طباعة

 توثيق النص

 

 

 

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب

لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطى

المدرس بكلية الشريعة بالجامعة

 

 

سورة النحل

 

قوله تعالى:{لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ} الآية.هذه الآية الكريمة تدل على أن هؤلاء الضالين المضلين يحملون أوزارهم كاملة ويحملون أيضا من أوزار الأتباع الذين أضلوهم. وقد جاءت آيات أخر تدل أنه لا يحمل أحد وزر غيره كقوله تعالى:{وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} وقوله تعالى:{وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}.

والجواب:أن هؤلاء الضالين ما حملوا إلا أوزار أنفسهم لأنهم تحمَّلوا وزر الضلال ووزر الإضلال .

فمن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا لأن تشريعه لها لغيره ذنب من ذنوبه فأخذ به, وبهذا يزول الإشكال أيضا في قوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ} الآية.

قوله تعالى:{وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} الآية. هذه الآية الكريمة يفهم منها أن السُكر المتخذ من ثمرات التخيل والأعناب لا بأس به لأن الله

امتن به على عباده في سورة الامتنان التي هي سورة النحل, وقد حرّم تعالى الخمر بقوله: {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} الآية, لأنه وصفها بأنها رجس وأنها من عمل الشيطان وأمر باجتنابها ورتب عليه رجاء الفلاح, ويفهم منه أن من لم يجتنبها لم يفلح وهو كذلك، وقد بيَّن صلى الله عليه وسلم أن كل ما خامر العقل فهو خمر وأن كل مسكر حرام وأن ما أسكر كثيره فقليله حرام.

والجواب ظاهر وهو أن آية تحريم الخمر ناسخة لقوله: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً}. الآية. ونسخها له هو التحقيق خلافا لما يزعمه كثير من الأصوليين من أن تحريم الخمر ليس نسخا لإباحتها الأولى؛ لأن إباحتها الأولى إباحة عقلية, وهي المعروفة عند الأصوليين بالبراءة الأصلية, وتسمى استصحاب العدم الأصلي, والإباحة العقلية ليست من الأحكام الشرعية حتى يكون رفعها نسخا, ولو كان رفعها نسخا لكان كل  تكليف في الشرع ناسخا للبراءة الأصلية من التكليف به, وإلى كون الإباحة العقلية ليست من الأحكام الشرعية أشار في مراقي السعود بقوله: 

وما من الإباحة العقلية

قد أخذت فليست الشرعية

كما أشار إلى أن تحريم الخمر ليس نسخا لإباحتها؛ لأنها إباحة عقلية وليست من الأحكام الشرعية حتى يكون رفعها نسخا بقوله:

أباحها في أول الإسلام

براءة ليست من الأحكام

وإنما قلنا إن التحقيق هو كون تحريم الخمر ناسخا لإباحتها؛ لأن قوله: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً} يدل على إباحة الخمر شرعا, فرفع هذه الإباحة المدلول عليها بالقرآن رفع حكم شرعي فهو نسخ بلا شك, ولا يمكن أن تكون إباحتها عقلية إلا قبل نزول هذه الآية كما هو ظاهر, ومعلوم عند العلماء أن الخمر نزلت في شأنها أربع آيات من كتاب الله:

-         الأولى: هذه الآية الدالة على إباحتها.

- الثانية: الآية التي ذكر فيها بعض معايبها, وأن فيها منافع وصرحت بأن إثمها أكبر من نفعها, وهي قوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} فشَرِبها بعد نزولها قوم للمنافع المذكورة, وترَكها آخرون للإثم الذي هو أكبر من المنافع.

- الثالثة: الآية التي دلت على تحريمها في أوقات الصلاة دون غيرها, وهي قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}الآية.

- الرابعة: الآية التي حرمتها تحريما باتا مطلقا, وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ} إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}, والعلم عند الله تعالى.

وأما على قول من زعم أن السكر: الطعم, كما أختاره ابن جرير وأبو عبيدة, أو أنه الخل فلا إشكال في الآية.

