طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الجانب الديني في حـياة الملك عبد العزيز

الدكتور/ خالد محمد الصاعدي

 

 

المقدمة

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[1].

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}[2] .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}[3] .

أما بعد: فليس ثمة شك أن قيام المملكة العربية السعودية، وتوحيدها تحت هذا الاسم، يعدّ من الأحداث التاريخية الهامة في تاريخنا الإسلامي الحديث، لما لهذا الحدث من أهمية كبيرة وآثار بعيدة المدى، حيث ظهرت من خلال هذا التوحيد على الساحة الدولية دولة إسلامية عربية حديثة، جُمِع فيها شمل الجزيرة العربية ووُحِّد معظم أجزائها، وذلك يوم الخميس الموافق للحادي والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة 1351هـ[4]،على يد موحد هذا الكيان الشامخ المـلك: "عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد ابن سعود".

ولا شك أن لهذه الجزيرة العربية أهمية كبيرة ودوراً إيجابياً كبيراً في الاهتمام بالإسلام والمسلمين وما ينفعهم في دينهم ودنياهم ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، لما لهذه الجزيرة العربية من مركزية في العالم الإسلامي، بوصفها مهد الحضارة الإسلامية، وأرض الحرمين الشريفين، اللذين تتعلق بهما قلوب المسلمين أينما كانوا، الأمر الذي يجعل أثر أي تطور حضاري لهذه الجزيرة يمتد إلى بقية أرجاء العالم الإسلامي الذي كان أغلبه يعانـي من وطأة الاستعمار وتسلطه وآثاره.

من هذا المنطلق كانت الملحمة التاريخية العظيمة التي صنعها الملك عبد العزيز ـ بعد توفيق الله تعالى ومشيئته وفضله ـ فوحّد هذا الكيان الكبير وأنقذه ـ بفضل الله تعالى ـ من غياهب التشتت والضياع إلى مرافئ الوحدة والأمن والأمان والرقي والحضارة المتأصلـة بثوابت الدين وصدق الإيمان وركائز العلم[5] .

ولا شك أن ذلك لم يكن ليتم لولا فضل الله تعالى ثم تمسك الملك عبد العزيز بدينه وإيمانه العظيم بالله واستعانته به ـ جلّ شأنه ـ وتطبيقه حكم الله ـ تعالى ـ وجعل دستور هذه البلاد القرآن الكريم والسنة النبوية، واهتمامه العظيم بالجانب الديني في أقواله وأفعاله، ومعاملاته، واهتمامه بالمسلمين، وتطبيقه لمنهج الإسلام عقيدةً وشريعةً وعملاً، وحبه للعلم وتقديره للعلماء، الأمر الذي مكّن له في هذه الأرض بقدرة الله تعالى وقوته.

وهذا ما سوف ألقي الضوء عليه ـ إن شاء الله تعالى ـ من خلال هذا البحث الموسوم بـ: "الجانب الديني في حياة الملك عبد العزيز، وأثره في توحيد البلاد"

أسأل الله العلي القدير أن يكون هذا البحث محققاً للهدف المنشود الذي من أجله كُتب، وأن يعصمنا من الزلل في القول والعمل، وأن يرزقنا الإخلاص والتوفيق، والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السيل.

شخصية الملك عبد العزيز:

ولد الملك عبد العزيز في مدينة الرياض عام 1293هـ ـ 1876م، وقيل عام 1297هـ ـ1880م[6]  وكانت ولادته في وقت تحالفت فيه الشدائد ضد أسرته، فنشأ نشأة قاسية كان لها أثر كبير في تغلبه على الصعاب التي لاقاها في مستقبل حياته[7] .

وقد تتلمذ في مطلع حياته على يد شيخ من أهل الخرج، كان مقيماً في الرياض اسمه "عبد الله الخرجي" وتعلم على يديه مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ سوراً من القرآن الكريم، ثم تلقن بعض أصول الفقه والتوحيد على يد الشيخ "عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب"، كما تعلم مبادئ الفروسية على يد والده، عندما رحل من الرياض إلى الكويت سنة 1309هـ، وكان يحكمها الشيخ "مبارك الصباح"[8] .

كان ـ رحمه الله ـ طويل القامة، عريض المنكبين، صحيح الجسم، مهيب الطلعة، متناسب الأعضاء، حسن الوجه، أبيض البشرة، أسود الشعر، خفيف اللحية والعارضين، بارز الصدر، مفتول الساعدين والساقين، قسمات وجهه تدل على البشاشة والسماحة، والذكاء والنبوغ والفراسة، جهوري الصوت، الابتسامة لا تكاد تفارق شفتيه[9] .

