طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الإصلاحات الداخلية في عهد الملك عبد العزيز

إعـداد د / عبد العزيز بن صالح الغامدي

 

 

تمهيـد

الحمد لله القائل في محكم التنـزيل {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} الحج آية 41.

والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله الذي وجه أمته إلى معرفة عظم المسئولية والقيام بالأمانة وأداء الواجب من كل مسلم،كل وما استرعاه الله ـ عز وجل ـ من رعية،  فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ مبيناً مسئولية الإمام العادل، وحاثاً على الرفق بالرعية: "كلكم راع فمسئول عن رعيته فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"[1]  وبعد فمن نعم الله ـ عز وجل ـ على الجزيرة العربية وأهلها ظهور الدعوة السلفية التى قام بها الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله، بمؤازرة ومناصرة من الأمير الراشد محمد بن سعود ـ رحمه الله، هذه الدعوة المباركة التي أعادت المسلمين إلى دينهم الصحيح ومعالم سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم  على منهج سلف الأمة الصالح رضي الله عنهم أجمعين.

وقد كان من ثمرات هذه الدعوة السلفية المباركة ظهور الدولة السعودية بأدوارها الثلاثة المتتابعة، وقد بدأ الدور الثالث بظهور  الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ـ رحمه الله، حيث استطاع بفضل الله وتوفيقه إحياء ملك آل سعود باستعادته لمدينة الرياض في (1319هـ )، وانطلق بعد ذلك بعزيمة قوية في توحيد أجزاء الجزيرة العربية، ولمّ شتات قبائلها،وجمعها على الدين الإسلامي الحنيف تحت راية الإسلام الخالدة وشهادة التوحيد الخالص لله ـ عز وجل ـ …لا إله إلا الله محمد رسول الله

والحديث عن الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ وإنجازاته يحتاج إلى مجلدات وذلك لأن هذه الشخصية وهبها الله ـ عز وجل ـ قـوة الإيمان وحسن الإدارة ومؤهلات القيادة اعترف بقدرها ومكانتها، ودورها في أحداث ذلك العهد البعيد قبل القريب.

لقد استطاع الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ حمل الأمانة، وقيادة الأمة، وتحقق على يديه بفضل الله ـ عز وجل ـ لهذه البلاد المباركة الأمن والاستقرار والرخاء والطمأنينة، فالحديث عنه حديث عن تأسيس دولة، وكتابة تاريخ، وحديث عن بناء وعطاء، وتنمية وتضحية في سبيل نشر الدين الحنيف وتهيئة الفرد المسلم لأداء رسالته في هذه الحياة.

والحديث عن الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ وإصلاحاته الداخلية حديث لا يتوقف فهو يشبه المعين العذب والمورد الذي لا ينضب؛ فسيرة الملك عبد العزيز - يرحمه الله -، وأحداث عصره وأعماله موضوع خصب للكتاب والمؤلفين[2]  .

وعند التأمل في الإصلاحات الداخلية للملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ فإننا سنجد قائمة طويلة بتلك الإصلاحات التي اهتم بها في فترة حكمه، ومثل هذا المقام لا يتسع للحديث عن جميع تلك الإصلاحات بالتفصيل، وذلك لكثرتها وتعددها، وحرص الملك عبد العزيز - يرحمه الله - على بناء دولته ووضع أسس قوية تقوم عليها في نهضتها الحديثة في شتى نواحي الحياة الدينية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية فكان - رحمه الله - يسابق الزمن للارتقاء ببلاده وأهلها ومسايرة التطور والتقدم الذي تمر به الدول والشعوب المجاورة مع اهتمامه بالمحافظة على الشخصية الإسلامية والتمسك بالدين الحنيف، وفيما يلي أشير إلى أهم الإصلاحات الداخلية في عهد الملك عبد العزيز ـ طيب الله ثراه ـ وجعل الجنة مأواه.

 

(1) الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية

من أهم الأعمال الجليلة التي قام بها الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ التمسك بالدين الإسلامي الحنيف، وإقامة شعائره، وتطبيق الشريعة الإسلامية وعدم مخالفة أمر الله ـ عز وجل ـ وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد أكد الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ هذا التوّجه المبارك بتعظيم شعائر الدين في حياته الخاصة والعامة، ولا غرابة في هذا التمسك بالدين فهو سليل أسرة كريمة اشتهرت بالعلم والدعوة قبل اشتهارها بالملك والإمارة.

وقد كان الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ في توجيهاته المستمرة لرجال الدولة وأعوانه وأبناء مملكته يشدد في الحث على التمسك بالدين الإسلامي الحنيف، واتباع هدي خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم، ويحثهم على الإخلاص فيما أوكل إليهم من أعمال ويأمرهم بمراقبة الله ـ عز وجل ـ في كل حين[3]  .

وعند ما سئل الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ عن دستور  بلاده ؟ أجاب السائل بقوله: "دستورنا القرآن، وهو يعني تقيده هو ومملكته بإحكام الشرع الإسلامي المستمدة من أحكام القرآن، ومالم يكن فيه فمن حديث رسوله صلى الله عليه وسلم  وعمله، وما لم يكن فيهما فمن قضاء أصحابه رضي الله عنهم  وسيرتهم، وما لم يكن فمن نهج أهل العدل والعقل والسـيرة الحسنة من سلف الأمة الصالح وما لم يكن ففي النظم التي يقررها أهل الاختصاص بما يوافق الدين الإسلامي الحنيف "[4] .