قوله تعالى:{إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} الآية. هذه الآية الكريمة فيها التصريح بأن الشيطان له سلطان على أوليائه, و نظيرها الاستثناء في قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}.

وقد جاء في بعض الآيات ما يدل على نفي سلطانه عليهم كقوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ} الآية, وقوله تعالى حاكيا عنه مقررا له:{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} الآية.

والجواب: هو أن السلطان الذي أثبته له عليهم غير السلطان الذي نفاه؛ وذلك من وجهين:

الأول: أن السلطان المثبت له هو سلطان إضلاله لهم بتزيينه, والسلطان المنفي هو سلطان الحجة, فلم يكن لإبليس عليهم من حجة يتسلط بها غير أنه دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان, وإطلاق السلطان على البرهان كثير في القرآن.

الثاني:أن الله لم يجعل له عليهم سلطانا ابتداء البتة, ولكنهم هم الذين سلّطوه على أنفسهم بطاعته, ودخولهم في حزبه فلم يتسلط عليهم بقوة؛ لأن الله يقول: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}, وإنما تسلّط عليهم بإرادتهم واختيارهم, ذكر هذا الجواب بوجهيه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى.

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}. هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أن معية الله خاصة بالمتقين المحسنين، وقد جاء في آيات أخر ما يدل على عمومها, وهي قوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ}, وقوله:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم}, وقوله: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ}, {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْن} الآية. والجواب: أن لله معية خاصة ومعية عامة, فالمعية الخاصة بالنصر والتوفيق و الإعانة, وهذه لخصوص المتقين المحسنين كقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا}. وقوله: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ}. الآية, وقوله: {لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}. ومعية عامة بالإحاطة والعلم؛ لأنه تعالى أعظم وأكبر من كل شيء, محيط بكل شيء, فجميع الخلائق في يده أصغر من حبة خردل في يد أحدنا وله المثل الأعلى, وسيأتي له زيادة إيضاح في سورة الحديد - إن شاء الله - وهي عامة لكل الخلائق كما دلّت عليه الآيات المتقدمة.

 

سورة بني إسرائيل

 

قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}.هذه الآية الكريمة فيها التصريح بأن الله تعالى لا يعذب أحداً حتى ينذره على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام, ونظيرها قوله تعالى: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}, وقوله تعالى: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ}, إلى غير ذلك من الآيات, ويؤيده تصريحه تعالى بأن كل أفواج أهل النار جاءتهم الرسل في دار الدنيا في قوله تعالى: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا} الآية. ومعلوم أنّ (كلما) صيغة عموم, ونظيرها قوله تعالى:{وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً} إلى قوله تعالى: {قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} فقوله: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا} يعمّ كلّ كافر, لما تقرر في الأصول من أن الموصولات من صيغ العموم, لعمومها كلّما تشمله صلاتها كما أشار له في مراقي السعود بقوله:

وقد تلا الذي التي الفروع

صيغة كل أو لجميع

ومعنى قوله: (وقد تلا الذي الخ..): أن (الذي), و(التي) وفروعها صيغ عموم ككل وجميع, ونظيره أيضا قوله تعالى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا} إلى قوله: {وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} فانه عام أيضاً؛ لأن أول الكلام {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} وأمثال هذا كثيرة في القرآن مع أنه جاء في بعض الآيات ما يفهم منه أن أهل الفترة في النار,كقوله تعالى:{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}, فإن عمومها يدل على دخول من لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك عموم قوله تعالى:{وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}, وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}. وقوله:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الأَرْضِ ذَهَباً}الآية. إلى غير ذلك من الآيات. اعلم أولا: أن من يأته نذير في دار الدنيا وكان كافرا حتى مات اختلف العلماء فيه هل هو من أهل النار لكفره أو هو معذور لأنه لم يأته نذير؟ كما أشار له في مراقي السعود بقوله:

