طباعة

 توثيق النص

 

 

 

ذلك الكتاب لاريب فيه

بقلم الشيخ محمود عبد الوهاب فايد

المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة

 

 

الكتاب الذي لاريب فيه، ولا نقص يعتريه هو القرآن الكريم ، الذكر الحكيم ولا غرو فهو لبلاغة آياته، وسمو إرشاداته ،ودقة معلوماته ، وقوة دلائله وبيناته، وجمال قسماته ، يملأ القلب يقينا بأنه نزل من سماء الحق لهداية الخلق على لسان أمّيّ لم يعرف عنه قبل نزوله انه اشتغل بشيء من علومه ، أتى بكلام  يساويه في فصاحته ، أو يدانيه في بلاغته.

نعم إن كل منصف غير متعسف يجلس إلى مائدة القرآن ، ويتأمل ما ورد فيه من معان لابد أن يقتنع بأنه آية الله الكبرى وحجته الخالدة ، لابد أن يشهد بأنه بحق كتاب مبين، وواعظ ناطق ، وبرهان قاطع ، ونورساطع ، وعقيدة صافية ، وعبادة هادية ومعاملات سليمة ، و أخلاق كريمة ، وسياسة رحيمة ، دستور سماوي ، وتشريع روحي ، وقانون رباني،و إصلاح اجتماعي، ونظام دولي، ويعتمد عليها طلاب المعرفة ويستند إليها أرباب النظر.

ولا بدع فقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [1] ـ وروى عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:إن هذا القرآن مأدبة فاقبلوا من مأدبته ما استطعتم ، إن هذا القرآن الله جل الله والنور المبين والشفاء النافع, عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن تبعه لا يزيغ فيستعتب ولا يعوج فيقوم ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد، أتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته،كل حرف عشر حسنات, أما إني لا أقول {ألم}حرف ولكن ألف ولام وميم". أخرجه الحاكم وصححه[2]

هذا الذي نقوله عن القرآن قد اعترف به كثير من عباقرة العالم ومشاهير الرجال في عصرنا الحديث. قال الفيلسوف الفرنسي(الكسى لوازون) : "خلف محمد للعالم كتابا هو آية البلاغة, وسجل للأخلاق, وكتاب مقدس, وليس بين المسائل العلمية المكتشفة حديثا مسألة تتعارض مع الأسس الإسلامية فالانسجام تام بين تعاليم القرآن والقوانين الطبيعية." 

وقال (هيرشفيلد):"وليس للقرآن مثيل في قوة إقناعه وبلاغته وتركيبه واليه يرجع الفضل في ازدهار العلوم بكافة نواحيها في العلم الإسلامي".

وقال الدكتور(موريس الفرنسي)في وصف القرآن:"إنه بمثابة ندوة علمية للعلماء ومعجم لغة للغويين ومعلّم نحْوٍ لمن أراد تقويم لسانه،ودائرة معارف للشرائع والقوانين،وكل كتاب سماوي جاء قبله لا يساوى أدنى سورة من سوره في حسن المعاني وانسجام الألفاظ، ومن اجل ذلك نرى رجال الطبقة الراقية في الأمة الإسلامية يزدادون تمسكا بهذا الكتاب واقتباسا لآياته يزينون كلامهم ويبنون عليها آراءهم كلما ازدادوا رفعة في القدر ونباهة في الفكر"

وقال المؤرخ الإنكليزي الشهير (ولزآن): "إن الديانة الحقة التي وجدتها تسير مع المدنية أنى سارت هي الديانة الإسلامية وإذا أراد إنسان أن يعرف من هذا فليقرأ القرآن وما فيه من نظريات علمية،وقوانين, وأنظمة, وقوانينه تستعمل حتى في وقتنا الحال وستبقى مستعملة حتى قيام الساعة."

هذه شهادات لبعض رجال الفكر في العصر الحديث وما أكثر الذين شهدوا للقرآن واعترفوا بأنه كتاب مجيد ، فذ فريد.

 

ميزات القرآن:

للقرآن مميزات تفوق العد ، ولا تقف عند حد ، بيد أننا تشير إلى بعضها:

1 ـ يمتاز بأنه بلغ غاية الكمال في البلاغة، وامتطى صهوة الفصاحة، حتى حير العرب في زمن عرفوا فيه باللسن وقوة البيان، حيرهم وأعجزهم.