فعلى هذا الأساس المتـين قامت المملكة العربية السعودية بعد توحيدها على يد الملك عبد العزيز طيب الله ثراه، فتحقق له بفضل الله ـ عز وجل ـ العزة والتمكين في الأرض، والقوة والنصر والغلبة على أعدائه.

وقد كان الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ في خطبه ولقاءاته الخاصة والعامة يوضح للجميع أن التمسك بالإسلام والعمل به سبب للنصر على الأعداء والتمكين في الأرض وتحقيق الخير في الدارين وذلك إيمانا منه ـ رحمه الله ـ بما أخبر الله ـ عز وجل ـ في كتابه العزيز ووعد به عباده المؤمنين في قوله تعالى {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} الحج أية41.

ومما ورد في خطبة ألقاها الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ في مكة المكرمة بتاريخ 19صفر  1356هـ قوله:

"أن الحياة المجردة عن الدين والزاخرة بأنواع القوة ليست حياة وإنما الحياة في الدين والتمسك به وإقامة حدود الله، فالحياة التي تسير على أساس الدين الحنيف هي القوة. إن الدين الإسـلامي في نظري هو أساس الرقي"، وأضاف ـ رحمه الله: "وإن الإسلام ملك علينا قلوبنا وكل جوارحنا ونسأل الله أن يميتنا على الإسلام وأن يحفظنا بالإسلام ويحفظ بنا وبالمسلمين الإسلام"[5]،  وقال ـ طيب الله ثراه  وأكرم مثواه: "إن الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله هو القوة فلا تنفع قوة بلا دين فنحن كما ندعو للتمسك بالدين ندعو للأخذ بأسباب القوة لا لإلحاق الضرر بالغير وإنما للدفاع عن ديننا وبلادنا وشعبنا.."[6]، قال تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ... }الأنفال أية 60.

وقال -طيب الله ثراه - في خطبة أخرى: "ويجب على الناس أن يعتصموا بحبل الله قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا } آل عمران أية103.

فالاعتصام بالله من صالح النفوس،وبه يحصل الأمن والاطمئنان على النفس والمال، وهو الحصن الحصين،وإن الفضيلة في اتباع القرآن وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. [7].

وقال ـ رحمه الله ـ في خطبة ثالثة مبينا أهمية الدين الإسلامي في حياة الدول والشعوب ومكانة العقيدة الإسلامية الصحيحة في حياة المسلم وحقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ التي يُسب بها من قبل خصومه فقال: "ومن اتخذ الدين نبراسا له أعانه الله ومن تركه خلف ظهره خذله الله". إنني رجل سلفي وعقيدتي السلفية التي أمشي بمقتضاها على الكتاب والسنة...."، وقال - رحمه الله - في خطبة أخرى " إننا لم نطع ابن عبد الوهاب ولا غيره إلا بما أيدوه بقول من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم"[8]، …"ويقولون إننا وهابية والحقيقة أننا سلفيون محافظون على ديننا، ونتبع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس بيننا وبين المسلمين إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم[9].

إن المقتطفات السابقة من خطب الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ تبين لنا بوضوح اعتزازه بدينه وعقيدته ومحافظته على شعائر الإسلام واهتمامه بدعوة الأمة الإسلامية شعوبا وحكومات للتمسك بدينهم، وعلى هذا المنهج الراشد أقام أركان دولته التي انتشرت في أرجائها العقيدة الإسلامية الصحيحة، والنظرة الصائبة للحياة والإنسان والكون، واستمر الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ مدة ملكه لا تأخذه في دين الله ـ عز وجل ـ وفي تمسكه بإسلامه لومة لائم. يحمل همّ الأمة الإسلامية مهما بعدت عنه أقطار شعوبها، ويكثر من الدعاء لها بالنصر على الأعداء واجتماع الكلمة واتحاد الصف في ظل رسالة الإسلام الخالدة التي تدعو المسلمين إلى الاجتماع والوحدة وتحذرهم من عاقبة الخلاف والفرقة.

وقد سار أبناء الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ على نهجه، واتخذوا توجيهاته نبراساً لهم تعينهم بعد الله ـ عز وجل ـ على القيام بالواجب نحو الدين الإسلامي الحنيف، وأداء الأمانة التي تشرفوا بحملها تجاه الإسلام والأمة الإسلامية منطلقين من ثوابت راسخة لنصرة الإسلام ونشره في أنحاء المعمورة، ومناصرة قضايا المسلمين في كل زمان ومكان..

 

(2) نشر العدل في دولته

لقد كان الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ كارها للظلم ولأهله، حريصا على منع وقوعه على أحد من رعيته، وأكد هذا الموقف من خلال أعماله وخطبه وتوجيهاته السديدة التي أعلن فيها براءته من الظلم،وخوفه من الوقوف بين يدي الله ـ عز وجل ـ ومما نقل عنه في تحذيره من الظلم قوله: " لا أريد في حياتي أن أسمع عن مظلوم، ولا أريد أن يحملني الله وزر ظلم أحد، أو عدم نجدة مظلوم، أو استخلاص حق مهضوم، ألا قد بلغت... اللهم فأشهد[10]..."

