طباعة

 توثيق النص

 

 

جهود الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ في تحقيق مفهوم الجماعة

إعداد معالي الدكتور صالح بن عبد الله بن عبد الرحمن العبود

مقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خاتم الأنبياء والرسل، لا نبي بعده ولا رسول، بعثه الله إلى الناس كافة، ينذرهم من الشرك ووسائله وأسبابه، ويحذرهم من البدعة والفرقة، والمشاقة والتنازع، ويدعوهم إلى التوحيد وتحقيقه، واتباع السنة، والسمع والطاعة، ولزوم الجماعة، فلا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها عنه، ثم توفاه الله إليه، وأبقى دينه، وافترض طاعته على الجن والإنس، إلى يوم القيامة، صلى الله عليه وسلم، وعلى آ له وأصحابه، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الباعث وأسباب اختيار الموضوع:

 أما بعد: ـ

 فإن الباعث لهذا البحث، هو مناسبة مرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية فلقد مرت مائة عام على عود الله بعائدته الجميلة على أهل التوحيد، والسنة والجماعة، فأضاء التاريخ السعودي بالملك عبد العزيز، تاريخ العلم والإيمان، والعدل والأمان، تاريخ النور والتوحيد، بعد انطفاء حلت معه ظلمات الجهل والفرقة، والشرك والبدعة، فعاد الله بعائدته الكريمة على أهل الإسلام، في أرض الحرمين وما جاورهما، باسترداد عبد العزيز عام 1319هـ رياض التوحيد، أرضه وأرض آبائه وأجداده، أنصار توحيد الله عز وجل، وإفراده بالعبادة، فقام لله تعالى إماماً حنيفاً، وللدين سلطانا نصيراً، وللمسلمين قدوة وعزاً، يسير على منهج سلفه الصالح، من أهل السنة والجماعة، في العمل على توحيد كلمة المسلمين، وتوثيق تضامنهم وتعاونهم على البر والتقوى، والأخذ بأسباب حياتهم السعيدة، ومصالحهم الأكيدة في الدنيا والدين، مع المحافظة على صفاء العقيدة الإسلامية، وتنقيتها من شوائب الشرك والبدع والخرافة والوهم، وسائر المعوقات الجاهلية، وأسباب الفرقة، حتى وصل بالمملكة العربية السعودية، على هذا المنهج القويم، والصراط المستقيم، إلى مرسى الأمن والإيمان، ومعقل السمع والطاعة، ومأرز السنة والجماعة، فلله الحمد والمنة.

 إنها لنعمة من الله تعالى عظمى، تستوجب الحمد لله تعالى والشكر، والتأمل الطويل لتذكير أنفسنا، وتذكير أجيالنا الناشئة واللاحقة، بأسباب هذه النعمة العظمى ليستديموها بعدم التفريط بأسبابها، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .

وقد نشأ جيل جديد، وجد نفسه في نعمة هذه الوحدة والجماعة، ولم يكن قد عرف ضدها، وأخشى أن يلهو ويغتر، وينسى سبب نعمته، فتنتقض عليه عروتها الوثقى، وتنقطع به أسباب أمنه وهدايته، وتحل عليه بديلاتها، من عوامل الفرقة والخوف، وأسباب الرعب والدمار، ومروجات الكذب وتكذيب الحق والشر، مما يغزوه به الشياطين، عبر الأقمار الصناعية وغيرها من عقائد الكفار وأفكارهم .. [1].

ولقد بلينا في هذا الزمن على الخصوص، بغزو ماكر، بمناهج دعوية، تتزيا بلباس الدعوة الإسلامية، وهي دخيلة عليها، لأنها تخلط الحق بالباطل، والسنة بالبدعة وتستمرئ عداوة أهل التوحيد وأنصاره، وموالاة أهل الشرك وأعوانه، ومن ذلك: أنها تدعو إلى اعتقاد أنه ليس للمسلمين الآن جماعة، ذات ولاية وبيعة شرعية [2] ويبنون ذلك المعتقد الفاسد، على ما يؤصلونه من الباطل في مفهوم الجماعة، من أنها إنما تطلق في النصوص الشرعية إطلاقين لا غير:

إطلاق من حيث البناء والكيان، وإطلاق من حيث المنهج والطريقة.