في الكويت فكر الفتى عبد العزيز فيما حل بالأمة من ضياع ديني وأمني، فالعقيدة استبيحت حوزتها، وكادت تمحى معالمها، وأصبح ضعيف الناس نهباً لقويهم، فكان يراوده الأمل في تطهير العقيدة مما ران عليها من أدران الشرك والانحراف، وفي بسط الأمن في ربوع وطنه، وعندما اشتد ساعده رأى أن يحوّل الأمل  إلى حقيقة، فزحف إلى الرياض مع أربعين من أهل بيته وأقربائه وأخلص الرجال وأصدقهم، وتمكن بفضل الله ـ تعالى ـ ثم بواسطتهم من استعادة الرياض في 5 شوال 1319هـ[10] .

ولا شك أن عملية استرداد الرياض، وما دار فيها من أحداث، تظل من أروع ما عرفه تاريخ المملكة في ميدان البطولـة والتضحيات، وتعتبر مصدر فخر واعتزاز للملك عبد العزيز الذي استعان بالله ـ تعالى ـ ثم بقناعته وإيمانه بالقضية التي خرج من أجلها، وهي إعادة توحيد البلاد من جديد تحت راية آل سعود، فكان له ما أراد بتوفيق الله تعالى[11] .

وعندما نتعرف على الكيفية التي أتم بها الملك عبد العزيز توحيد هذا الكيان على أساس من العقيدة الإسلامية، فإننا نجده وقد حرص على تطبيق الشريعة الإسلامية وأحكامها، فكان نصر الله الذي وعد به عباده المؤمنين في محكم التنزيل: {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}[12]، فقد انطلق يحمل شعار التوحيد ويتخذ القرآن منهجاً وسلوكاً، إلى جانب النوايا الحسنة الصادقة التي تستهدف توحيد هذا الكيان وجمع شتاته، فكان ـ رحمه الله ـ كثير الصلاة والتعبد، وكان من عادته أن ينهض قبـل الفجر بساعة فيقرأ ما تيسر من القرآن الكريم، فإذا أذّن المؤذن أدى فريضة الصلاة، ثم ينصرف إلى بيته فيقرأ ـ أيضاً ـ شيئاً من القرآن الكريم وبعض الأوراد الصحيحة، ثم تعرض عليه بعض الأمور العاجلة فيبتّ فيها[13] .

وهكذا نلحظ أن من هدى القرآن الكريم جاءت شخصية الملك عبد العزيز لتحقق للأمة الحاجة الماسة إلى القائد الذي يهتدي بهدى القرآن، وقد جاءت هذه الشخصية في وقت كان الشعور الواحد، والغرض المتحد هما أساس الوحدة المعنوية والصلة النفسية اللتين اعتمد عليهما الملك عبد العزيز في بناء الدولة الإسلامية[14]، وذلك عندما تحالف جده الإمام محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب على نشر كلمة الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم[15]، وقد أراد الله لهذه الأمة خيراً بأن كتب لهذه الجهود كامل النصر والتأييد والتوفيق في جميع المعارك التي خاضتها حتى غمرت هذه الدعوة أرجاء الجزيرة العربية، وظهرت دعوة سلفية تدعو الناس إلى الدين  وإخلاص  العبادة لله وحده، ونبذ ما شاب العقيدة  من مظاهر الشرك، ومنذ يومئذٍ مضى آل سعود في نشر العقيدة السلفية، وفتح البلاد المجاورة باسم الدعوة، فقامت دعوتهم على هذا الأساس، وبسطوا نفوذهم على جميع أنحاء الجزيرة العربية تقريباً[16] .

وهكذا سار الملك عبد العزيز ـ طيّب الله ثراه ـ على نهج من سبقه، وسلك طريق الدعوة إلى الله، ومناصرة الحق والعدل والذب عن العقيدة، واتخذ القرآن منهجاً وسلوكاً، وانطلق يحمل شعار التوحيد ويحكم القرآن والسنة ويطبق شريعة الله الخالدة، وقاد السفينة نحو الخير والإصلاح والاستقرار ونشر العلم، وحفلت سيرته وحياته بالجهاد والبناء والعطاء،  فلقد سخر جهوده في خدمة الدين والأمة، وركز اهتمامه على قضايا الإصلاح والأمن والوحدة والنهضة والبناء والتعليم والمعرفة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى غرس في هذه الأرض الطيبة المباركة أعظم وحدة في تاريخ هذه البلاد، فقد حوّل ـ بتوفيق الله ـ ضعفها إلى قوة، وتمزقها وتشتتها إلى كيان كبير قوي راسخ مؤثر، حتى أصبحت المملكة العربية السعودية اليوم نموذجاً رائعاً ومثلاً فذاً حقيقياً، لأنها نموذج شامخ للدولة التي تقوم على أساس الشريعة الإسلامية، وتأخذ بحظها الوافر من الحضارة والمدنية وأسباب التقدم والازدهار[17].

