلط عليها بل لرفع المظالم والمغارم
التي أرهقت كاهل عباد الله، إني مسافر إلى حرم الله لبسط أحكام الشريعة،
وتأييدها فلن يكون هناك بعد اليوم سلطان إلا
الشرع"[33]
ولا يجد الناظر تأويلاً لهذا الاهتمام الكبير من قبل الملك الإمام بتطبيق
الشريعة سوى الإيمان الجازم بأحقيتها في الحكم، ويقينه الراسخ بدورها العظيم في
الإصلاح، ولم شعث الشعب الممزق، ووحدته الضائعة، وقد
تكللت جهوده المباركة بإقامة دولة الإيمان والوحدة (المملكة العربية السعودية)
وأعلن في النظام الأساسي للحكم أن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي والوحيد
للمملكة فقد ورد فيه ما نصه "جميع أحكام المملكة تكون منطبقة على كتاب الله
وسنة رسوله وما كان عليه السلف الصالح"[34]
فاقترن القول بالعمل في ثنائية لا تعرف الانفصام في حياة الملك الإمام وتمثل
منهجه، في تطبيق الشريعة في مسلك إيماني عميق، وصدق حين قال –رحمه الله-:
"دستوري، وقانوني، وشعاري، دين محمد صلى الله عليه وسلم فإما حياة سعيدة،
وإما موتة سعيدة"[35]
فحقق الله مرامه وقامت دولة التوحيد والشريعة على يد الملك الإمام عبد العزيز –
رحمه الله – مهابة الجانب، متماسكة الجوانب، جددت الدين، ورفعت لواء الدعوة إلى
الله، ومدت يد العون إلى عموم المسلمين، وتحت سلطان الشريعة وقوتها استوى الشعب
السعودي في الحقوق والواجبات، واستبدل بالثأر القبلي، الحد الشرعي، وبالسلوم والأعراف، أحكام الشرع الحنيف، ورضي الجميع بحكم
الله، فساد الأمن وطهرت البلاد من الفتن، وضربت المملكة مثلاً في الأمن يؤتسى،
وأسوة في العدل تقتدى. |
|
|
المبحث
الثالث: القيام بحقوق الرعية: |
|
|
إن شعور المصلح الحق، بمعاناة الناس، وسعيه في حاجاتهم آية بينة على
صدقه، وبلوغه درجة الاشتقاق، التي ميزت أولي الهمم
العالية الذين أفنوا حياتهم في خدمة البشرية، وليس من شك أن التفاف الشعب حول
الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – لم يكن من فراغ، أو نتيجة حملهم قسراً أو
ساقهم إليه بعصاه، بقدر ما عرفوا عنه الاهتمام البالغ بمشكلاتهم وسعيه الحثيث في
خدمتهم، وكفاية حاجاتهم، فنظروا إليه والداً حنوناً لصغيرهم وأخاً شفيقاً لكبيرهم، فأطعم جائعهم وكسا عاريهم، وداوى مريضهم وأمن خائفهم
فقد كان يبادر إلى ما في خزائنه الخاصة وخزائن الدولة من مال فيأمر بالإنفاق منه
على إطعام القبائل المجدبة أرضها وعلى الأفران تمون
بالدقيق لتوزيع العيش (الخبز) على أهل المدن مجاناً، وكان يقول -رحمه الله-:
"إنما يهمنا توفر الراحة والاطمئنان
لرعايانا"[36]
واستطاع بفضل الله أن يخرج شعبه من ظلمات الجهالة المطبقة، والغفلة
المستحكمة إلى نور العلم والهداية، ومن براثن التخلف إلى مراقي التقدم والحضارة،
ومن سغب الجوع ورقة الحال إلى بحبوبة العيش والحياة
الكريمة اللائقة بالإنسان. لقد أدرك الملك الإمام أن حياة الناس واجتماعهم، لا