فمن حيث البناء والكيان: "فالجماعة هي التي اتفقت الآراء فيها على إمام واحد بعقد بيعة،... فهذه هي التي يحرم الخروج عليها، وهي التي قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيها لحذيفة رضي الله عنه: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" الخ "[3]

ويترتب على ذلك التأصيل المخترع: اعتقاد فاسد، وعمل باطل خطير، خلاصته: أن الجماعة غير موجودة الآن ! لأن الآراء منذ قرون عديدة لم تتفق على إمام واحد بعقد بيعة، وأنه " يجب على المسلمين السعي لإيجاد هذه الجماعة، وتنصيب الإمام المتفق على بيعته، إذ أن تنصيب الإمام، الذي هو رأس بناء الجماعة، أمر مجمع على وجوبه [4] .

أي: وفي سبيل ذلك الواجب، لا يحرم الخروج على حكومة المملكة العربية السعودية، لأن الآراء لم تتفق كلها على إمامها بعقد بيعة!.

ولكن قد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن هذه الأمة الإسلامية ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، واحدة منها هي الجماعة، فدل ذلك على أن الافتراق واقع لا محالة، كما دل على استمرار وجود الجماعة مع وقوع الافتراق، ووجود وحدة المملكة العربية السعودية وإمامها، هو وجود الجماعة التي هي على الحق قائمة ظاهرة منصورة - ولله الحمد والمنة - لا يجوز الخروج عليها، ولا منازعتها في سلطانها، ولا تفريق جماعتها، لأن ذلك بغي وظلم، بل مروق من الدين، والعياذ بالله.

ويترتب على هذا التأصيل المخترع الباطل، ما تسميه بعض الجمعيات الدعوية ضابطاً لشرعية عمل أي جماعة دعوية أخرى، وهو: أن يكون عملهم" مما يؤيد الإمام العام، ويكون عونا له، في الواجبات التي ألقاها الله على عاتقه، من إقامة شرع الله في الأرض، والجهاد في سبيله"[5] .

 ولكن هذا الإمام العام غير موجود، إلا في الذهن، ولا ينبغي أن يشتبه علينا وجود الذهن بوجود العين، فنظنهما واحداً، إذ وجود الذهن، لا حقيقة له فيما خرج عن الذهن، كوجود الإمام العام، فإنما وجوده في الذهن فقط، أمنية، نسأل الله تعالى تحقيقها، لكن لا يصح تحقيقها بأن يكون عمل جمعية الدعوة إلى الله تعالى لتأييد إمام معدوم العين، وتعتقد أن الله تعالى ألقى على عاتق هذا المعدوم واجبات، من إقامة شرع الله في الأرض، والجهاد في سبيله، فالله تعالى لا يلقي واجباً على عاتق معدوم، فكيف نعتقد ذلك ونعمل له؟!، هذا هو ما تعمله الرافضة وتعتقده في الإمام المعصوم تماماً، وذلك عقيدة فاسدة، وعمل باطل.

وإنما يصح تحقيق تلك الأمنية عن طريق العمل الصالح، المبني على العقيدة الصحيحة، المطابقة للواقع، بتأييد إمام موجود، وجود عين، وإن لم يكن عاماً، فسيكون عاماً بسلوك هذا الطريق،كما لو تم ذلك بتأييد ولي الأمر في المملكة العربية السعودية، الإمام السعودي، وإعانته على الواجبات التي ألقاها الله على عاتقه، من إقامة شرع الله، وحج بيت الله الحرام، والجهاد في سبيله.

وأما الإطلاق الثاني على زعم هؤلاء: فهو إطلاق الجماعة من حيث المنهج والطريقة، قالوا: وهذه لا يمكن حصرها في واحدة من الجماعات الإسلامية القائمة الآن، المعروفة بأسمائها وقادتها ونظمها وأعضائها [6]، يعني كالإخوان المسلمين، وجماعة التبليغ، وحزب التحرير، وغيرها، لأنها كلها ليست إلا وسائل للدعوة جائزة وعلى هذا قالوا: إنه لا يضير المسلم، أن يختار من هذه الجماعات ـ التي ليست إلا وسيلة للدعوة ـ جماعةً، يراها أقرب إلى الحق والصواب [7]!.

والدعوة إلى هذا دعوة إلى التفرق من غير شك، لأنها دعوة إلى جماعات متعددة متباينة، فيها الجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية، والصوفية والخوارج والمرجئة، ولفظ خبر الرسول صلى الله عليه وسلم يرد ذلك، فإن قوله: "واحدة" ينافي التعدد، فتعين أن تكون الجماعة واحدة، لا جماعات، هم أهل السنة والجماعة [8] .