وهكذا كان الملك عبد العزيز مؤمناً بالله حق الإيمان، متوكلاً عليه حق التوكل، يتقيه في كل أموره، في حروبه وفتوحاته، في معاملته لأهالي البلاد التي يفتحها، يتبع أوامر الشريعة بكل تفاصيلها، كان صادق النية في كل آماله وطموحاته فلقد كان يبغي وجه الله وإعلاء راية التوحيد ونشر الدعوة الإسلامية بعيداً عن البدع والمستحدثات التي انحرفت بالدين[18]، ولقد جعل الملك عبد العزيز الدين هدفاً له ومطلباً عظيماً، بحيث كلما وسّع ورسّخ ملكه عظمت خدمته للإسلام بما كان يقوم به من أعمال[19] . ولهذا وفقه الله وسدد خطاه ونصره وأيده لأنه لم يكن يعتبر الملك إلا وسيلة لرفع شأن دين الإسلام وتطبيق شرائعه السمحة[20]، مصداقاً لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[21] .

وهكذا يكون أثر العقيدة الإسلامية الصحيحة، عقيدة السلف الصالح، لأنها قطب رحى المسلمين، فعند تحقيقها تماماً، يهيئ الله ـ تعالى ـ لمن يفعل ذلك التمكين والإمامة  في الأرض، وهذا وعد الله ـ تعالى ـ لا يخلف الله الميعاد، قـال تعـالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[22] .

 الجانب الديني في حياة الملك عبد العزيز من خلال أقواله رحمه الله:

نستطيع أن نسبر أغوار شخصية الملك عبد العزيز الفذة، من خلال الأحاديث والكلمات والخطابات التي قالها وكتبها في حياته لرسم سياسة المملكة ومنهجها، ومخاطبة المواطنين والرؤساء والملوك، حيث نستعين بها لإلقاء الضوء على جوانب شخصيته الدينية، فمن أولى المزايا التي تميز الملك عبد العزيز ما كان يتمتع به من قوة الإيمان بالله ـ تعالى، حيث ظهر حرص الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ على الالتزام بالشريعة الإسلامية في أقواله وأفعاله، وفي نفسه وشخصه، وفي كتاباته وآرائه السياسية وغيرها، حتى أصبح مضرباً للأمثال في العدل والحكم، منصفاً للمظلوم آخذاً الحق له، لا يخشى في الحق لومة لائم، مطبقاً للشريعة الإسلامية بحذافيرها على الصغير والكبير، والغني والفقير، لا فرق عنده بين أحد أفراد أسرته، وبين أحد أفراد الشعب كلهم في الحق سواء، كان ورعاً تقياً، يزرع لآخرته ويتزود لدار البقاء[23] .

والآن إلى توضيح الجانب الديني في أقواله رحمه الله:

لقد ذكرت أكثر الكتب التي ترجمت للملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ أن دراسته للقرآن الكريم بدأت منذ سن الخامسة، وأنه تمكن من ختم القرآن في عامه الحادي عشر، حيث قرأه كاملاً على الشيخ محمد بن مصيبيح، وكان شغوفاً جداً بالتفسير والعلوم الدينية[24] .

يقول الشيخ سليمان بن سحمان: "علمت من الملك عبد العزيز أنه يحفظ أجزاءً من القرآن الكريم، ويحفظ (الرحبية) في الفرائض، وتعلم (زاد المعاد) في الفقه، ويحفظ من كتب الأحاديث (الأربعين النووية)، و(بلوغ المرام)، وكان يحب قراءة (البداية والنهاية) لابن كثير، و(تاريخ الرسل والملوك) للطبري، و(السيرة) لابن هشام، و(المغني) و(الشرح الكبير) و(الإنصاف)، و(تفسير ابن كثير)، و(البغوي)، وكان يحب من الشعر ما تميز بالطابع الإسلامي والنصائح"[25] .

ولا شك أن رجلاً بهذه النشأة الدينية في صغره، لحريٌّ به أن يجعل الجانب الديني أهم أهدافه، بل أهم أعمدة حكمه لمملكته، حيث كان منذ الأيام الأولى من حياته حتى نهايتها مسلماً تقياً ورعاً ملتزماً بتعاليم الإسلام السمحة[26] .

فمن جملة أقواله المأثورة ـ رحمه الله ـ والدالة على تمسكه بالعقيدة السلفية قوله: "إنني رجل سلفي وعقيدتـي هي السلفية التي أمشي بمقتضاها على الكتاب والسنة...، وإنني أودّ أن نفنى أنا وأولادي في سبيل الله، المسلم لا يبيت في فراشه إلا على نية الجهاد"[27] .

ومن خطبة له يقول: "أنا مبشر أدعو لدين الإسلام، ولنشره بين الأقوام".

 "أنا داعية لعقيدة السلف الصالح، وعقيدة السلف الصالح هي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله وما جاء عن الخلفاء الراشدين، أما ما كان غير موجود فيها، فأرجع بشأنه إلى أقوال الأئمة الأربعة، فآخذ منها ما فيه صلاح المسلمين".