تستقر في بيئة ينهش المرض فيها أجسادهم، ويطوي الجوع أحشائهم، ويسم الفقر حياتهم
فنذر نفسه لخدمتهم شعوراً بالواجب والتزاماً بالمسؤولية يقول –رحمه الله-:
"إن خدمة الشعب واجبة علينا لهذا نخدمه بعيوننا وقلوبنا، ونرى أن من لا
يخدم شعبه ويخلص له فهو ناقص"[37]
ولم يقتصر خيره على شعبه بل سرى إلى أمته الإسلامية والعربية يقول -رحمه
الله-: "وخدمة الإسلام والعرب واجبة علينا بصفة عامة وخدمة شعبنا بصفة
خاصة"[38]
وأناط المسؤولية بكل وال. |
|
|
يقول رحمه الله مخاطباً رعيته: "ولابد أنكم سمعتم أننا ألزمنا ولاة
الأمور بالنظر في شؤون الرعية، وجعلناها أمانة في أعناقهم، فعليهم أن يقوموا
بالواجب والنفع للشعب، وأن يجتهدوا في تحقيق ما عليهم من حقوق وما لهم من واجبات"[39]
واتخذ خطوات عملية جادة، تلامس شغاف القلوب، وتأسر النفوس، فأستنهض
الهمم، وجند الطاقات، وسخر الموارد لمحاربة الأدواء السارية وألوان الفقر المدقع
ومظاهر الجهل المختلفة، وقد تكللت جهوده المباركة بنجاح منقطع النظير يقول أحد
شهود العيان: "ومن رأى هذا الشعب من عشرين سنة لا يكاد يصدق عينه، حين يرى
تلك الجهود الضخمة التي تبذل في جميع المجالات العلمية والإعلامية والصحية
والاجتماعية وحين يرى شباباً متفتحاً على الحياة، يسير بخطى واسعة في طريق
التقدم والبناء، وبالجملة فهي حركة ناهضة، تحارب التخلف، في كل صوره"[40].
فكانت جهود الملك الإمام بمثابة الأسس الرئيسية التي قامت عليها صروح النهضة
والتنمية لبلاده، وهي تمثل في حقيقتها نقلة جذرية لحياة جديدة لم تكن معهودة من
قبل يقول اللورد اوف حاكم كندا: "شهدت بنفسي
عندما زرت المملكة العربية السعودية، ماذا صنع الملك عبد العزيز لرفاهية شعبه،
لقد استقر السلام والأمن في البلاد التي كانت من قبل تمزقها المنازعات الداخلية،
وأتيح لي أن أشهد كيف تم الاعتراف به ملكاً وزعيماً
على شعبه الذي أضاء له حكمه الطريق إلى الارتقاء في جميع النواحي الاجتماعية
والثقافية"[41]
ولا يمكن بحال حصر الخدمات التي قدمها الملك الإمام لشعبه – والتي سرت
إلى عموم أبناء العرب والمسلمين، وفي إشارة لآثاره الخيرة وما تؤول إليه جهوده
المباركة يقول: "إذا وفق الله أولادي كما وفقني فسوف يتولون مقدرات مائة مليون مسلم"[42]
فصدق ظنه، وحق حدسه، فالكل يلمس ما تقدمه المملكة العربية السعودية، من بذل
وعطاء، طال خيره سائر الشعوب العربية والإسلامية. |
|
|
المبحث
الرابع: تحقيق الأخوة: |
|
|
لا يستقيم الاجتماع البشري، وينتظم العمران الإنساني، ما لم يتحقق
الوفاء بين أفراده، بأداء واجبات اجتماعية، وحقوق إنسانية، تنظم العلاقة بين
أفراد الجنس البشري، على وجه سوي، تصان به الحرمات،
وتحفظ فيه الحقوق وذلك هو الفارق بين حياة الإنسان، وسائر العجماوات،
وإنما تتفاضل المجتمعات في استقرارها وسعادتها على قدر فهمها والتزامها بما تمليه
