|
|
|
أضواء من التفسير |
|
للشيخ عبد القادر شيبة الحمد |
|
المدرس بكلية الشريعة |
|
|
|
{ص
وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ. كَمْ
أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ} |
|
المناسبة: |
|
هذه السورة كالمتممة لما قبلها من حيث أنه ذكر فيها عدد من الأنبياء لم
يذكروا في السورة السابقة وكذلك فإنه لما ذكر عن الكفار في السورة السابقة أنهم
كانوا يقولون:لو أن عندنا ذكرا من الأولين لأخلصنا العبادة لله وحده وأنهم لما
أتاهم الذكر كفروا به فبدأ هنا بالقسم بالقرآن ذي الذكر الذي جاءهم فخالفوه
وكفروا به. |
|
سبب
النزول: |
|
أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس قال:لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من
قريش فيهم أبو جهل فقالوا:إن ابن أخيك يشتم آلهتنا فلو بعثت إليه فنهيته؟فبعث
إليه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس
رجل فخشي أبو جهل إن جلس النبي إلى أبي طالب أن يكون أرق عليه فوثب فجلس في ذلك
المجلس فلم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا قرب عمه فجلس عند الباب فقال
له أبو طالب: أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك؟ يزعمون أنك تشتم آلهتهم ـ قال
وأكثروا عليه من القول ـ وتكلم رسول الله صلى عليه وسلم فقال: "يا عم، إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها يدين لهم بها
العرب، وتؤدي لهم بها الجزية العجم"، ففرحوا لكلمته ولقوله. فقال
القوم: لنعطينكها وعشرا. قال:لا اله إلا الله.
فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب.
فنزل فيهم القرآن: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ},
حتى بلغ {إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ}. |
|
القراءة: |
|
قرأ الجمهور (ص)بسكون الدال وقرىء صاد بضم الدال وقرىء بكسر الدال
بتنوين وبغير تنوين وقرىء بفتح الدال، وقرأ الجمهور(عزة)بالعين المهملة و الزاي
المعجمة وقرىء(غرة)بالغين المعجمة والراء المهملة, وقرأ الجمهور{وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ} بفتح النون من حين وقرىء
بضمها و قرىء بكسرها إيضا. |
|
المفردات: |
|
(ص)من الفواتح الكريمة مثل:ق و
ن وحم وألم وغيرها, فمن الناس من قال: لا تفسير لها إما لأنها لا معنى لها أصلا
وإلى هذا ذهب الحشوية. وإما لأن معناها استأثر الله بعلمه وإليه ذهب كثير من
المتكلمين والأصوليين. و يقولون: الله أعلم بمراده به. |
|
ومن الناس من قال لها معنى يدرك. وقد اختلف أصحاب هذا القول في المعنى
المراد منها فقيل إنها اسم السورة, وقيل اسم للقرآن, وقيل مبادئ لأسماء الله
تعالى أو لأفعال, وقيل غير ذلك. وقد اختار كثير من المحققين منهم شيخ الإسلام
ابن تيميه بأنها للدلالة على الإعجاز و التحدي. |
|
وقد لوحظ أن السور المبدوءة بهذه الفواتح المباركة يغلب عليها طابع الإعجاز
والتحدي، وهي من خواص السور المكية إلا فيما ندر كالبقرة وآل عمران. وقد بدئ بها
تسع وعشرون سورة عدد حروف المعجم. كما لوحظ أن هذه السور لها طابع خاص إذ يبدأ
فيها بعد الفواتح بذكر القرآن إما صراحة وإما ضمنا فيعظمه ويمجده ثم يذكر أصناف
الناس بالنسبة إليه وأنهم اختلفوا فيه كما اختلفوا على كتب الأنبياء السابقين،
ويبين أن الفئة التي تتمسك به هي العزيزة الغالبة الظاهرة المنصورة في الدنيا
وأنها السعيدة الفائزة بجنان الخلد ورضوان الله في الآخرة، وأن المعادين لهم
مغلوبون مقهورون معرضون لعذاب الله في العاجلة والآجلة, يضرب الله تعالى لذلك ما
شاء من الأمثلة، ويقص ما شاء من أحسن القصص، الذي يشرح هذه الفكرة، ويوضح هذا
الهدف، ثم يختم السورة بذكر القرآن فيعظمه ويمجده كما بدأ أولا. |
|
وأما من قرأ صاد ـ بكسر الدال ـ من غير تنوين فقيل إنه فعل أمر من
المصاداة وهي المعارضة ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت الأول في الأماكن الخالية
والأجسام الصلبة،والمعنى: عارض بعملك القرآن أي اعمل بأوامره و نواهيه. |
|
القرآن هو في الأصل مصدر قرأ كالقراءة ثم عل علما على كلام الله تعالى
المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المعجز بأقصر سورة منه. |
|
الذكر: الشرف ومنه قوله: {وَإِنَّهُ
لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس. أو
الذكرى والموعظة للناس كما روي عن قتادة والضحاك، أو الذي يذكر ما يحتاج إليه في
أمر الدين من الشرائع والأحكام كما قيل: (كفروا)جحدوا. |