"أنا مسلم وأحب جمع كلمة الإسلام والمسلمين، وليس أحب عندي من أن تجتمع كلمة المسلمين ولو على يد عبد حبشي، وإنني لا أتأخر عن تقديم نفسي وأسرتـي ضحية في سبيل ذلك"[28].

ومما يؤكد تمسكه بالجانب الديني في أقواله، والتزامه بالإسلام وتعاليمه، قوله: "أما نحن فلا عز لنا إلا بالإسلام، ولا سلاح لنا إلا التمسك به، وإذا حافظنا عليه حافظنا على عزنا وسلاحنا"[29] .

ويقول: "ليس لهذا الملك وعظمته عندي من قيمة، وإنما الذي أحبه وأريده هو رضا الله تعالى"[30] .

ويروي بعض من ترجم للملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ أنه شوهد وهو يتعلق بأستار الكعبة ويدعو الله قائلاً: "اللهم إن كان هذا فيه مصلحة للمسلمين فأبقه لي ولأولادي من بعدي، وإن كان فيه شر للمسلمين فانزعه مني ومن أولادي من بعدي"[31] .

ولاشك أن هذا المنطق العظيم لا يصدر إلا عن شخصية إسلامية عظيمة، عمر قلبه بالإيمان والتقى والورع والزهد.

ويقول في موضع آخر: "أنا مسالم ومدافع، أنا مسالم للناس وأحب النصيحة قبل كل شيء، لأن الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"[32] .

وقد أعلن الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ مراراً على الملأ بأن دستور المملكة العربية السعودية هو تنفيذ ما جاء في الكتاب والسنة، وحرص بنفسه على الوقوف والمتابعة لتنفيذ هذه الأسس، وأقسم على الإخلاص لهذا المبدأ قائلاً: "اللهم إنك تعلم أنـي أحب من تحب، وأبغض من أبغضت، اللهم إن كنت تعلم أن ما سأقسم عليه اليمين هو عقيدتـي التي أعتقد أن تؤيدنـي وتنصرنـي، وإن كنت تعلم أن ما أقسم عليه مخالف لما أعتقد، أن تكفي المسلمين سوء هذا العمل"[33] .

ومما يؤكد اهتمامـه برعيتـه المبني على إيمانه بالله وتقواه لربه ـ جلّ شأنه ـ قوله: "إنني خادم في هذه البلاد العربية  لنصرة هذا الدين، وخادم للرعية، إن الملك لله وحده، وما نحن إلا خدم لرعايانا، فإذا لم ننصف ضعيفهم، ونأخذ على يد ظالمهم، وننصح لهم، ونسهر على مصالحهم، فنكون قد خُنَّا الأمانة المودعة إلينا"[34] .

"إننا لا تهمنا الأسماء ولا الألقاب، وإنما يهمنا القيام بحق الواجب لكلمة التوحيد، والنظر في الأمور التي توفر الراحة والاطمئنان لرعايانا"[35] .

"أوصيكم بالتناصح فيما بينكم، وأوصيكم بالتحاب، وإن بابي مفتوح لكل واحد منكم"[36].

"يعلم الله أن كل جارحة من جوارح الشعب تؤلمني وكل أذى يمسها يؤذيني"[37] .

"إن من حقكم علينا النصح لنـا، فإذا رأيتم خطأً من موظف، أو تجاوزاً من إنسان، فعليكم برفع ذلك إلينا لننظر فيه، فإذا لم تفعلوا ذلك فقد خنتم أنفسكم ووطنكم وولاتكم"[38] .

"إن خدمة الشعب واجبة علينا، لهذا فنحن نخدمه بعيوننا وقلوبنا، ونرى أن من لا يخدم شعبه ويخلص له فهو ناقص"[39] .

ويقول: "التباعد بين الراعي والرعية يدع مجالاً للنفعيين، فيجعلون الحق باطلاً، ويصورون الباطل حقاً"[40] .

"إنني أعتبر كبيركم بمنـزلة الوالد، وأوسطكم أخاً، وصغيركم ابناً، فكونوا يداً واحدة، وألفوا بين قلوبكم، لتساعدونـي على القيام بالمهمة الملقاة على عاتقنا"[41] .

ومن كلماته التي توضح المنهج الذي سار عليه الملك عبد العزيز وانتهجته المملكة العربية السعودية حتى الوقت الراهن، قال حين دخل مكة: "نحن دعاة ولسنا بحكام، دعاة لدين الله، والإخلاص لعبادة الله، ولم نقدم من ديارنا إليكم إلا انتصاراً لدين الله"[42] .