ذو فترة بالفرع لا يراع

وفي الأصول بينهم نزاع

وسنذكر إن شاء الله جواب أهل كل واحد من القولين, ونذكر ما يقتضي الدليل رجحانه, فنقول: -وبالله نستعين- قد قال قوم: إن الكافر في النار ولو مات في زمن الفترة وممن جزم بهذا القول النووي في شرح مسلم؛ لدلالة الأحاديث على تعذيب بعض أهل الفترة, وحكى القرافي في (شرح التنقيح) الإجماع على أن موتى أهل الجاهلية في النار لكفرهم كما حكاه عنه صاحب (نشر البنود) وأجاب أهل هذا القول عن آية: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ} وأمثالها من ثلاثة أوجه:

الأول: إن التعذيب المنفي في قوله:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ} وأمثالها هو التعذيب الدنيوي فلا ينافي ثبوت التعذيب في الآخرة, وذكر الشوكاني في تفسيره أن اختصاص هذا التعذيب المنفي بالدنيا دون الآخرة ذهب إليه الجمهور, واستظهر هو خلافه, ورد التخصيص بعذاب الدنيا بأنه خلاف الظاهر من الآيات, وبأن الآيات المتقدمة الدالة على اعتراف أهل النار جميعا بأن الرسل أنذروهم في دار الدنيا صريح في نفيه.

الثاني: أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ} الآية وأمثالها في غير الواضح الذي لا يلتبس على عاقل, أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل كعبادة الأوثان فلا يعذر فيه أحد؛ لأن جميع الكفار يقرّون بأن الله هو ربهم وهو خالقهم ورازقهم, و يتحققون أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا على دفع ضر, لكنهم غالطوا أنفسهم فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى, وأنها شفعاؤهم عند الله مع أن العقل يقطع بنفي ذلك.

الثالث: أن عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبله - صلى الله عليه وسلم - تقوم عليهم بها الحجة, ومال إليه بعض الميل ابن قاسم في (الآيات البينات) وقد قدمنا في سورة آل عمران أن هذا القول يرده القرآن في آيات كثيرة مصرحة بنفي أصل النذير عنهم كقوله: {لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ} وقوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ}, وقوله: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِك} وقوله: {وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ}, إلي غير ذلك من الآيات. وأجاب القائلون بأن أهل الفترة معذورون عن مثل قوله {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ} - إلى قوله – {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} من الآيات المتقدمة, بأنهم لا يتبين أنهم من أصحاب الجحيم ولا يحكم لهم بالنار, ولو ماتوا كفارا إلا بعد إنذارهم وامتناعهم من الإيمان كأبي طالب, وحملوا الآيات المذكورة على هذا المعنى, واعترض هذا الجواب بما ثبت في الصحيح من دخول بعض أهل الفترة النار كحديث "إن أبي وأباك في النار" الثابت في صحيح مسلم وأمثاله من الأحاديث, واعترض هذا الاعتراض بأن الأحاديث - وإن صحت - فهي أخبار آحاد يقدم عليها القاطع كقوله:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}, واعترض هذا الاعتراض أيضا بأنه لا يتعارض عام وخاص فما أخرجه حديث صحيح خرج من العموم وما لم يخرجه نص صحيح بقي داخلا في العموم, واعترض هذا الاعتراض أيضاً بأن هذا التخصيص يبطل علة العام؛ لأن الله تعالى تمدح بكمال الإنصاف, وصرح بأنه لا يعذب حتى يقطع حجة المعذب بإنذار الرسل في دار الدنيا, وبيّن أن ذلك الإنصاف التام علة لعدم التعذيب, فلو عذب إنسانا واحدا من غير إنذار لاختلت تلك الحكمة ولثبتت لذلك المعذب الحجة التي بعث الله الرسل لقطعها كما صرح به في قوله: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} وهذه الحجة بيّنها في سورة طه بقوله: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ} الآية, و أشار لها في سورة القصص بقوله: {وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ} إلى قوله: {وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}, وهذا الاعتراض الأخير يجري على الخلاف في النقض هل هو قادح في العلة أو تخصيص لها؟ وهو اختلاف كثير معروف في الأصول عقده في مراقي السعود بقوله: - في تعداد القوادح في الدليل - :