لكن مع الأسف ينطلق هؤلاء الدعاة في دعوتهم إلى الله بزعمهم، من ذلك المنطلق الفاسد، فيأتون إلى الناس من دعوتهم بجهالة وبغي، وبدعة وضلالة، ويسلكون مسلك الخوارج، المارقة من الدين، يبغضون أهل الإسلام ويقاتلونهم، ويدعون أهل الأوثان ويسالمونهم.

 فيلزم التصحيح، وأرجو أن يوفقنا الله بهذا البحث لشيء من التصحيح .

ومن دواعي البحث: اعتقاد بعض الناس، من ذلك المنطلق الفاسد، أننا في زمان الواجب فيه الاعتزال، وأخذاً من قوله في حديث حذيفة قال: " قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال صلى الله عليه وسلم: " فاعتزل تلك الفرقَ كلَّها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك "[9].

فأحب أن أنبه بهذا البحث على أن ذلك لم يأت زمنه بعد، ولا يعلم متى يأتي زمانه إلا الله تعالى، وأنه من المعلوم قطعا، أن زماننا هذا، لا ينطبق عليه حكم الاعتزال، كما يروجه دعاة الضلال[10]، لأن المسلمين اليوم لهم جماعة وإمام، هي: المملكة العربية السعودية وإمامها، التي ترفع راية التوحيد، ولا يعبد تحت تلك الراية، وداخل سلطانها، إلا الله، وحده لا شريك له، و يحكم أهلها بشريعة الله، ولا تستحل فيها الحرمات والمحرمات، ولا تزال قائمة على هذا، بالحق ظاهرة منصورة[11] ولله الحمد والمنة، لا يجوز لمسلم أن يدعو أحدا من رعاياها إلى اعتزالها، بشبهة أننا في زمان ليس فيه للمسلمين جماعة ولا إمام .

ومن دواعي هذا البحث أيضا أننا بحاجة ماسة، لتسليط ضوء العقيدة الإسلامية في مفهوم الجماعة، على وحدة المملكة العربية السعودية، بالبحث العلمي، والتوضيح والبيان، كما أخذ الله ميثاق الذين أوتوا العلم، ليبينُنَّهُ للناس ولا يكتمونه، ولئلا يُنطلق في الدعوة إلى وحدة الأمة الإسلامية، من فراغ في العقيدة، وجحد للحق وبطر، وغمط لجهود الملك عبد العزيز رحمه الله الخيرة، في تحقيق مفهوم الجماعة.

هذا ولم أر فيما كتب عن الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ على كثرته، من كتب عن جهوده في تحقيق المفهوم الشرعي للجماعة، بهذا الشكل والمضمون.

فلأجل ذلك اتجهت للبحث في جهود الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ في تحقيق مفهوم الجماعة، وأسأل الله تعالى ذا الجلال والإكرام، الذي لا إله غيره، أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، مقبولا لديه يوم الدين، وأن يعين بمنه وكرمه على إتمامه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وأصحابه، والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ..

الخطـة

بما أن مفهوم الجماعة في حد ذاته مختلف فيه، بين كثير من المعاصرين، كما أشرت إليه في المقدمة، أصبح من ضروريات بيان جهود الملك عبد العزيز في تحقيق مفهوم الجماعة البدء ببيان مفهوم الجماعة على ضوء الكتاب والسنة، لنجعل ذلك أصلاً يرجع إليه في تقدير تلك الجهود وتقييمها، لذا بدأت به، ولأن جهود الملك عبد العزيز في تحقيق مفهوم الجماعة مرتبطة ببيان موقع الدول السعودية من صفة الجماعة ومفهومها ارتباطاً لا يمكن فصله، فبيان جهود الملك عبد العزيز لا يتم بغيره، لذا أعقبت بيان مفهوم الجماعة، ببيان موقع الدول السعودية من صفة الجماعة ومفهومها، ثم حسن بيان جهود الملك عبد العزيز، في تحقيق مفهوم الجماعة، المراد شرعا، فتألفت الخطة من:

المقدمة السابقة التي تضمنت ذكر الباعث لهذا البحث وأسباب اختياره.وثلاثة فصول:

 الفصل الأول: في بيان مفهوم الجماعة، على ضوء الكتاب والسنة .