وعلى الرغم من أنه تحداهم وأعلن عجزهم، واشتد في تقريعهم، وعنف في تجريحهم  وبالغ في تحديهم, وتحدى جميع الإنس والجن, على الرغم من هذا كله لم يسعهم في النهاية إلا إن يستكينوا ويحنوا رؤوسهم تحت مقامع التبكيت والتحدي مع إبائهم وأنفتهم ، وشدة عداوتهم ، وكمال عدتهم ، وتوفر الأسباب والحوافز التي تثيرهم ، والآلات التي تعينهم في تحقيق  أمنيتهم.

لقد حاولوا أن يطفئوا هذا النور، ويحطموا هذه الدعوة بإعلان الحرب عليها ، وقتل الداعين لها .فما الذي يحوجهم إلى استخدام السنان لو كانوا يستطيعون القضاء عليها باللسان. ألم يكن من الأسهل عليهم أن يردوا عليه بسورة قصيرة أو آيات يسيرة ليقطعوا حجته ، ويدحضوا معجزته ، فما بالهم لم يفعلوا وعادوا وقد نكسوا رؤوسهم،واشهروا إفلاسهم ، ورجعوا إليه خاضعين مستسلمين ، دون أن يأخذوا عليه عيبا في أسلوبه،أو خللا في تركيبه،أو ضعفا  في مبانيه،أو فسادا في معانيه،أو نقصا في أهدافه ومراميه.

لقد صدق الله العظيم إذ يقول:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}.[3]

حضر أحد البلغاء مجلسا يتلى فيه القرآن فلما بلغ القارئ آية السجدة سجد وسجد معه الحاضرون،وعندما رفعوا رؤوسهم قال لهم هذا البليغ:أنتم معشر القراء تسجدون،لتلاوته ونحن معشر البلغاء نسجد لبلاغته.

تأمل معي آيات القرآن كيف يرتبط بعضها ببعض ارتباطا وثيقا،ويتماسك تماسكا عجيبا،وتدبر هذه الآية الكريمة {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[4] تر الترابط العجيب بين اسم (اللطيف)وبدء الآية {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}والترابط الوثيق بين اسم (الخبير)وقوله سبحانه {وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ}وليس في القرآن كلمة ولا حرف إلا وضعهما موضعهما الصحيح دون تقديم أو تأخير ودون تبديل أو تعديل،ودون نقص أو زيادة حتى تؤدى غرضا لا يستقيم المعنى بدونه.

و في القرآن مادة وفيرة ، ومعان غزيرة لا تجدها في أي كتاب سواه ، يحكى أن الأصمعي وقف متعجبا من امرأة تنشد شعرا فقالت:أتعجب من هذا؟أين أنت من قوله سبحانه{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[5] فقد جمع بين أمرين ونهيين وبشارتين إلى جانب ما فيه من معنى جلى ولطف خفي.

2 ـ يمتاز بأنه جمع كل ما يحتاج إليه الخلائق في معاشهم و معادهم فهو يضع نظاما للفرد والجماعة والدولة ويعمل على توثيق الروابط وينهض بالناس جسميا وعقليا وخلقيا، ودينيا،ويقيم لهم منهاجا كاملا يكفل لهم سعادة الدنيا والآخر {رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}[6].

ربطهم بالإله الذي خلقهم ، وأسبغ عليهم نعمه ، وفاض عليهم كرمه ، فلا أقل من أن يعبدوه ويطيعوه ويشكروه ولا يشركوا به شيئا، {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}[7], {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ}[8] , هكذا يسبق الله عباده بالإنعام عليهم،والإحسان إليهم ليكون ارتباطهم به عن طريق الحب لا عن طريق القهر، وقديما قيل(جبلت القلوب على حب من أحسن إليها)وما من نعمة وصلت إلى الإنسان إلا والله هو موجدها وسائقها وميسرها {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ}[9], {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}[10], {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ  إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}[11].

و إيماننا بالله وحبنا له ، يقتضي أن نحب رسوله ، ونتبع هداه ، ونلتزم وصاياه, {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}[12] , "لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما".عن طريق الحب يرتبط العبد بالله ورسوله ، وعن هذا الطريق نفسه يرتبط الإنسان بمن حوله من الناس ، ويحرص القرآن على أن ينمى بذور المحبة ، ويقتلع جذور العداوة والبغضاء ويفتح جميع أبواب الخير ، ويغلق جميع منافذ الشر ، ويمهد سبل الحب بين الناس. استمع إليه وهو يقول {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[13] , {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[14] ـ {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} [15] ـ {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}[16] ـ {وَذَرُوا ظَاهِرَ الأِثْمِ وَبَاطِنَهُ}[17]  ـ {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} [18]ـ {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}[19] ـ {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً}[20].