ويقول أيضاً: "أنـا قوي بالله ـ تعالى ـ ثم بشعبي، وشعبي كلهم كتاب الله في رقابهم، وسيوفهم بأيديهم، يناضلون ويكافحون في سبيل الله، ولستُ أدَّعي أنهم أقوياء بعددهم أو عدّتهم، ولكنهم أقوياء ـ إن شاء الله ـ بإيمانهم"[43] .

كما قال ـ رحمه الله ـ في مقدمة خطبة ارتجلها في منى يوم 10 ذي الحجة 1359هـ: “{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم}[44]،فإذا أردتم أيها المسلمون النجاح والفلاح في دينكم ودنياكم ومعاشكم، فكونوا مؤمنين غير منافقين، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وكونوا عباد الله إخواناً، واعلموا أن الله يعطي الدنيا للبار والفاجر، ولا يعطي الدين إلا للبار، فأدعوكم جميعاً إلى الإخلاص للدين أولاً، وإلى التآخي والتناصح والجمع بين القلوب ثانياً"[45] .

ومن أقواله المؤيدة لما سبق في هذا الخصوص: "إننا نعتصم بحبل الله ومن اعتصم بالله فهو حسبه"[46] .

ومن أقواله الدالة على ثقته بالله ـ تعالى ـ وإيمانه القوي واطمئنانه لنصر الله تعالى لعباده المؤمنين، قوله: "إذا كنا نعتقد أن النصر وقف على العدد والعدة، فعلينا ألاّ نمضي خطوة واحدة في هذا السبيل، أما إذا كنا نؤمن بأن النصر بيـد الله، فيؤتيه من يشاء، فقد وعدنا الله بالنصر في قوله ـ جلّت قدرته: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} فما علينا إلا أن نثق بوعده ونعتمد عليه وحده وحاشا أن يخذلنا أو يتخلى عنا..."[47] .

ومن جملة اهتماماته بالتوحيد الخالص ونبذه للبدع والشركيات والضلالات، والاعتصام بما جاء في كتاب الله ـ تعالى ـ وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قوله: " إنني والله لا أحب إلا من أحب الله خالصاً من الشرك والبدع، وأنا والله لا أعمل إلا لأجل ذلك[48]، ولا يهمني أن أكون ملكاً أو فقيراً، ووالله ثم والله إنـي لأفضل أن أكون على رأس جبل آكل من عشب الأرض وأعبد الله وحده من أن أكون ملكاً على سائر الدنيا وما فيها[49]، إنني أفخر لكل من يخدم الإسلام ويخدم المسلمين وأعتز بهم، بل أخدمهم وأساعدهم وأؤيدهم، وإنني أمقت كل من يحاول الدرس على الدين وعلى المسلمـين ولو كان من أسمى الناس مقاماً وأعلاهم مكانة، إنني أدعو المسلمين جميعاً إلى عبادة الله وحده، والرجوع للعمل بما كان عليه السلف الصالح، لأنه لا نجاة للمسلمين إلا بهذا، وأسأل الله ـ تعالى ـ أن يوفقنا جميعاً إلى ما يحبه ويرضاه، إن المسلمين لا يرقون ولا ينهضون بالبهرجة والزخارف، إن سبيل رقي المسلمين هو التوحيد الخالص والخروج من أسر البدع والضلالات، والاعتصام بما جاء في كتاب الله على لسان رسوله الكريم، إن تقدم المسلمين ونهوضهم هو من الأمور التي ما برحنا ندعو إليها ـ إن شاء الله ـ ولا نهوض للمسلمين بغير الرجوع إلى دينهم والتمسك بعقيدتهم الصحيحة والاعتصام بحبل الله، والطريق إلى ذلك واضح لمن أراد سلوكه، وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالتوحيد الخالي من الشرك والبدع، والعمل بما يأمرنا به الدين، لأنه لا فائدة من قولٍ بلا عمل"[50] .

وقوله أيضاً: "نحن دعاة إلى التمسك بالدين الخالي من كل بدعة"[51] .

ويقول ـ رحمه الله ـ في إحدى خطبه التي ألقاها في القصر الملكي بمكة المكرمة في أول ذي الحجة عام 1347هـ: "إن المسلمين بخير إذا اتفقوا، وعملوا بكتاب الله وسنة رسوله، ليتقدم المسلمون للعمل بذلك، فيتفقون فيما بينهم على العمل بكتاب الله وسنة نبيه وبما جاء فيهما، والدعوة إلى التوحيد الخالص، فإنني حينئذ أتقدم إليهم فأسير وإياهم جنباً إلى جنب في كل عمل يعملونه،  وفي كل حركة يقومون بها...، والله إنني لا أحب الملك وأبهته ولا أبغي إلا مرضاة الله والدعوة إلى التوحيد...، ليتعاهد المسلمون فيما بينهم على التمسك بذلك، وليتفقوا فإنني أسير وقتئذ معهم لا بصفة ملك أو أمير أو زعيم، بل بصفة خادم، أسـير معهم أنا وأسرتي وجيشي وبنو قومي، والله على ما أقول شهيد، وهو خير الشاهدين"[52] .