والفصل الثاني: في بيان موقع الدول السعودية، من صفة الجماعة .

والفصل الثالث: في بيان جهود الملك عبد العزيز رحمه الله في تحقيق مفهوم الجماعة .

والخاتمة، وثبت المراجع وفهرس.

الفصل الأول: مفهوم الجماعة

تعريفها لغة، واصطلاحا، والمراد بها، استمرار بقاء وجودها، ضرورة تعيينها.

 

تعريف الجماعة في اللغة:

 الجماعة لغة: هي الاجتماع، وضدها الفرقة، ولفظ الجماعة قد صار اسما لنفس القوم المجتمعين [12]، من جمع المتفرق، قال الفراء:فإذا أردت جمع المتفرق، قلت: جمعت القوم فهم مجموعون، قال الله تعالى: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ} هود:103 والأمة هي الجماعة، قال الأخفش: هي في اللفظ واحد، وفي المعنى جمع[13] وتقول: جمعت الشيء، إذا جئت به من هاهنا وهاهنا، وأجمعتُه، إذا صيرته جميعا، وأجمع أمره أي جعله جميعا، بعد ما كان متفرقا، والإجماع هو الإحكام والإعداد والعزيمة على الأمر، قال الله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} يونس: 71.

 أي أجمعوا أمركم مع شركائكم [14] .

وفي الاصطلاح: هم المجتمعون على الاستمساك بالكتاب والسنة، الذين يؤثرون كلام الله تعالى، على كلام كل أحد، ويقدمون هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، على هدي كل أحد، فالتمسك بالكتاب والسنة، وعقد الاجتماع والعهد على ذلك، والوفاء به، وعدم نقضه، يفيد الاجتماع والائتلاف، واكتمال القوة واستحكامها، فلا تتناقض، فالجماعة هنا هم المجتمعون على الحق، وإن كانوا قليلا، وكان المخالف لهم كثيرا، فإن يد الله معهم، لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم، قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} النحل: 120.

قال أهل التفسير: الأمة، هو: من كان مؤمناً وحده، هو الإمام الذي يقتدى به [15].

 وفي حديث حذيفة بن اليمان قوله: "قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرقَ كلَّها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" [16] يعني: فإنك باعتزال تلك الفرق، حيث لم يكن لهم جماعة ولا إمام، تكون أنت على ما كانت عليه الجماعة، وإن كنت وحدك، قال ميمون بن مهران: قال ابن مسعود رضي الله عنه: "الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك".

 وقال نعيم بن حماد: "إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ " ذكره البيهقي وغيره.[17]

 وقد أخطأ من عرف الجماعة أنها أهل الحديث والأشعرية والماتريدية، فإن لفظ الحديث فيما رواه أبو داود [18] بسنده إلى معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة"، يرد ذلك، فإن قوله: "واحدة" ينافي التعدد، فتعين أن تكون الجماعة هم أهل الحديث، قال أحمد: " إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم " قال القاضي عياض: " إنما أراد أحمد، أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث[19].

والجماعة، هي: حبل الله، قال ابن مسعود: "أيها الناس، عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وما تكرهون في الجماعة، خير مما تحبون في الفرقة " [20] وقال عبد الله بن المبارك:

منه بعروته الوثقى لمن دانا[21]

إن الجماعة حبل الله فاعتصموا

 وحبل الله تعالى، هو: التوحيد، هو: إفراد الله تعالى بالعبادة، هو: الإسلام، هو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك، وعدم الابتداع، قال الله تعالى:{لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} البقرة:256.

وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} آل عمران:32،31.

وأساس الجماعة وأصلها، هو: الاعتصام بحبل الله تعالى، كما قال الله تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} آل عمران: 103-107.

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " قال ابن عباس: "تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والضلالة "[22] " ولهذا كان أبو أمامة الباهلي وغيره يتأولها في الخوارج.

فالله تعالى قد أمر المؤمنين كلهم أن يعتصموا بحبله جميعا، ولا يتفرقوا، وقد فسر حبله بكتابه وبدينه وبالإسلام وبالإخلاص وبأمره وبعهده وبطاعته، وبالجماعة، وهذه كلها منقولة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وكلها صحيحة فإن القرآن يأمر بدين الإسلام وذلك هو عهده وأمره وطاعته، والاعتصام به جميعا إنما يكون في الجماعة، ودين الإسلام حقيقته الإخلاص لله "23] .