ومما ورد في خطبة له ألقاها بالمدينة المنورة …" إنّ الملك لله وحده، وما نحن إلا خدم لرعايانا، فإذا لم ننصف ضعيفهم، ونأخذ على يد ظالمهم، وننصح لهم، ونسهر على مصالحهم نكون قد خنا الأمانة المودعة إلينا…"[11]

ولم يقف الملك عبد العزيز ـ طيب الله ثراه ـ عند هذا الحد في اهتمامه بنشر العدل بين رعيته، وتأكيده على منع الظلم في أنحاء دولته فقد أصدر إعلاناً مكتوباً،وأمر بوضعه في مكان بارز على أحد جدران المسجد النبوي بالمدينة ونصه:  "من عبد العزيز بن عبد الرحمن إلى شعب الجزيرة العربية، على كل فرد من رعيتنا يحس أن ظلماً وقع عليه أن يتقدم إلينا بالشكوى، وعلى كل من يتقدم بالشكوى أن يبعث بها بطريق البرق أو البريد المجانـي على نفقتنا" [12].

وتحقيقاً للعدل ونشره بين الناس أنشأ الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ ديوان المظالم " ليتمكن كل مظلوم من رفع ظلامته لهذا الديوان وليتم إنصافه من ظالمه، والنظر في قضيته مهما كانت[13] "، وكان تأسيس هذا الديوان من الأعمال الجليلة الهامة التي اعتنى بها الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ في مرحلة بناء دولته على اتباع الحق ونشر العدل ومنع الظلم..

 

(3) العنايـة بالقضـاء

"لا تخفى على أحد أهمية القضاء في حياة الناس، فبواسطته يتم حل المنازعات والخلافـات بـين الناس طبقا لمـا جـاء بـه الشرع الحنيف قال ـ عز وجل: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ… }المائدة أية 49.

والقضاء من الوظائف الحكومية التي يعتمد عليها الناس في حل المنازعات واستيفاء الحقوق والإشراف على الأوقاف وتنفيذ الوصايا ."[14] وقد اهتم الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ بعد توحيد أجزاء مملكته بالقضاء الشرعي واختيار القضاة الأكفاء علماً وعملاً وتقوى وورعاً لتولى ذلك العمل، وكان يظهر للقضاة الاحترام والتقدير؛ مما يؤكد حرصه ـ رحمه الله ـ على تحقيق العدل في دولته وبين رعيته، وكانت أحكام القضاء تستمد من القرآن الكريم والأحاديث النبوية، وكان لتنفيذ أحكام الشرع وما يقرره القضاء الأثر الفاعل والطيب في تحقيق الأمن في نواحي المملكة العربية السعودية[15]  .

وبعد فترة قصيرة من حكم الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ تم وضع النظم الإدارية للهيئات القضائية في البلاد السعودية بهدف نشر العدل، وحفظ الحقوق، وحماية العدالة، ومما تم استحداثه في شئون القضاء ومهام القضاة تطوير الإدارة القضائية بالمملكة العربية السعودية، فأصبحت تشتمل على الأقسام التالية:

 

الإدارات المرتبطة بالقضاء

أولاً: رئاسة القضاء:

وهي أكبر منصب قضائي في الدولة ومقرها في مكة وتتألف الرئاسة من:-

أ- رئيس القضاة/ وهو المرجع الأعلـى للدوائـر المرتبطـة بـه، وهو ـ أيضا ـ مرجع الإفتاء فيما يتعلق بالمصالح الحكومية.

ب- معاون رئيس القضاة / وهو يقوم بمساعدة رئيس القضاء في أعماله، وينوب عنه عند غيابه.

ج- هيئة التدقيقات الشرعية / وتتألف من رئيس القضاة ومعاونه وأعضاء رئاسة القضاء، وتقوم بتدقيق الأحكام الشرعية الواردة لرئاسة القضاء..

د- ديوان رئاسة القضاء / ويشتمل هذا الديوان على الأقسام الإدارية التابعة لرئاسة القضاة مثل التحرير والمحاسبة وغيرها[16] .

ثانياً: روابط برئاسة القضاة بعض الإدارات الحكومية الأخرى ومنها:

أ- دائرة تفتيش المحاكم / حيث تم تخصيص مفتش على المحاكم الشرعية في كل منطقة من مناطق  المملكة العربية السعودية.

ب - كُتاب العدل / واختصاصهم في ضبط الإقرارات المختلفة، والوكالات،والمبايعات والوصايا والكفالات، وتقوم هذه الإدارة بتسجيلها لديها وإصدار الصكوك فيها.

ج - بيوت المال / وتهتم هذه الإدارات بحفظ أموال الغائبين والقاصرين الذين لا أوصياء لهم، وتقوم ـ أيضا ـ بضبط التركات وتقسيمها على الوجه الشرعي بعد صدور الحكم بذلك من رئاسة القضاة.

د - هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر / واختصاص هذه الهيئات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق الشرع، ولهذه الهيئات تعليمات تسير بموجبها..

هـ - المرشدون / وهم ينتشرون في المدن والقرى والبوادي والمساجد يقومون بإرشاد الناس إلى ما فيه صلاح دينهم وتوجيههم إلى العقيدة السلفية الصحيحة، وتعليمهم أحكام الدين الإسلامي الحنيف[17].