عليه الحقوق والواجبات من أنماط سلوكية ومعاملات سوية، وقد تفطن الملك الإمام
عبد العزيز – رحمه الله – إلى حاجة مواطنيه، إلى المصالحة الوطنية، والوحدة
الأخوية، بعد دهور عديدة من العداء المستحكم، أفرز كماً لا حصر له من الثأرات المتبادلة، والفتن الجاهلية التي عصفت بشعب الجزيرة
العربية زمناً ليس بالقصير، فليس من السهل والحالة هذه، إحداث تغيير جذري في
أنماط التفكير والسلوك، إلا بما يشبه المعجزة، مما حمل الملك الإمام على تجنيد
عديد من الوسائل المتنوعة، لتشكل في مجموعها تياراً جارفاً من قنوات الإصلاح،
وعوامل البناء، وأسباب التواصل، وفق مضامين ثابتة وأسس راسخة، وقواعد متينة،
تحيط بأفراد الأمة جميعاً، لتصهرهم في بوتقة الوحدة والمؤاخاة، شعباً متجانساً،
وكياناً متوحداً، فجعل – رحمه الله – من نفسه قدوة صالحة لرعيته، فعفا عن كل
خصومه ومضطهدي مواطنيه، وقابل الإساءة بالحسنى، واستل بلطفه سخيمة
القلوب، وجعلهم في حل مما سلف، واتصل وأبناؤه الكرام بنسب إلى كثير من القبائل،
فوصل حبلهم بحبله، وودهم بوده، وحرص على أن تسير المصالحة الوطنية وفق آداب
الدين الحنيف وقواعده، فأمر بإقامة الصلاة جماعة في سائر القرى والمدن، ووكل
رجالاً أكفاء بالدعوة إليها، وتأديب من تهاون في أدائها، وتجسد ذلك في (هيئات
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وألغى جميع النعرات
الجاهلية، التي كانت عاملاً في تفتيت وحدة الأمة، وتدل خطواته الحكيمة على
العناية الفائقة بالوحدة، مهتبلاً كل سانحة ومقتنصاً
كل فرصة عارضة، ويوم دخل الحجاز منتصراً ومظفراً دعا علماء نجد والحجاز إلى
مائدة مستديرة، تطرح فيها الآراء بحرية كاملة، وتغربل على بساطها مسائل الخلاف
الصالحة للنقاش، وقد انفض الاجتماع عن اتفاق في وجهات النظر في جميع المسائل مما
أزال الغمة عن القلوب، وكبت جهود أعداء الوحدة، الذين سعوا إلى تشوية سمعة علماء الدعوة السلفية، بمختلف الأكاذيب وألوان
الدعايات المغرضة، وانعكس هذا الاجتماع الناجح بدوره على سكان نجد والحجاز،
فقامت بينهم أخوة إيمانية راسخة لم تزدها الأيام
والسنون إلا رسوخاً كما قال الملك الإمام: "إنا نحمد الله على جمع الشمل،
وعلى جعل الحكم في هذه الديار، بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قال
تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[43] فتغيير ما بأنفسنا يعود علينا بالضرر، وهذا الضرر هو أعظم من الجهل والفساد
والجرائم، فالواجب عليكم، هو معرفة الله تعالى، والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم وترك البدع والخرافات، والتأدب بآداب الشريعة، وتوثيق عرى
الألفة وأواصر النصيحة والإخلاص"[44]
وقد أكرم الله تعالى شعب المملكة بهذه الوحدة الإيمانية، تحت راية التوحيد كما
قال الملك خالد – رحمه الله –: "لقد وحد جلالة