وأخرج مسلم وأحمد ومالك عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال"[24] .

ففي هذا الحديث النبوي الشريف، البدء بأساس الجماعة وأصله، "أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً"، والاعتصام بحبل الله، الذي هو الجماعة، وعدم التفرق، ومناصحة ولي الأمر، وهذه الثلاث قد نص عليها في حديث رواه الإمام أحمد في المسند بإسناد جيد عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "نضر الله امرءاً سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فإنه رب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث خصال لا يَغِلُّ عليهن قلب مسلم أبدا: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط بهم من ورائهم … " الحديث. وجاء هذا الحديث بأسانيد بعضها صحيحة، وبعضها حسنة، وبعضها معلولة، عن جماعة من الصحابة، فهو متواتر [25]، وقد جمعت هذه الخصال الثلاث، ما يقوم به دين الناس ودنياهم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: "ولم يقع خلل في دين الناس ودنياهم إلا بسبب الإخلال بهذه الثلاث أو بعضها" [26].

وفي غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة كثير، يدل قطعا على أن أصل الجماعة وأساسه، هو:الإخلاص لله تعالى واتباع السنة، ومناصحة ولي الأمر، والاعتصام بحبل الله جميعاً، وعدم التفرق.

وبما قدمنا يتضح معنى الجماعة ومفهومها في الاصطلاح الشرعي، وبقي أن نبين المراد الشرعي بالجماعة، فإلى ذلك في المبحث الآتي:

المراد الشرعي بالجماعة:

قال ابن جرير الطبري: "والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة "[27]، وذكره الإمام الشاطبي ؛ في كتابه الاعتصام[28] عن الإمام ابن جرير الطبري أنه قال:

" الجماعة: جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير"، قال: " فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزومه، ونهى عن فراقه، فيما اجتمعوا عليه من تقديمه عليهم، لأن فراقهم لا يعدو إحدى حالتين:

إما للنكير عليهم في طاعة أميرهم، والطعن عليه في سيرته المرضية لغير موجب، بل بالتأويل في إحداث بدعة في الدين، كالحرورية التي أمرت الأمة بقتالها، وسماها النبي صلى الله عليه وسلم مارقة من الدين.وإما لطلب إمارة من انعقاد البيعة لأمير الجماعة، فإنه نكث عهد، ونقض عهد بعد وجوبه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من جاء أمتي ليفرق جماعتهم فاضربوا عنقه كائنا من كان"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما"، وقال صلى الله عليه وسلم: " من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه"، وفي رواية أخرى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان "وفي رواية: "فاقتلوه"[29]، وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما "[30]. قال الطبري: "فهذا معنى الأمر بلزوم الجماعة. قال: وأما الجماعة التي إذا اجتمعت على الرضا بتقديم أمير كان المفارق لها ميتا ميتة جاهلية فهي الجماعة التي وصفها أبو مسعود الأنصاري، وهم معظم الناس وكافتهم من أهل العلم والدين وغيرهم، وهم السواد الأعظم. قال الطبري: وقد بين ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فروي عن عمرو بن ميمون الأودى قال: قال عمر - حين طعن - لصهيب: صلِّ بالناس ثلاثا، وليدخل علي عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، وليدخل ابن عمر في جانب البيت وليس له من الأمر شيء، فقم يا صهيب على رؤوسهم بالسيف، فإن بايع خمسة ونكص واحد فاجلد رأسه بالسيف، وإن بايع أربعة ونكص رجلان فاجلد رؤوسهما حتى يستوثقوا على رجل. قال: فالجماعة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزومها وسمى المنفرد عنها مفارقا لها، نظير الجماعة التي أوجب عمر الخلافة لمن اجتمعت عليه، وأمر صهيبا بضرب رأس المنفرد عنهم بالسيف، فهم في معنى العدد المجتمع على بيعته وقلة العدد المنفرد عنهم.

قال: وأما معنى الخبر الذي ذكر فيه أن لا تجتمع الأمة على ضلالة فمعناه أن لا يجمعهم على إضلال الحق فيما أنابهم من أمر دينهم حتى يضل جميعهم عن العلم ويخطئوه، وذلك لا يكون في الأمة"انتهى.