لقد اهتم الإسلام بأن ينقى المجتمع من الآثام ويصونه من الإجرام ، ويؤسسه على الفضائل ويحميه من الرذائل ونصب حكاما يشرفون على بنائه ، ويحفظونه من عوامل الهدم وأيدي التخريب،ويقيمون حدود الله ، وألزم الأمة بطاعتهم ما أطاعوا الله ورسوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}[21].

وخوفا من أن يستبد الحكام أو ينحرفوا جعل الحكم شورى وأوجب العدل ورغب في الإحسان والفضل ليشيع الحب والصفاء،والإخلاص والو فاء،والسلام والإخاء ولتقوم روابط قوية بين الراعي والرعية قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [22] ـ {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}[23] ـ {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}[24].

وقضية المال التي قسمت العالم إلى معسكرين متصارعين في عصرنا الحديث ـ كان للقرآن منها موقف وسط أنصف الفقراء والأغنياء على السواء لقد راعى غريزة التملك فلم يعارضها،وراعى حقوق الجماعة فلم يجحدها فأباح الملكية الفردية موافقة للغريزة البشرية،وأوجب في المال حقوقا يحارب الحاكم مانعها إنصافا للجماعة الإنسانية قال تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}[25]. أضاف المال إليهم وبعدئذ فرض الحق عليهم.

والمرأة وما أدراك ما المرأة! لقد شغلت العالم قديما وحديثا وذهب الناس فيها مذاهب متناقضة تتسم بالغلو في التقييد والإطلاق فأنصفها القرآن وجعل أساس معاملتها قول الله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}[26] قرر حقها في التعلم والتعليم وساوى بينها وبين الرجل في التكاليف الشرعية ما عدا لوازم الأنوثة وأشركها في الأعمال الاجتماعية التي يقوم عليها المجتمع بما يتناسب مع طبيعتها وسوى بينهما في الجزاء  على الأعمال وجعلها ذات مسؤولية مستقلة فيما بتعلق بشئونها أمام الله.

قال تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}[27]، وقال:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[28], وقال: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى}[29].

اعترف بحق المرأة في التفكير ، واحترم رأيها ، وسمح لها بان تناقش وتجادل فيما أشكل أمره كيف لا وقد جادلت رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن يقر صنيعها ولا يجد فيما فعلته ما يوجب اللوم أو المؤاخذة قال تعالى:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} الآيات[30].

شيء واحد يحرص عليه الإسلام كل الحرص أن يصون سمعة المرأة ويضمن راحتها وينأى بها عن مواطن الريب والشكوك ,ومن أجل ذلك حبب إليها البيت،وأوجب على ولي أمرها أبا وزوجا أن يقوم بنفقتها،فإن دعتها الحاجة إلى أن تخرج طلب منها الإسلام أن ترتدي ثيابا تخفى مفاتنها وتستر عورتها حتى لا يسيء إليها مسيء أو يطمع فيها دنيء قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ}[31].

ويشتد الإسلام على من يجرح كرامة المرأة بغير حق فيقرر في القرآن {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

هكذا ينصفها الإسلام وهكذا يرفع شأنها القرآن ، وهكذا نجد في كتاب الله علاجا ناجحا لكل مشكلة ، وجواب شافيا عن كل مسألة.

وإلى لقاء قريب إن شاء الله.

 

 

 


[1] آية 89من سورة النحل.

[2] في المستدرك ج1ص555 قال الحاكم عقبه:هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بصالح بن عمر. قال الذهبي:صالح ثقة خرج له لكن إبراهيم بن مسلم ضعيف اهـ والحديث ذكرناه على سبيل الاستئناس.

[3] الإسراء آية 88

[4] الأنعام آية1.3

[5] القصص آية7.

[6] يونس آية57.

[7] النحل الآيات17ـ22

[8] النحل آيات78ـ11

[9] فاطر آية3

[10] النحل آية53

[11] الزمر آية6،7

[12] آل عمران آية2

[13] المائدة آية3

[14] العصر آية 3

[15] النحل آية9.

[16] النساء آية 62

[17] الإنعام آية52 ـ 53

[18] الإسراء آية32

[19] الإسراء آية32

[20] الحجرات آية1.

[21] النساء آية59

[22] آل عمران آية159

[23] النساء آية58

[24] النحل آية128

[25] الذريات آية19

[26] البقرة آية 228

[27] الأحزاب آية 34 ـ 35

[28] التوبة آية71

[29] المجادلة آية1

[30] سورة الأحزاب آية59

[31] سورة النور آية4