ومن خلال هذا التنظيم لأعمال القضاء والإدارات المرتبطة به تم وضع الأسس المتينة التي قام عليها النظام القضائي بالبلاد السعودية مستنداً على الحكم بكتاب الله ـ عز وجل ـ وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وساعد هذا التنظيم الجديد، وهذا الاهتمام بالعدل من قبل الملك عبد العزيز ـ طيب الله ثراه ـ على اطمئنان الناس على أموالهم وأعراضهم..

وقد أولت المملكة العربية السعودية منذ قيامها وتوحيدها على يد الملك عبد العزيز يرحمه الله القضاء الكثير من الاهتمام والرعاية، وأعلن للجميع أن النظام القضائي في المملكة قد أسس على تحكيم الشريعة الإسلامية في كافة الأمور، والأحوال الشخصية المدنية منها والجنائية[18]، وأصبحت المملكة العربية السعودية بفضل الله ـ عز وجل ـ مضرب المثل في تطبيق الشريعة الإسلامية، وقوة نظامها القضائي واستقلاليته.

 

(4)  الاهتمام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

تم تأسيس أول هيئة رسمية للإمر بالمعروف والنهي عن المنكر على يد الملك عبد العزيز يرحمه الله وذلك بعد ما استقرت أحوال الدولة السعودية، وتم تكليف الشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف آل الشيخ ليقوم على ولاية الاحتساب مع اختيار بعض الأعوان والمساعدين لوالي الحسبة، وقام الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ بتزويد المحتسب ببعض الرجال من أعوانه وجنوده لمساعدته في عمله.

وبناء على الإجراءات التي اتخذها الملك عبد العزيز ـ طيب الله ثراه  وأكرم مثواه ـ أصبحت الحسبة ولاية رسمية، وللمحتسب مقر دائم، وتوزعت المسئوليات والأعمال بين الرئاسة والفروع التي أنشئت، وأصبح لوالى الحسبة شرطة خاصة،وسجن يؤدب فيه المذنبين، ودوريات تقوم بعملها كل في حدود الاختصاصات النوعية والمكانية خلال ساعات الليل والنهار[19]  .

وكان للملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ جهوده الشخصية في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال رسائله ومناصحته للأمراء،ولرجال الدولة والخاصة والعامة بوجوب التزام الطاعات والانتهاء عن المنكرات، وكان ـ يرحمه الله ـ القدوة الحسنة فيما يأمرهم به وينهاهم عنه، فقد عرف بأنه آمر بالمعروف ناه عن المنكر، متمسك بأحكام الشريعة الإسلامية قولاً وعملاً في كافة المجالات، عامل بما يحقق المصلحة لدينه ولبلاده ولشعبه، وكان محباً للعلماء كثير التوجيه والنصح والإرشاد لهم؛ إيماناً منه بأن محبة الخير لإخوانه كمحبته لنفسه.

وقد ظهرت نتائج اهتمام الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعنايته بإنشاء الهيئات الإدارية التي تقوم بهذا الأمر من خلال ما تحقق من جهود لحماية الأخلاق والآداب العامة، والمحافظة على قيم المجتمع المسلم بالبلاد السعودية، وكذلك في مجال حماية الشباب المسلم من مظاهر الانحراف، ومساعدته على مقاومة المنكرات[20].

 

(5) تطبيق الشورى

لم يؤثر عن الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ أنه أنفرد بأمر من الأمور، أو عمل من الأعمال دون أن يستشير خاصته ورجال دولته، وذوي العلم والرأي فيها، رغم ما هو معروف عنه من بعد النظر، والذكاء وأصالة الرأي والتفكير، وذلك لاهتمامه بوصية القرآن الكريم حيث أمر الله ـ عز وجل ـ بالمشاورة وحث عليها، قال تعالى:{.. وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}. آل عمران أية 159.

وقال تعالى:{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}  الشورى أية 38.

ولأجل تثبيت هذا المبدأ على قواعد متينة وراسخة، أمر الملك عبد العزيز - رحمه الله - بعد دخوله مكة بإنشاء مجلس ينظر في شئون البلاد، وصدر الأمر الملكي بإعلان تأسيس مجلس الشورى في سنة 1345هـ، وأن يختار أعضاؤه من بين علماء  البلاد وأعيانها، وأصحاب الرأي والتدين؛ للنظر فيما يعود بالنفع على البلاد، وتم تحديد واجبات مجلس الشورى والمهام المنوطة به[21].

وتعاهد الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ مجلس الشورى بعد إنشائه بالمتابعة والتوجيه والاجتماع بأعضائه من حين لآخر، وتذكيرهم بعظم الأمانة والمسئولية المناطة بهم، وحثهم على مواصلة العمل لما فيه فائدة البلاد ومواطنيها، وأعلن الملك عبد العزيز في افتتاحه لأعمال مجلس الشورى أن الأساس الذي قامت عليه هذه البلاد- حماها الله – هو الشرع الإسلامي ومما ورد في كلمته … " إنكم لتعلمون أن أساس نظامنا وأحكامنا هو الشرع الإسلامي، وأنتم في تلك الدائرة أحرار في سنّ كل نظام وإقرار العمل الذي ترونه موافقاً لصالح البلاد على شرط أن لا يكون مخالفا للشريعة الإسلامية ؛ لأن العمل الذي يخالف الشرع لن يكون مفيداً لأحد، والضرر في السير على غير الأساس الذي جاء به محمد  صلى الله عليه وسلم"[22].