 قال الشاطبي: "هذا تمام كلامه ـ يعني الطبري ـ وهو منقول بالمعنى وتحر في أكثر اللفظ، وحاصله أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة، وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة، خارج عن معنى الجماعة المذكورة في الأحاديث المذكورة، كالخوارج ومن جرى مجراهم "[31].

وهذا الأثر عن عمر الذي فيه، أنه قال: "فقم يا صهيب على رؤوسهم بالسيف" الخ، رواه الطبري في تاريخ الأمم والملوك[32]، ورواه غيره بألفاظ أخرى صحيحة الإسناد، تدل على ما أراده الطبري، من الاستدلال بهذا الخبر، لما قرره من الأصح لمعنى الجماعة، منها:

رواية ابن سعد بسنده عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر، وذكر قصة قتل عمر، وفيها أن عمر قال أمهلوا، فإن حدث بي حدث "فليصل لكم صهيب ثلاث ليال، ثم أجمعوا أمركم، فمن تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه"، وصحح إسنادها الحافظ ابن حجر في موضعين من الفتح[33].

 ورواية ابن سعد الأخرى بسنده عن عمرو بن ميمون، وفيها قول عمر لصهيب: " صل بالناس ثلاثا، وليخل هؤلاء القوم في بيت، فإذا اجتمعوا على رجل فمن خالفهم فاضربوا رأسه"، وكلتاهما رواهما ابن سعد في الطبقات[34] ورواها الحارث في مسنده عن يحيى بن أبي بكير[35] ثنا إسرائيل، وروى نحوها ابن أبي شيبة، عن وكيع عن إسرائيل[36] وذكر الحافظ ابن حجر هذا الأثر في الفتح، وأن لهذه الرواية شاهدا من حديث ابن عمر، قال:" أخرجه ابن سعد بإسناد صحيح "، كما ذكر أيضا ما يختص برواية جويرية بن أسماء بن عبيد لخبر قتل عمر رضي الله عنه، وفيه قول عمر: "ويتبع الأقل الأكثر، ومن تأمر من غير أن يؤمر فاقتلوه"[37]

وننقل توضيحاً لشيخ الإسلام ابن تيمية لهذه المسألة لأهميته، في معرض تفنيده قول الرافضي في عمر رضي الله عنه أنه: " أمر بقتل من خالف الأربعة، وأمر بقتل من خالف الثلاثة، منهم: عبد الرحمن "، قال: فيقال: هذا من الكذب المفترى، ولو قدر أنه فعل ذلك، لم يكن عمر قد خالف الدين، بل يكون قد أمر بقتل من يقصد الفتنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من جاءكم وأمركم على رجل واحد، يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان"[38]

والمعروف عن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقتل من أراد أن ينفرد عن المسلمين ببيعة بلا مشاورة لأجل هذا الحديث، وأما قتل الواحد المتخلف عن البيعة إذا لم تقم فتنة، فلم يأمر عمر بقتل مثل هذا، ولا يجوز قتل مثل هذا".[39].

وقال شارح العقيدة الطحاوية [40]: "وقد ساق البخاري[41] رحمه الله قصة قتل عمر رضي الله عنه وأمر الشورى والمبايعة لعثمان في صحيحه، فأحببت أن أسردها كما رواها بسنده عن عمرو بن ميمون، فسردها، وفيها أن عمر قال: "ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط .. " فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن، يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء، كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرة سعدا فذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة" إلى قوله: "فلما فرغ من دفنه، اجتمع هؤلاء الرهط، فقال: عبد الرحمن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، قال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد:قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي، والله علي أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما، فقال: لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقدم في الإسلام ما قد علمت، فبالله عليك لئن أمرتك لتعدلن؟ ولئن أمرت عليك لتسمعن ولتطيعن؟ ثم خلا بالآخر، فقال: له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق، قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، وبايع له علي، وولج أهل الدار، فبايعوه"

وذكر شارح الطحاوية رواية البخاري الأخرى[42] عن حميد بن عبد الرحمن عن المسور بن مخرمة، وفيها قوله: "فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم مال الناس إلى عبد الرحمن، حتى ما أرى أحدا من الناس يتبع أولئك الرهط"

وفيها أن عبد الرحمن قال: "أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلا".