ما أروع هذه الكلمات التي تؤكد عظم الإيمان في النفس البشرية، واستحواذ العقيدة الإسلامية على فكره وحياته كلها، بل إن العقيدة كانت القاسم المشترك الأعظم في جميع خطاباته وكلماته وأحاديثه ومواقفه، حيث يقول في ذلك: "...فعقيدة التوحيد هذه هي التي تنجينا مما نحن فيه من محن ومصائب"[53] .

وقد عزا ـ رحمه الله ـ سر فتوحاته وانتصاراته إلى التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مما يؤكد سلامة المنهج وحسن المعتقد، حيث يقول: "لقد خرجت وأنا لا أملك شيئاً من حطام الدنيا ومن القوة البشرية، وقد تألّب عليّ الأعداء، ولكن بفضل الله وقوته تغلبت على أعدائي وفتحت هذه البلاد، ولم يكن عندي من العتاد سوى قوة الإيمان وقوة التوحيد"[54] .

وما يُدَلِّل على التزامه بالتوحيد الخالص عقيدة وسلوكاً: أنه كان في إحدى زياراته للخرج في أواخر عام 1363هـ دخل عليه شاعر من أهل نجد، وفي يده قصيدة استأذنه في إلقائها وابتدأ بمطلعها:

         أنت آمالنا ومنك الرجاء..

فصاح الملك: "تخسأ، تخسأ، ولمح في المجلس الشيخ حمد الجاسر، فقال له: خذه علّمه التوحيد يابن الجاسر"[55] .

فالملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ يدرك أن هذه الألفاظ من معانـي توحيد الألوهية، ومن أنواع العبادة التي لا يجـوز صرف شيء منها أو نسبته لغير الله تعالى[56] .

ويروي فهد بن محمد الربيعان أن رجلاً قابل الملك عبد العزيز وهو خارج من مسجد العيد، وشرع يمتدحه بكلمات منها:

             ويا سيد السادات يا سيد البشر

يا ملك الملوك أنت ملاذنا 

فغضب الملك عبد العزيز غضباً شديداً، ووقف يؤنب الرجل بقوله: "ملك الملوك هو الله ـ جل جلاله ـ فهو ملاذنا وإليه منقلبنا، وسيد البشر هو: محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، والشرك بالله ظلم عظيم، والكذب والنفاق حرام"، فانصرف الرجل وهو يتصبب عرقاً من الخجل[57] .

وهكذا تكون العقيدة الصحيحة العميقة في نفس الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ وعدم تهاونه في ذلك أو تأثره بقول مادح أومداهن، وعدم السكوت على ما يخالف تعاليم الشريعة الإسلامية السمحة أو يقدح في العقيدة، والتنبيه لذلك وأخذ الحيطة والحذر.

وكان دائماً يقول ـ رحمه الله: "أنا شخص ليس يهمني سوى إقامة كلمة التوحيد"[58] .

وبهذا الإخلاص لله والنهج السلفي خاض الملك عبد العزيز معركة التجديد والتمدن ببراعة وورع وتقوى لله، وفي هذا الصدد يقول: "إن التمدين الذي فيه حفظ ديننا وأعراضنا وشرفنا مرحباً به وأهلاً، وأما التمدين الذي يؤذينا في أدياننا وأعراضنا وشرفنا، فوالله لن نذعن له، ولن نعمل به، ولو قطعت منا الرقاب"[59] .

وهذا القول يؤكد بجلاء على ما كان يتمتع به الملك عبد العزيز من نظرة ثاقبة وبعد نظر، حيث أن الأخذ بما هيأ الله ـ تعالى ـ وسخره من الوسائل الحضارية الحديثة، والإفادة بما لدى العالم الآخر من مخترعات وتقنيات، كاستعمال البرق (التلغراف)، والتلفون، والسيـارات، والطائرات، والدراجات، وأمثالها من الوسائل الحضارية، ومن ذلك أنه لما انتشر استعمال المذياع أنشأ محطة للإذاعة اللاسلكية بجدة، لتكون أداة للتوجيه السليم، وإيصال صوت المملكة إلى العالم الخارجي، وكانت الإذاعة قد بدأت ببث برامجها المنتظمة في تمام الساعة الواحدة بعد ظهر يوم الأحد التاسع من ذي الحجة عام 1368هـ، وكانت أول كلمة تذاع من خلالها هي كلمة الملك عبد العزيز، التي ألقاها نيابة عنه سمو الأمير فيصل، وجاء فيها: "أحمد الله الذي جعل هذا البلد الحرام مثابة للناس وأمناً، أحمده وأشكره، والشكر لنعمائه أن يسر للناس حج بيته العتيق، وجعل قلوبهم تهفو إليه، ليشهدوا منافع لهم، وتتآلف قلوبهم بذكر الله في هذه البقاع الطاهرة التي كانت منـزلاً للوحي لهدي الناس أجمعين، وأصلي على رسول الله الذي بعثه بالهدى ودين الحق، وبعد:

فإنه ليسرنا أن نخاطب إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من هذا البلد الحرام في هذا اليوم المبارك، ونتناصح ونتواصى بالبر والتقوى، وندعو الجميع للتمسك بكتاب الله وإخلاص العبادة له"[60] .