منها وجود الوصف دون الحكم

سماه بالنقض وعاة العلم

والأكثرون عندهم لا يقدح

بل هو تخصيص وذا مصحح

وقد روى عن مالك تخصيص

إن يك الاستنباط لا التنصيص

وعكس هذا قد رآه البعض

ومنتقى ذي الاختصار النقض

إن لم تكن منصوصة بظاهر

وليس فيما استنبطت بضائر

إن جاء لفقد الشرط أو لما منع

والوفق في مثل العرايا قد وقع

والمحققون من أهل الأصول على أن عدم تأثير العلة إن كان لوجود مانع من التأثير أو انتفاء شرط التأثير فوجودها مع تخلف الحكم لا ينقضها ولا يقدح فيها وخروج بعض أفراد الحكم حينئذ تخصيص للعلة لا تقض لها كالقتل عمدا عدوانا فانه علة القصاص إجماعا ولا يقدح في هذه العلة تخلف الحكم عنها في قتل الوالد لولده لأن تأثيرها منع منه مانع هو الأبوة وأما إن كان عدم تأثيرها لا لوجود مانع أو انتفاء بشرط فانه يكون نقضا لها وقدحا فيها ولكن يرد على هذا التحقيق ما ذكره بعض العلماء من أن قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّه} علة منصوصة لقوله: {وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُم} الآية, مع أن هذه العلة قد توجد ولا يوجد ما عذب به بنو النضير من جلاء أو تعذيب دنيوي وهو يؤيد كون النقض تخصيصا مطلقا لا قدحاً. ويجاب عن هذا بأن بعض المحققين من الأصوليين قال: إن التحقيق المذكور محله في العلة المستنبطة دون المنصوصة وهذه منصوصة كما قدمنا ذلك في أبيات مراقي السعود في قوله:

وليس فيما استنبطت بضائر                      

إن جاء لفقد الشرط أو لما منع

هذا ملخص كلام العلماء وحججهم في المسألة, والذي يظهر رجحانه بالدليل هو الجمع بين الأدلة؛ لان الجمع واجب إذا أمكن بلا خلاف كما أشار له في المراقي بقوله: والجمع واجب متى ما أمكنا..الخ..

ووجه الجمع بين هذه الأدلة هو عذرهم بالفترة وامتحانهم يوم القيامة بالأمر باقتحام نار فمن اقتحمها دخل الجنة وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا ومن امتنع عذب بالنار وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا لان الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل وبهذا الجمع تتفق الأدلة فيكون أهل الفترة معذورين, وقوم منهم من أهل النار بعد الامتحان, وقوم منهم من أهل الجنة بعده أيضا, ويحمل كل واحد من القولين على بعض منهم علم الله مصيرهم, وأعلم به نبيه صلى الله عليه وسلم، فيزول التعارض. والدليل على هذا  الجمع ورود الأخبار به عنه صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} بعد أن ساق طرق الأحاديث الدالة على عذرهم وامتحانهم يوم القيامة رادّا على ابن عبد البر تضعيف أحاديث عذرهم وامتحانهم ما نصه: "والجواب عما قال, إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء, ومنها ما هو حسن, ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح و الحسن, و إذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها" انتهى محل الغرض منه بلفظه, ثم قال "إن هذا قال به جماعة من محققي العلماء والحفاظ والنقاد وما احتج به البعض لرد هذه الأحاديث من أن الآخرة دار جزاء لا دار عمل وابتلاء فهو مردود من وجهين: الأول أن ذلك لا ترد به النصوص الصحيحة عنه صلى الله عليه وسلم ولو سلمنا عموم ما قال من أن الآخرة ليست دار عمل لكانت الأحاديث المذكورة مخصصة لذلك العموم. الثاني: أنا لا نسلم انتفاء الامتحان في عر صات المحشر بل نقول دل القاطع عليه؛ لأن الله تعالى صرّح في سورة القلم بأنهم يُدعون إلى السجود في قوله جل وعلا: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ} الآية ومعلوم أن أمرهم بالسجود تكليف في عر صات المحشر, وثبت في الصحيح أن المؤمنين يسجدون يوم القيامة وأن المنافق لا يستطيع ذلك ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقاً واحدا ًكلما أراد السجود خرّ لقفاه, وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجا منها أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه, ويتكرر ذلك مرارا, ويقول الله تعالى يا ابن آدم ما أغدرك ثم يأذن له في دخول الجنة, ومعلوم أن تلك العهود والمواثيق تكليف في عر صات المحشر والعلم عند الله تعالى.

 قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً}: هذه الآية يظهر تعارضها مع قوله تعالى:{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ}, ووجه الجمع أن الحصر في آية الإسراء حصر في المانع العادي والحصر في آية الكهف في المانع الحقيقي. وإيضاحه: هو ما ذكره ابن عبد السلام من أن معنى آية الكهف وما منع الناس أن يؤمنوا إلا أن الله أراد أن تأتيهم سنة الأولين من أنواع الهلاك في الدنيا أو يأتيهم العذاب قبلاً في الآخرة، فأخبر أنه أراد أن يصيبهم أحد الأمرين ولا شك أن إرادة الله مانعة من وقوع ما ينافي مراده فهذا حصر في المانع الحقيقي لأن الله هو المانع في الحقيقة.

ومعنى آية سبحان الذي أسرى أنه ما منع الناس من الإيمان إلا استغرابهم أن الله يبعث رسولا من البشر واستغرابهم لذلك ليس مانعا حقيقيا بل عاديا يجوز تخلفه فيوجد الإيمان معه بخلاف الأول فهو حقيقي لا يمكن تخلفه ولا وجود الإيمان معه.ذكر هذا  الجمع صاحب الإتقان, والعلم عند الله تعالى.

قوله تعالى:{وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّا} الآية،هذه الآية الكريمة يدل ظاهرها على أن الكفار يبعثون يوم القيامة عمياً وبكماً وصماً.وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك كقوله تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا}, وكقوله {وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا}، وكقوله: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحا}.الآية والجواب عن هذا من أوجه:

الوجه الأول:هو ما استظهره أبو حيان من كون المراد مما ذكر حقيقته ويكون ذلك في مبدأ الأمر ثم يرد الله تعالى إليهم أبصارهم ونطقهم وسمعهم فيرون النار ويسمعون زفيرها وينطقون بما حكى الله تعالى عنهم في غير موضع.

الوجه الثاني:أنهم لا يرون شيئا يسرهم ولا يسمعون كذلك ولا ينطقون بحجة كما أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ولا يسمعونه وأخرج ذلك ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس وروى أيضا عن الحسن كما ذكره الألوسى في تفسيره فتزل ما يقولونه ويسمعونه ويبصرونه منزلة العدم لعدم الانتفاع به كما تقدم نظيره.

الوجه الثالث:أن الله إذا قال لهم اخسأوا فيها ولا تكلمون وقع بهم ذاك العمى والصم والبكم من شدة الكرب واليأس من الفرج قال تعالى:{وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ} وعلى هذا القول تكون الأحوال الثلاثة مقدرة.

 

سورة الكهف

 

قوله تعالى:{إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً}. هذه الآية تدل بظاهرها على أن المكره على الكفر لا يفلح أبدا.وقد جاءت آية أخرى تدل على أن المكره على الكفر معذور إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان وهي قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً}. الآية.