قال في فتح الباري: "ويؤخذ منه بطلان قول الرافضة وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أن الإمامة في أشخاص بأعيانهم … ففي رضا الجميع بما أمرهم به، دليل على أن الذي كان عندهم من العهد في الإمامة أوصاف، من وجدت فيه استحقها، وإدراكها يقع بالاجتهاد، وفيه أن الجماعة الموثوق بديانتهم، إذا عقدوا عقد الخلافة لشخص بعد التشاور والاجتهاد، لم يكن لغيرهم أن يحل ذلك العقد، إذ لو كان العقد لا يصح إلا باجتماع الجميع، لقال قائل لا معنى لتخصيص هؤلاء الستة، فلما لم يعترض منهم معترض بل رضوا وبايعوا، دل ذلك على صحة ما قلناه"[43]. وذكر ابن العربي المالكي بأنه: "لو عقده بعضهم لجاز، ولم يحل لأحد أن يعارض" [44].

ذكر ابن حجر من زيادة المدايني أن عمر: "قال لأبي طلحة: إن الله قد نصر بكم الإسلام، فاختر خمسين رجلا من الأنصار واستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم "[45]، وذكر ذلك السيوطي عن أنس قال: "أرسل عمر إلى أبي طلحة الأنصاري قبل أن يموت بساعة، فقال: كن في خمسين من الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى، فإنهم فيما أحسب سيجتمعون في بيت، فقم على ذلك الباب بأصحابك فلا تترك أحدا يدخل عليهم، ولا تتركهم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمروا أحدهم"[46]. وقال ابن حجر: "وفيه أن الشركاء في الشيء إذا وقع بينهم التنازع في أمر من الأمور، يسندون أمرهم إلى واحد ليختار لهم، بعد أن يخرج نفسه من ذلك الأمر"[47] وقال ابن المنير: "في الحديث دليل على أن الوكيل المفوض له أن يوكل وإن لم ينص له على ذلك، لأن الخمسة أسندوا الأمر لعبد الرحمن وأفردوه به فاستقل مع أن عمر لم ينص لهم على الانفراد"[48] .

ففي القصة نرى أن عمر رضي الله عنه بين مفهوم الجماعة ومعناه، والتزمت الأمة به، حتى صار عبد الرحمن وحده هو الجماعة، فقال لعلي: " فلا تجعلن على نفسك سبيلا " قال ابن حجر: "أي من الملامة، إذا لم توافق الجماعة".[49].

وبيان عمر رضي الله عنه لمفهوم الجماعة ومعناها، وهو الخليفة الراشد، الذي أمرنا بالاقتداء به، كما في حديث حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا باللَّذين من بعدي: أبي بكر وعمر" رواه أهل السنن[50]، يفيد العلم الضروري والاعتقاد الصحيح، بأنه المراد شرعاً كما قرره الإمام الطبري.

ونذكر موقفا لعبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، يؤكد معنى الجماعة المراد شرعاً، الذي بينه عمر رضي الله عنه، وقرره ابن جرير الطبري، رحمه الله، فيما رواه مسلم عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع (بن الأسود العدوي القرشي) حين كان من أمر الحرة ما كان، زمن يزيد بن معاوية، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "من خلع يدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية"[51].

وعبد الله بن مطيع كان ممن خلع يزيد وخرج عليه، وكان يوم الحرة قائد قريش، كما كان قائد الأنصار عبد الله بن حنظلة الأنصاري، إذ خرج أهل المدينة لقتال الجيش الذي بعثه يزيد لقتالهم وأخذ البيعة له، فظفر أهل الشام بأهل المدينة، وكان ما كان من أمر الحرة، من الفتن والمفاسد، بسبب خلعهم أيديهم من طاعة يزيد وعدم بيعتهم له، وقد انعقدت له الإمامة، بوصية الإمام قبله أمير المؤمنين معاوية، وبايعه من بايعه لذلك، وأصبح الذين في طاعته هم الجماعة.

والخلاصة: أن المراد الشرعي بالجماعة، في كل وقت وزمان: هم جماعة من المسلمين موثوق بديانتهم، تم اجتماعهم على تأمير إمام موافق للكتاب والسنة، وعقدوا له البيعة على ذلك، ولم يسبقوا بجماعة أخرى، فعقدهم صحيح، ولو لم يجتمع عليه الجميع، وليس لغيرهم أن يحل ذلك العقد، وهذا هو ما قرره الإمام ابن جرير الطبري فيما تقدم من قوله:" فالجماعة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزومها وسمى المنفرد عنها مفارقاً لها، نظير الجماعة، التي أوجب عمر الخلافة لمن اجتمعت عليه، وأمر صهيبا بضرب رأس المنفرد عنهم بالسيف، فهم في معنى العدد المجتمع على بيعته وقلة العدد المنفرد عنهم".