وخاطب الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ أعضاء مجلس الشورى في إحدى جلساته الافتتاحية لعام 1355هـ فقال بعد حمد الله عز وجل والصلاة على نبيه محمد  صلى الله عليه وسلم ".. لقد قضت حكمة الله باجتماع المسلمين للنظر في مصالحهم باتباع ما أمر به واجتناب ما نهى عنه، وأمرنا بالتعاون على البر والتقوى والتشاور والتناصح في مصالح العباد، حيث قال في محكم التنزيل:{ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}، وقال ـ عليه الصلاة والسلام:"الدين النصيحة …" ولذلك حرصنا منذ الساعة الأولى على تأسيس مجلسكم الموقر؛ ليكون همزة الوصل بين الراعي والرعية،والترجمان الصادق بين الحاكم والمحكوم … وقد انتهت بالأمس الدورة الخامسة ولله الحمد قام المجلس خلالها بالمهمة الملقاة على عاتقه فكان مثال الجد والنشاط في أعماله، وموفقاً في قراراته التي كان لها أحسن الأثر في سير الأمور، والنهوض بالبلاد نحو الرقي والعمران، نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما فيه مرضاته، وأن يهدينا إلى طريق الخير والفلاح إنه على كل شيء قدير …"[23]

ولقد حظي مجلس الشورى بهذه العناية والاهتمام منذ إنشائه على يد الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ إدراكاً منه لأهمية الشورى، ومكانتها في الدولة الإسلامية، وفي الوقت الحاضر جدد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز ـ يحفظه الله ـ الثقة بمجلس الشورى ومسئولياته ومهامه، فشهد مجلس الشورى في هذا العهد الزاهر المبارك إعلان الانطلاقة الجديدة، ليواصل هذا المجلس مسيرة البناء والعطاء لصالح المواطن والوطن، وليشارك في النهضة السعودية المباركة التي بدأها الملك عبد العزيز بن عبدالرحمن آل سعود ـ طيب الله ثراه.

 

(6) تحقيق الأمن في بلاده

إن من يعرف حالة الجزيرة العربيـة قبل حكم الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ يدرك عظم العمل الذي قام به ذلك القائد الفذ ـ طيب الله ثراه ـ لتحقيق الأمن في أنحاء دولته، فقد كان يتعذر التنقل من موضع إلى آخر، بسبب الخوف على النفس والمال والعرض، فكم أزهقت من أرواح، وكم نهبت من أموال في حوادث أصبحت ـ ولله الحمد والمنة ـ في طي النسيان.

لقد أهتم الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ بتحقيق الأمن للمواطنين، ولحجاج بيت الله الحرام وللوافدين، وصار الأمن في بلاده من أول اهتماماته، وأولاه عنايته ورعايته، فشدد النكير على العابثين والخارجين على أحكام الشريعة الغراء، ونفّذ فيهم الحدود الشرعية التي نص عليها القرآن الكريم مهما كانت  منـزلة المحكوم عليه ومكانته[24].

وهكذا طهّر الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ بلاده من الشرور، وحوادث الإجرام، وتضاءلت تلك الحوادث بسرعة فائقة، واختفت إلى أدنـى قدر إذا قورنت بما يقع في الدول الأخرى في العالم، والمملكة العربية السعودية ـ ولله الحمد والمنة ـ هي الدولة الوحيدة التي انفردت عن بقية بلاد العالم بهذا الأمن المنقطع النظير، وظاهرة الأمن في البلاد السعودية لم يوفق إليها ملك من الملوك، أو أمير من الأمراء،أو حاكم من الحكام في مملكة من الدنيا في العصر الحديث غير الملك عبد العزيز يرحمه الله[25].

وإن ما يعيشه أبناء المملكة العربية السعودية، ومن يفد إليها في الوقت الحاضر من أمن على النفس والمال والعرض لهو ثمرة من ثمار غرس الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ وأصبح الأمن المجال الرحب الواسع الذي يتحدث عنه الآخرون بإعجاب وتقدير للتجربة السعودية المباركة في تحقيق الأمن للمواطن والمقيم، لقد نشر الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ لواء الأمن فوق ربوع البلاد السعودية مدنها وسهولها وأنجادها، حيث يسير الناس مشاة أو ركباناً، وتسير القوافل تحمل الأموال من جهة إلى أخرى؛ تخترق السهول والجبال ليلاً أو نهاراً ولا يسمع باعتداء وقع أو سرقة حدثت[26].

ولما تزايدت المسؤوليات والمهام المرتبطة بالأمن في عهد الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ احتاجت إلى تنظيم تلك المسؤوليات وتوزيع المهام، فشملت:

أ- إدارة الأمن العام:

حرصاً من الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ على نشر الأمن في بلاده أمر بإنشاء إدارة الأمـن في سنة 1344هـ، وجعل مقرها مكة المكرمة، وهي مؤلفة من أقسام ومراكز موزعـة في أنحاء المملكة مرجعها جميعاً مدير الأمن العام[27].

ولم تقف جهود الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ عند حد في محاولته لتحقيق الأمن في أنحاء المملكة العربية السعودية، فتمت الاستفادة من وسائل الأمن الحديثة، وإرسال البعثات إلى خارج البلاد لدراسة العلوم الأمنية، وتمت الاستعانة بالخبراء الفنيين المختصين في الأمن وعلومه من بعض الدول العربية[28].