وكان رحمه الله يقول: "لا مانع من أن نأخذ من غيرنا المفيد، فالحكمة ضالة المؤمن"[61] . وهكذا كانت الإذاعة عاملاً مهماً للاتصال بالمسلمين، وتوضيح أمور العقيدة لهم من خلال البرامج الدينية التي كانت تمثل القدر الأكبر من مدة الإرسال، حيث وصلت نسبتها كما يذكر أحد الباحثين إلى 75% من جملة البرامج، بينما كانت النسبة الباقية للأخبار والتحاليل الإخبارية المحلية والعربية والعالمية[62] .

وعن مدى تأثير الإذاعة في المجتمع السعودي خاصة وفائدتها المرجوة، يقول الدكتور محمد عوض إبراهيم: "استطاعت  ـ أي الإذاعة ـ أن تقف لمظاهر الانحراف والتسيب بالمرصاد، لتواجه السلوكيات الشاذة والبالية باستمرار، وذلك من طريق إذاعة أخبار الحوادث من قتل وسرقة...الخ، وإقامة الحدود، وتطبيق الشريعة الإسلامية"[63] .

وكان يواجه ـ رحمه الله ـ من يعترض عليه في استعمال الوسائل الحديثة كاللاسلكي وغيره، برأي العلماء، حيث طلب منهم أن يوضحوا رأي الإسلام في ذلك، فأفتى العلماء بأنهم لم يجدوا في القرآن أو السنة أو قول أحد العلماء ولا من أخبار العارفين دليلاً على التحريم، وأن من يقول بالتحريم يفتري على الله الكذب ونبرأ إلى الله منه[64] .

وكان يقول دوماً للعلماء: "إياكم أيها العلماء أن تكتموا شيئاً من الحق تبتغون بذلك مرضاة وجهي، فمن كتم أمراً يعتقد أنه يخالف الشرع فعليه من الله اللعنة،...أظهروا الحق وبينوه وتكلموا بما عندكم..."[65] .

وكان يقول: "هل هناك أعظم من التمدن الذي ورد في كتاب الله"[66] .

وهكذا تتجلى لنا النية الصادقة الخالصة، والغرض النبيل، والعمل الصادق، واليقين بما عند الله ـ تعالى، لذلك أخذ الله بيده ووفقه في جميع أموره وفتوحاته، مصداقاً لقوله ـ تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}[67] .

وتقوى الله ـ تعالى ـ لها صلة وثيقة في القول والعمل، وقد اشتهر عن الملك عبد العزيز أنه ملك فعال، ولا شك أن الملك الفعال خير من الملك القوال، وفي ذلك يقول الملك عبد العزيز من مأثور كلماته: "أنا لست من رجال القول الذين يرمون اللفظ بغير حساب، فأنا رجل عملي إذا قلت فعلت، وعيب عليّ في ديني وشرفي أن أقول قولاً لا أتبعه بالعمل، لأن هذا شيء ما اعتدت عليه ولا أحب أن أتعوده أبداً" [68]. ويقول: "إن كـل كلام لا يتبعه فعل فهو باطل، ولا صلاح للمسلمين إلا باتحادهم واتفاق الكلمة على توحيد ربهم"[69]، والملك عبد العزيز كثيراً ما يؤكد على الصراحة وارتباطها بالصدق في الشخصية الإسلامية حينما يقول: "يجب على كل إنسان أن يقول ما في ضميره بصراحة تامة، وألاّ يخشى في الحق لومة لائم"[70] .

ومما يضاف إلى تلك الكلمات الخالدة العظيمة الدالة على إخلاصه لله وحده، وتمسكه بعقيدته الإسلامية، خطبته الشهيرة عندما دخل مكة المكرمة، حيث كتب إلى جميع الملوك والأمراء المسلمين يخبرهم أنه سوف ينتقل إلى مكة غير باغٍ ولا آثم، ودعاهم إلى إرسال من يمثلوهم في المؤتمر الذي سيعقد في مكة لنشر الإسلام بين الأمم الإسلامية، ففي تلك الخطبة يقول: "إنـي مسافر إلى حرم الله لبسط أحكام الشريعة وتأييدها، فلن يكون بعد اليوم سلطان إلا الشرع، ويجب أن نطأطىء جميع الرؤوس له،...، ثم استطرد قائلاً: "الذي أبغيه من هذه الديار أن نعمل بما في كتاب الله وسنة نبيه في الأمور الأصلية، أما في الأمور الفرعية، فاختلاف الأئمة رحمة"[71] .