الملك عبد العزيز – رحمه الله – هذه المملكة تحت راية التوحيد الخالدة، لا إله
إلا الله محمد رسول الله"[45]. |
|
|
وقد كانت أسس الملك الإمام عبد العزيز – رحمه الله – بمثابة قواعد
منهجية ورؤى مسلكية، لداعية مصلح، وقائد حكيم، بذل ما
في طاقته مستخدماً ما وقع تحت يده من الوسائل المباحة والمتاحة، لتصير تلك الأسس
واقعاً عملياً مثمراً، يفيض بالألفة، وينمو بالمحبة، ويقوى بالتعاون، من خلال
وسائله المختلفة، وقنواته المتعددة. |
|
|
|
|
[1]عنوان المجد في
تاريخ نجد لابن بشر ج2 ص12، وانظر الوجيز ص9، وصقر
الجزيرة ص80 للعطار. |
|
[2] الوجيز ص9 – 10. |
|
[3]المصدر السابق ص92. |
|
[4]المصدر السابق
ص7-5- المصدر السابق ص18-19 شبه الجزيرة الزركلي ج1
ص59. |
|
[5]الوجيز ص17 . |
|
[6]الملك عبد
العزيز ووضع قواعد التنظيم القضائي في المملكة للدريب
ص29 الوجيز 186-209-306 البلاد العربية السعودية ص30 فؤاد حمزة. |
|
[7]شبه الجزيرة للزركلي ج2 ص794. |
|
[8]الوجيز ص 18-19. |
|
[9]الوجيز ص 186. |
|
[10]المصدر السابق ص 186. |
|
[11]المصدر السابق ص186. |
|
[12]المصحف والسيف
ص62 محي الدين القابسي. |
|
[13]الحركة الوهابية
ص13 لخليل هراس. |
|
[14]تاريخ العرب الحديث والمعاصر ص111 لعبد رحيم عبد الرحمن عبد الرحيم |
|
[15]تاريخ المملكة
العربية السعودية في ماضيها وحاضرها ج1 ص28 لصلاح الدين مختار. |
|
[16]من حياة الملك
عبد العزيز ص129 للأحيدب. |
|
[17]الوجيز ص 216. |
|
[18]المصدر السابق ص216. |
|
[19]المصدر السابق ص29. |
|
[20]من تاريخ الملك
عبد العزيز ومواقفه ص9 سعد الرويشد. |
|
[21]توحيد المملكة
للمانع ص71. |
|
[22]الدعوة في عهد
الملك عبد العزيز ج1 ص217. |
|
[23]جريدة أم القرى
العدد 989 سنة 1363هـ. |
|
[24]الوجيز ص185. |
|
[25]الملك عبد
العزيز ووضع قواعد التنظيم القضائي في المملكة للدريب
ص23. |
|
[26]الفكر والدعوة
في عهد الملك عبد العزيز ج1 ص266-267. |
|
[27]الوجيز ص59. |
|
[28]الوجيز ص 216. |
|
[29]من حياة الملك
عبد العزيز للأحيدب ص39. |
|
[30]توحيد المملكة
العربية السعودية لمحمد المانع ص357. |
|
[31]جريدة أم القرى
العدد 228. |
|
[32]حالة الأمن في
عهد الملك عبد العزيز ص84 لطفي جمعة. |
|
[33]المصدر السابق ص83. |
|
[34]شبه الجزيرة للزركلي ج1 ص354. |
|
[35]أم القرى العدد
432 سنة 1351هـ. |
|
[36]الوجيز ص223. |
|
[37]عبد العزيز
وعبقرية الشخصية الإسلامية ص377. |
|
[38]المصدر السابق ص377. |
|
[39]عبد العزيز آل
سعود وعبقرية الشخصية الإسلامية ص377. |
|
[40]الحركة الوهابية
52 لخليل هراس. |
|
[41]عبد العزيز آل
سعود وعبقرية الشخصية الإسلامية ص248-429. |
|
[42]السعوديون والحل الإسلامي ص35. |
|
[43]سورة الرعد آية
(11). |
|
[44]المتوكل على
الودود عبد العزيز آل سعود البديوي ص 296. |