ولإعداد رجال الأمن السعوديين، وتحقيق الاكتفاء الذاتـي وزيادة أعداد المتخصصين في هذا المجال المهم أصدر الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ أوامره في سنة 1355هـ بإنشاء مدرسة للشرطة لإعداد القوى البشرية الوطنية العاملة في المجالات الأمنية، والتدريب العسكري، والطب الشرعي، والأنظمة الإدارية وفنون الرماية،والفروسية وقيادة العربات والدراجات البخارية وغيرها من العلوم التي يحتاجها رجل الأمن في ذلك العصر، وتشجيعاً من الحكومة السعودية للطلاب على الدراسة في مدرسة الشرطة خصصت لهم مكافأة شهرية، مع تأمين السكن والكسوة العسكرية مدة دراستهم[29].

وقد تخرج من هذه المدرسة عدد كبير من الطلاب الذين تدرجوا في وظائفهم حتى شغلوا وظائف مهمة في مديرية الأمن العام، وأثبتوا كفاءة ومقدرة مقرونة بالإخلاص في العمل[30].

وقد كانت مدرسة الشرطة التي أمر الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ بإنشائها في مكة النواة الأولى للمعاهد والكليات المتخصصة في العلوم الأمنية التي أنشئت فيما بعد على مراحل زمنية متقاربة، وأصبحت تؤمن للقطاعات الأمنية السعودية ما تحتاجه من القوى البشرية المؤهلة، التي أسند إليها تحقيق الأمن للوطن والمواطن والمقيم.

ب - إدارة المطافئ:

ظهرت الحاجة لإنشاء أول مصلحة للمطافئ والإنقاذ لتقديم العون والمساعدة وحماية الأرواح والممتلكات وتقليل الأضرار والمخاطر، خاصة في ظل ما نعمت به المملكة العربية السعودية من تقدم وازدهار، ونهضة عمرانية بعد إعلان توحيدها على يد الملك عبد العزيز ـ طيب الله ثراه ـ ولاستكمال بناء الأجهزة الأمنية وفق النظم الحديثة تأسست في مناطق المملكة العربية السعودية مصلحة باسم ( مصلحة المطافئ )، وكانت في بداية الأمر مرتبطة بأقسام الشرطة في المدن الكبيرة مثل مكة والمدينة والرياض وجده والطائف وغيرها، وتم تزويد هذه المصلحة بأحدث ما وصل إليه العلم في ذلك الوقت من سيارات وآليات، وأسندت إدارة (مصلحة المطافئ ) إلى ضباط وجنود من المواطنين الذين تلقوا تعليمهم في هذا المجال من فرق المطافئ في مصر،فكان أبناء المملكة لا يقلون كفاءة ولا تدريباً عن غيرهم[31]، ممن يعمل في هذا المرفق الحيوي المهم في الإطفاء والإنقاذ في الدول الأخرى.

 

(7) الاهتمام بوحدة الدولة

حرص الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ بعد استعادته لمدينة الرياض على توحيد أجزاء الجزيرة العربية، ولمّ  شتاتها وجمع كلمة أهلها على الإسلام الدين الحق الذي ارتضاه لهم رب العالمين وأرسل به خاتم الأنبياء والمرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

وقد أدرك الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ بفطنته وذكائه الأخطار التي تحيط بالأمة الإسلامية، وما يكيده الأعداء للمسلمين لإضعافهم، والتسلط عليهم وعلى خيرات بلادهم خاصة في ظل الظروف التي كانت تمر بها بعض البلاد الإسلامية التي وقعت تحت حكم الاستعمار البغيض.

ورأى الملك عبد العزيز ـ طيب الله ثراه ـ أنه لا منجا للمسلمين إلا باجتماع الكلمة، واتحاد الصف، والتمسك بالدين والاعتصام به واللجوء إلى الله ـ تبارك وتعالى، والاستعانة به والتوكل عليه،وبذلك يتحقق لهم الخير في الدارين، وينصرهم الله على أعدائهم ويجعل للمسلمين القوة والعزة، والغلبة على أولئك الأعداء.

وكان الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ يؤكد على هذه المفاهيم العظيمة وتلك الغايات السامية في خطبه وأحاديثه، وفي لقاءاته بالمواطنين وبغيرهم من القادة والرؤساء والزعماء والوفود الذين يلتقي بهم من حين لآخر، سواء في المناسبات الخاصة أو العامة ومما نقل عنه في هذا الشأن قوله ـ رحمه الله: "أنا مسلم وأحب جمع كلمة الإسلام والمسلمين، وليس أحب عندي من أن تجتمع كلمه المسلمين، وإنني لا أتأخر عن تقديم نفسي وأسرتي تضحية في سبيل ذلك[32]".

ومما قاله ـ أيضا ـ في خطبة ارتجلها أمام حجاج بيت الله الحرام في منى بتاريخ 10 ذي الحجة 1359 هـ:

" فإذا أردتم أيها المسلمون النجاح والفلاح في دينكم ودنياكم، ومعاشكم فكونوا مؤمنين غير منافقين، واعتصموا بحبل الله جميعا،  ولا تفرقوا وكونوا عباد الله إخوانا ….."