ومن خطبة له بمكة يقول: "أنا بذمتكم وأنتم بذمتي، والدين النصيحة، أنا منكم وأنتم مني، هذه عقيدتنا في الكتب بين أيديكم، فإن كان فيها ما يخالف كتاب الله، فردوه علينا، وما أشكل عليكم منها فسلونا عنه، والحكم بيننا وبينكم في كتاب الله وحده، وما جاء في كتب الحديث والسنة"[72] .

ويقول: "ما كنا عرباً إلا بعد ما كنا مسلمين، كنا عبيداً للعجم، ولكن الإسلام جعلنا سادة، ليس لنا فضيلة إلا بالله وطاعته واتباع محمد، ويجب أن نعرف حقيقة ديننا وعربيتنا ولا ننساهما"[73] .

"كل حرية باطلة إلا حرية الإسلام، والإنسان لا ينفع إلا بالدين، ونحن لا نبغي محاربة أوروبا، وإنما نطلب حقوقنا باتحادنا، فنعتصم بالله، والإسلام أكبر وسيلة وأكبر حصن، هو أكبر مزايا الحسب والنسب، فيجب على المسلم محبة دينه وشعبه ووطنه"[74] .

وفي خطبة أخرى ارتجالية، كسائر خطبه التي يلقيها، يعلن الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ جملة الخلاف الذي يحمل السلاح من أجله، وصلـة ذلك بالعقيدة الإسلامية، حيث يقول: "يقولون أننا لا نصلي على محمد، وأنا نعد الصلاة عليه شرك بالله، نعوذ بالله من ذلك، ويقولون أننا ننكر شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، معاذ الله أن نقول هذا، وإنما نطلب من الله أن يشفع فينا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ونقول: اللهم شفع فينـا نبينـا محمـد صلى الله عليه وسلم {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}، وندعو الله أن يشفع فينا الولد الصغير، ونقول: اللهم اجعله فرطاً لأبويه، ولا نطلب الشفاعة من الطفل، وأما محبة الأولياء الصالحين فمن ذا الذي يبغضهم؟ ولكن محبتهم الحقيقية هي العمل بما عملوا به واتباع سنتهم في التقوى، هذا الذي نحن عليـه، وهـذا الذي ندين لله بـه، فإن كان عندكم ما ينقضه في كتاب أو سنة فأتونا به لنرجع إليه"[75] . ثم قال: "أعيذكم بالله من التقية، لا تكتموا علينا شيئاً"[76] .

وهذا يوضح المعتقد الصحيح والمنهج السليم الذي كان يتجلى في شخص الملك عبد العزيز رحمه الله، حيث كان همه الأوحد إعلاء كلمة الدين وتمسكه به، يقول في ذلك: "كل همي موجهٌ لإعلاء كلمة الدين وإعزاز المسلمين"[77] .

وكان يقول في جملة حديث له: "... آمر بما أمر به الإسلام، ناهٍ عما نهى عنه الإسلام، غير منتصر لآبائي وأجدادي، أو لنعرة جاهلية أو لمذهب من المذاهب غير الكتاب والسنة"[78] .

ويقول ـ أيضاً: "إنني ـ إن شاء الله ـ أحب أن يكون دين الله منصوراً، وكلمته هي العليا، ودينه هو الظاهر، وأن الله ـ تعالى ـ يديم علينا وعليكم نعمة التوحيد"[79].

ويدلل على تمسكه بالجانب الديني في حياته كلها قوله: "...فالحياة التي تسير على أساس الدين هي القوة، أما الحياة التي تسير على غير الدين، فهي كالمطر الذي يقع على السبخة فلا يجدي ولا يثمر"[80] .

وكان يدعو ـ رحمه الله ـ في الوقت نفسه إلى الأخذ بأسباب القوة في مختلف الأنشطة والأصعدة، وعدم الركون والاستكانة، فيما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، عملاً بقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ }[81] .

وبالتوحيد الخالص أقام هذا الملك ـ موحد هذا الكيان الشامخ ـ ملكه عقيدة وسلوكاً، ففي شهر جمادى الأولى عام 1343هـ اجتمع خمسة عشر من علماء مكة بسبعة من علماء نـجد، وأصدر علماء مكة بياناً جاء فيه: " قد حصل الاتفاق بيننا وبين علماء نجد في مسائل أصولية منها:

ـ إن من جعل بينه وبين الله وسائط من خلقه يدعوهم ويرجوهم في جلب نفع أو دفع ضر فهو كافر حلال الدم والمال.

ـ وإن البناء على القبور واتخاذ السرج عليها وإقامة الصلاة فيها بدعة محرمة في الشريعة الإسلامية.

ـ وإن من سأل الله بجاه أحد من خلقه فهو مبتدع مرتكب حراماً"