والجواب عن هذا من وجهين:

الأول:أن رفع المؤاخذة مع الإكراه من خصائص هذه الأمة فهو داخل في قوله تعالى:{وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} ويدل لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". فهو يدل بمفهومه على خصوصه بأمته صلى الله عليه وسلم وليس مفهوم لقب؛ لأن مناط التخصيص هو اتصافه صلى الله عليه وسلم بالأفضلية على من قبله من الرسل واتصاف أمته بها على من قبلها من الأمم. والحديث وان أعله أحمد وابن أبي حاتم فقد تلقاه العلماء قديما وحديثا بالقبول ومن أصرح الأدلة في أن من قبلنا ليس لهم عذر بالإكراه, حديث طارق[1]بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قربه لصنم مع أنه قربه ليتخلص من شر عبدة الصنم, وصاحبه الذي امتنع من ذلك قتلوه فعلم أنه لو لم يفعل لقتلوه كما قتلوا صاحبه ولا إكراه أكبر من خوف القتل ومع هذا دخل النار ولم ينفعه الإكراه, وظواهر الآيات تدل على ذلك فقوله: {وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً} ظاهر في عدم فلاحهم مع الإكراه؛لأن قوله: {يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِم} صريح في الإكراه وقوله: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} مع أنه تعالى قال:"قد فعلت" كما ثبت في صحيح مسلم يدل بظاهره على أن التكليف بذلك كان معهوداً قبل, وقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} مع قوله: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّه} فأسند إليه النسيان و العصيان معا يدل على ذلك أيضا وعلى القول بأن المراد بالنسيان الترك فلا دليل في الآية.وقوله:{رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} مع قوله:{كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} ويستأنس لهذا بما ذكره البغوي في تفسيره عن الكلبي من أن المؤاخذة بالنسيان كانت من الأصر على من قبلنا وكان عقابها يعجل لهم في الدنيا فيحرم عليهم بعض الطيبات. وقال بعض العلماء: إن الإكراه عذر لمن قبلنا وعليه فالجواب هو:

الوجه الثاني: أن الإكراه على الكفر قد يكون سببا لاستدراج الشيطان إلى استحسانه والاستمرار عليه كما يفهم من مفهوم قوله تعالى: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَان} وإلى هذا الوجه جنح صاحب روح المعاني والأول أظهر عندي و أوضح والله تعالى أعلم.

قوله تعالى: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا}.هذه الآية تدل على أن عيْبها يكون سببا لترك الملك الغاصب لها ولذلك خرقها الخضر وعموم قوله: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} يقتضي أخذ الملك للمعيببة والصحيحة معا. والجواب أن في الكلام حذف الصفة وتقديره: كل سفينة صالحة صحيحة.وحذف النعت إذا دل المقام عليه جائز كما أشار له ابن مالك في الخلاصة بقوله:

وما من المنعوت والنعت عقل

يجوز حذفه وفي النعت يقل

ومن شواهد حذف الصفة قول الشاعر:

ورب أسيلة الخدين بكر

مهفهفة لها فرع وجيد

أي لها فرع فاحم وجيد طويل.

وقول عبيد بن الأبرص الأسدي:

من قوله قول ومن فعله

فعل ومن نائله نائل

يعني من قوله قول فصل وفعله فعل جميل ونائله نائل جزل.

 

 

 



[1] ولو قيل: إن الذي دخل النار في ذبابة دخلها لمجرد رضاه بالذبح المفهوم من قوله: ما عندي ما أقدم، لأنه أجاب مبدئيا بعدم وجود ما يقدمه بخلاف صاحبه أجاب بعدم تقديمه فعلم منه أن الأول راض عن التقديم لكنه لم يجد ما يقدمه فدخل النار على رضاه وقبوله أما الآخر الذي امتنع فقتل وكان من حقه أن يقدم تقية ولو فعل فلا مانع لأن قلبه مطمئن بالإيمان لكنه لم يفعل فلا حق له. فالظاهر أنه ترك ذلك اختيارا كالذي أخذ أسيرا وأرادوا صلبه بمكة ثم عرضوا عليه أن يتمنى لو أن محمدا صلى الله وسلم مكانه ويتركونه فأبى حتى ولا أن يشاك بشوكة.وكان يمكنه أن يوافقهم تقية لكنه لم يوافقهم.