" …. فأدعوكم جميعا إلى الإخلاص للدين أولاً، وإلى التآخي والتناصح والجمع بين القلوب ثانياً …"

" …. نحن معشر المسلمين ضعفاء بأنفسنا أقوياء بالإسلام، فاتخذوا من اتحادكم قوة…[33]"

لقد كانت وحدة الأمـة الإسلاميـة أمنية من أمنيات الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ وقد بذل النصح للأمة الإسلامية في بيان أهميتها وفي الدعوة إليها، وبذل جهده للمشاركة في تحقيقها من خلال شروعه في توحيد أجزاء مملكته وجمع شتاتها لتكون بإذن الله من الأسباب المساعدة على وحدة الأمة الإسلامية، وليكون توحيد المملكة العربية السعودية الأنموذج الفريد والمثال الذي يحتذى به عند بقية الشعوب الإسلامية وليكون هذا المشروع الكبير الذي تحقق على يديه ـ طيب الله ثراه ـ دليلاً قوياً على أهمية الاجتماع واتحاد الكلمة وهو ما دعا إليه الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ وطبقه في حياته عملياً وتركه واقعاً مشاهداً أمام الأعيان عبر الأجيال.

" فقد وحّد الملك عبد العزيز عرب الجزيرة، وجمع شتاتها وعشائرها توحيداً تاماً؛ لأنه طهّر جسمها من الأمراض، وجعلها شعبا واحداً قابلاً للنهوض والتقدم والسير مع الأمم، وجعل لها كياناً سياسياً،وشيّد دولة عربية إسلامية حديثة اعترفت بها جميع دول الأرض[34]".

" ولا يقدر مجهودات الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ حق قدرها إلا الواقفون على أحوال البلاد العربية، الخابرون لشؤونها، فهم وحدهم يعرفون ما للملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ من فضل بعد الله ـ عز وجل ـ على الجزيرة العربيـة وعلى أهلها، حيث تحقق له ولدولتـه ولشعبه بتوفيق من الله ـ عز وجل ـ في وقت قصير ما يحتاج غيره لتحقيقه قرونا وأزمنه طويلة[35]"

لقد سار الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ في حركة البناء والأعمار بخطي واثقة، ووجد أن الوضع بحاجة إلي توحيد مملكته، فلا يبقى هناك ما اسمه الحجاز ونجد وملحقاتها، ولاحظ إن الوحدة يجب أن تكون شاملة في كل شيء، وعلى هذا الأساس اصبح اسمها ( المملكة العربية السعودية ) وفي 17 صفر 1351 هـ صدر الآمر الملكي باعتماد الاسم الجديد[36]"

" وبنجاح الملك عبد العزيز ـ طيب الله ثراه ـ  في توحيد بلاده، ولمّ شعب الجزيرة العربية تحت لوائه سكب في أعماق الأمة الناشئة، والدولة القادمة أقوى عوامل التراص، وأسباب التماسك، وهي التقيد الشديد بأحكام القرءان الكريم[37]"

 

(8) العناية بالحرمين الشريفين

ارتبط تاريخ الأمة الإسلامية بالمسجد ارتباطا وثيقا، وذلك لأن الإسلام لم يقصر رسالة المسجد على أداء الصلاة فحسب، بل جعل للمسجد مكانة عظيمة تخدم المجتمع المسلم، فبجانب أداء الصلاة فيه فهو موطن لتلاوة وتدبر كتاب الله ـ عز وجل ـ قال تعالى:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ …}. النور آية 36–37.

والمسجد مدرسة للتعليم والتهذيب، ومجلس صلح وقضاء، وملتقى للتعاون على البر والتقوى، ومحل للتشاور بين المسلمين والتناصح فيما بينهم، ومركز القيادة العسكرية وعقد الألوية للجيوش المجاهدة في سبيل الله، ومكان لاستقبال الوفود التي كانت تقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قبل ذلك كله مكان لإعلان العبودية الخالصة لله ـ عز وجل ـ قال تعالى:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} . الجن أية 18.

فرسالة المسجد في الإسلام رسالة توحيد لله عز وجل وهدى وحق وخير، ورسالة دعوة وأخوة ووحـدة بـين المسلمـين، واعتصام بحبل الله المتين، قال تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً …} آل عمران أية103.

وحرصاً من الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ على تحقيق المسجد لرسالته الخالدة اهتم بعمارة بيوت الله والعناية بها،وفي مقدمة تلك المساجد المسجد الحرام بمكة، والمسجد النبوي بالمدينة.

وتعتز المملكة العربية السعودية ملكا وحكومة وشعباً بتشرفها بخدمة  الحرمين الشريفين ورعايتهما، وكان الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ يولى أهمية كبيرة لخدمة الحرمين الشريفين وتوفير سبل الراحة لحجاج بيت الله الحرام، وزائري مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان من نتائج هذا الاهتمام وتلك العناية الكبيرة تمكن الملايين من المسلمين من أداء مناسك الحج والعمرة والزيارة في أمن وأمان واطمئنان[38].

ومنذ عهد الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز ـ يحفظه الله ـ وجهود المملكة العربية السعودية تتضاعف عاماً بعد عام للعناية بالأماكن المقدسة، وتقديم أفضل الخدمات لضيوف الرحمن وفيما يخص اهتمام الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله   وعنايته بالحرمين الشريفين يمكن إيجازه فيما يلي:

)  المسجد الحرام بمكة المكرمة:

أقبلت جموع المسلمين من شتى بقاع الأرض لأداء مناسك الحج،خاصة بعد توحيد المملكة العربية السعودية على يد عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ حيث نعم الحجاج والعمّار والزّوار بالأمن والاطمئنان، وتسامع المسلمون بما أصبحت عليه البلاد السعودية بعد توحيدها فتطلّعوا إلى أداء هذا الركن العظيم من أركان الإسلام، وقد نتج عن تزايد أعداد القادمين إلى مكة المكرمة  والمدينة المنورة أن ضاق الحرمان بتلك الأعداد المتزايدة عاماً بعد عام.