|
عزة: تكبر عن الحق. غرة: غفلة، شقاق: أصل الشقاق المخالفة وكونك في شق
غير شق صاحبك، وجانب سوى جانبه، والمراد مخالفة الله ورسوله.أهلكنا: دمرنا. قرن:
أمة وجيل فنادوا:فاستغاثوا. {وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ}
:أي ليس الوقت وقت فرار فالحين الوقت والمناص المنجى والفرار. |
|
التراكيب: |
|
(ص) ليست معربة عند من قال إنها
لا تفسير لها لأن الإعراب فرع إدراك المعنى. أما من فسرها فهي معربة عنده فيجوز
أن تكون مرفوعة خبرا لمبتدأ محذوف أو مبتدأ والخبر مابعدها. ويجوز أن تكون
منصوبة بفعل مقدر أو على نزع الخافض على رأي من قال إنها للقسم بها. ويجوز أن
تكون مجرورة على حذف حرف الجر ـ وهو حرف القسم ـ وبقاء عمله وقيل هذا شاذ لأنه
لا يحذف حرف الجر ويبقى عمله إلا مع اسم الله تعالى خاصة. ومن قرأ(ص) بسكون
الدال فالسكون لأجل الوقف كأسماء الأعداء التي لم تلها العوامل. ومن قرأ بالضم
فهي ضمة إعراب أو لأجل التقاء الساكنين. ومن قرأ بالفتح فهي فتحة إعراب على أنها
منصوبة أو فتح لأجل التقاء الساكنين أيضا. ومن قرأ بالكسر من غير تنوين فهي إما
أمر من صادى بفتح الدال بمعنى عارض كما تقدم أو للجر على القسم أو لأجل التقاء
الساكنين أي السكون إلى الدال وألف صاد، ومن قرأ بالكسر والتنوين فلاعتبار ذلك
اسما للقرآن كما هو أحد الاحتمالات فيه فلم تتحقق فيه العلتان وهي العلمية
والتأنيث فوجب صرفه، وجر بحرف جر حذف وبقي عمله كما تقدم. والواو في القرآن
للقسم إذا لم تكن صاد للقسم بها و إلا فهي للعطف. وجواب القسم محذوف والمختار أن
تقديره: إن القرآن لحق وإنك لمن المرسلين بدليل {يس.
وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} ولقوله هنا
{بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ}. والقسم بالقرآن على حقية القرآن ضرب من البلاغة
بديع.بل: للإضراب الانتقالي من هذا القسم و المقسم عليه إلى ذكر حال تكبر الكفار
ومشاقتهم في قبول الرسالة. ويجوز أن تكون بل للإضراب الإبطالي وتكون حينئذ
لإبطال شيء مفهوم من السياق كأنه قيل:ليس كفر هؤلاء لخلل في القرآن أو لمطعن فيه
بل الخلل في أنفسهم وهو أنهم في تكبر و عناد
وخلاف. |
|
والتعبير يعني في قوله(عزة) لإفادة استغراقهم في التكبر والخلاف. (كم):خبرية
للتكثير، وهي مفعول بأهلكنا دين. (قرن): تمييز و الفاء في (فنادوا): للسببية. (ولات):
الواو للحال ولات هي لا المشبهة بليس عند سيبويه زيدت عليها التاء لتأكيد معناها،
وعند الأخفش هي لا النافية للجنس تعمل عمل إن وزيدت عليها التاء. |
|
و(حين): بالنصب خبر لات عند سيبويه واسمها محذوف تقديره ولات الحين حين
مناص، وعند الأخفش (حين) اسم لات وخبرها محذوف تقديره لهم، ومن قرأ بضم النون
فهي اسم لات على مذهب سيبويه و الخبر محذوف، وعند الأخفش هي مبتدأ والخبر محذوف
لأن مذهبه أنه إذا ارتفع ما بعدها فعلى الابتداء، |
|
وأما قراءة كسر النون فقد قال أبو حيان: الذي ظهر لي في تخريج هذه
القراءة الشاذة أن الجر على إضمار (من) كأنه قيل: ولات من حين مناص. كما قالوا: لا
رجل جزاه الله خيرا, يريدون لا من رجل، ويكون موضع من حين مناص رفعا على أنه اسم
لات على مذهب سيبويه والخبر محذوف. وعند الأخفش على أنه مبتدأ والخبر وحذوف. |
|
المعنى الإجمالي: |
|
هذا تحد لكم يا أرباب الفصاحة، وأمراء البيان، وأساطين البلاغة، تعجزون
عن محاكاته، والإتيان بمثله، مع أنه منظوم من مثل ما تنظمون منه كلامكم، وأقسم
بكلامي المنزل على محمد رسولي، الذي فيه شرفكم وشرف العرب أجمعين، إن القرآن لحق
وإن محمدا لمن المرسلين، ولم يطعن هؤلاء الكفرة الجاحدون في القرآن لعيب لمسوه
منه أو لخلل وجدوه فيه، والخلل بأنفسهم وهو استغراقهم في التكبر عن الحق أو
غفلتهم عنه و مجا نبتهم لداعي الخير، فليعلم هؤلاء الجاحدون أنهم بهذه المشاقة
يعرضون أنفسهم لعقابنا ولونزل بهم ما استطاعوا فرارا. لقد أردنا تدمير كثير من
الأمم الماضية قبل قريش لما شاقوا الرسل، وأرسلنا عليهم العذاب فلما عاينوه
استغاثوا طالبين المنجى والفرار، والحال والشأن أنه ليس الوقت وقت فرار وطلب
للتجاة. |
|
ما ترشد إليه الآيات: |
|
1 ـ تحدي العرب بالقرآن و
إعجازهم به. |
|
2 ـ بيان شرف القرآن في نفسه. |
|
3 ـ تشريفه للعرب. |
|
4 ـ براءته من كل عيب. |
|
5ـ لم يعارضه معارضوه لعيب فيه
بل العيب فيهم. |
|
6 ـ انه لا يعارضه إلا
المتكبرون المعاندون. |
|
7 ـ تحذير الكفار. |
|
8 ـ انه إذا نزل العذاب لا يمكن
الفرار. |