وما أن اطلع الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ على حقيقة الأوضاع في المسجد الحرام حتى أذاع في عام 1368 هـ بلاغاً عاماً وجهه إلى العالم الإسلامي تضمن البشرى باعتزامه توسعة الحرمين الشريفين.

وكانت هذه التوسعة من أعظم ما شرع فيه الملك عبد العزيز ـ طيب الله ثراه ـ حيث بدأت الاستعدادات وإجراء الدراسات لذلك المشروع المهم لتوسعة المسجد الحرام، ولكن المنية لم تمهله فقد وافاه الأجل في سنة 1373هـ قبل أن يكتمل ذلك الإنجاز الكبير[39].

وقـد تولى الإشراف على تلك المشروعات التي أمر بها الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ نجله وخلفه من بعده الأمير سعود ـ رحمه الله ـ وبدأ العمل الفعلي في التوسعة السعودية الأولى للمسجد الحرام في ربيع الثانـي 1375هـ، وتم تعيين لجنة عليا للإشراف على العمل برئاسة الأمير فيصل بن عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ  ولجنة أخرى لتقدير التعويضات التي ستدفع لأصحاب الأملاك التي يقتضي المشروع إزالتها، ولجنة ثالثة لمراقبة التنفيذ، ثم وحدت تلك اللجان في لجنة واحدة باسم (اللجنة التنفيذية العليا)، وتم إنشاء مكتب بإسم (مكتب صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود لتوسعة المسجد الحرام وتجديد عمارته ).

وبانتهاء المرحلة الأولى من التوسعة السعودية تم بناء المسعى بطابقيه بطول 394.5 متراً وعرض 20 متراً، وارتفاع الطابق الأول 12 متراً والطابق الثاني 9 أمتار، وجعل للمسعى ممران في اتجاهين مع ممر وسطى في اتجاهين للساعين على الكراسي المتحركة، واستطاع الحجاج لأول مرة السعي بين الصفا والمروة بأمان بدون أن يختلطوا مع الباعة أو المارة، وتم ـ أيضاً ـ الانتهاء من بعض الأعمال والخدمات حول المسجد الحرام التي تحتاجها التوسعة، وتم إضاءة المسجد الحرام بالإضاءة الكهربائية الحديثة، وشملت الإضاءة الأعمدة المقامة حول المطاف،ومداخل المسجد الحرام ومآذنه، وقد بلغت تكلفة هذه التوسعة ( 000/000/800 ) ريال[40].

وقد استمرت جهود الدولة السعودية في عمارة المسجد الحرام والعناية به وتحسين الخدمات والمرافق التي يحتاجها، حتى كانت التوسعة السعودية الثانية التي أمر بـها خادم الحرمـين الشريفين الملك فـهد بن عبد العزيز آل سعود ـ حفظه الله ـ حيث تشرف بوضع حجر الأساس لتلك التوسعة في 9 صفر 1409هـ، وبانتهاء هذه التوسعة المباركة أصبح المسجد الحرام معداً لاستيعاب أكثر من مليون ونصف مصلٍ في أوقات الذروة، وبلغ ما أنفقته الحكومة السعودية ـ أيدها الله ـ على هذا المشروع والخدمات المساندة له من ساحات وجسور وأنفاق وسلالم كهربائية وشبكة إذاعة داخلية،ونظام إطفاء للحريق، ودورات مياه حوالي 12 مليار ريال، وأصبح المسجد الحرام من أهم الإنجازات السعودية التي تقدمها للمسلمين الذين يؤمون البيت العتيق من كل فج عميق.

(ب) المسجد النّبوي بالمدينة المنورة:

بعد ما أعلن الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ عزمه على توسعة وعمارة الحرمين بدأ بالمسجد النبوي، وكان ذلك في سنة 1368 هـ، وبدأ هذا المشروع المبارك بدراسات هندسية شاملة للمسجد النبوي وما يجاوره لتحديد ما ينبغي عمله بأفضل درجة ممكنة من الجودة والإتقان[41].

وتم استدعاء المهندسين المختصين من مصر والباكستان لوضع التصاميم اللائقة بهذا المشروع، وبعد انتهاء تلك الدراسة الهندسية رفع المهندسون تقاريرهم الهندسية إلى الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ فحظيت لديه بالقبول، وبادر بإصدار أمره ببدء العمل، واعتماد المبالغ المالية لتوسعة المسجد النبوي وعمارته وصيانته، ولتعويض أصحاب الأملاك التي تقرر إزالتها لصالح المشروع[42].

وقد استمرت الأعمال التمهيدية حتى أوائل سنة1373 هـ ومن خلالها تم هدم الأبنية المحيطة بالمسجد النّبوي، ونقل أنقاضها، والبدء بحفر الأساسات لمشروع التوسعة، وقد تفضل الملك سعود ـ رحمه الله ـ في ربيع الأول 1374 هـ برعاية حفل وضع حجر الأساس الذي حضره ممثلون عن الدول الإسلامية وسفرائها وجموع كبيرة من المواطنين[43].