وحيث يتضح المراد الشرعي بالجماعة مما تقدم، بقي أن نبين ضرورة تعيين الجماعة، فإلى ذلك في المبحث الآتي:

ضرورة تعيين الجماعة:

حيث لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بسمع وطاعة، وهذه الثلاثة متلازمة، آخذ بعضها ببعض، لا قيام للإسلام إلا بهذه الثلاثة[52]، ولقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة وإمامهم، والسمع والطاعة للأمير، وإن ضرب الظهر وأخذ المال، أمرا يدل على الوجوب، ونهى عن الخروج على الجماعة ومفارقتها، نهيا يدل على التحريم، وقد بوب الإمام النووي لأحاديث صحيحة وردت في صحيح مسلم، تدل على هذا دلالة قاطعة، فقال: "باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، وفي كل حال، وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة "[53]، كما وردت أدلة أخرى تفيد العلم اليقيني بهذا الحكم في الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار، وحيث لا يمكن القيام بفعل هذا الواجب، وترك هذا المحرم إلا بتعيين الجماعة، ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

إذاً: فلابد من تعيين الجماعة ومعرفتها، ليتحقق القيام بواجب لزومها، ولزوم إمامها، والاقتداء بها والاعتصام بذلك من تركها وفراقها المحرم.

قيل لعبد الله بن المبارك: "من الجماعة الذين ينبغي أن يقتدى بهم"؟ قال: "أبو بكر وعمر"- فلم يزل يحسب حتى إلى محمد بن ثابت والحسين بن واقد ـ فقيل: "هؤلاء ماتوا: فمن الأحياء؟، قال: "أبو حمزة السكري"[54] .

ومحمد بن ثابت، والحسين بن واقد، وأبو حمزة السكري، كل منهم فرد في زمانه، وليسوا من المبشرين بالجنة، لكن يقتدى بهم، فتوفر مفهوم الجماعة في كل واحد منهم، فعين الإمام ابن المبارك كل واحد منهم بصفة الجماعة، التي يقتدى بها كل في زمانه، مما يدل على استمرار وجود الجماعة باستمرار وجود المسلمين، وأنه لابد من تعيين الجماعة ليتسنى لزومها وعدم مفارقتها.

وعن إسحاق بن راهويه نحو مما قال ابن المبارك "[55].

ولا يعني هذا التعيين حصر الحق والهدى والنجاة لفرد معين من هؤلاء، أو الحكم لكل واحد منهم بعينه بالجنة أو النار، كما يظنه بعض من ساء فهمه أو ساء قصده، ولم يعترض أحد من الأئمة على هذا التعيين، لأنه هو المتعين ولابد منه، فبدونه كيف تعرف الجماعة؟ وكيف يؤدى الواجب من ملازمتها، ويجتنب الحرام من مفارقتها، والخروج على طاعة إمامها؟ إنه بدون تعيين الجماعة، ينطلق المسلمون والدعاة إلى الله تعالى، من فراغ في الاعتقاد الإسلامي، ويأتون إلى الناس بجهالة وبدعة وضلالة، كما هو رأي الخوارج ومسلكهم.

إذاً: فتعيين الجماعة من ضروريات الدين، ومن أصول العقيدة، وحيث لابد من إتمامه ببيان استمرار وجودها، فإلى ذلك في المبحث الآتي.

استمرار وجود الجماعة:

لقد بعث الله تعالى رسوله العربي محمدا صلى الله عليه وسلم، من هذه الجزيرة العربية، إلى الناس كافة، إلى الثقلين، الجن والإنس عموما، ينذرهم عن الشرك ويدعوهم إلى كلمة التوحيد، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، على حين فترة من الرسل، وعلى حين تفرق بين الناس، خصوصا العرب، فقد كانوا في تفرق شديد، وفي ضلال مبين، كما وصفهم الله عز وجل بقوله:{وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}، في قوله تعالى:{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}آل عمران:164، وفي قوله تعالى: { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}الجمعة: 2 .

فأنعم الله بفضله ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أنعم على المستجيبين للنبي صلى الله عليه وسلم، القائلين بكلمة التوحيد من العرب، على الخصوص بالألفة والاجتماع، اجتمعت قلوبهم وقوالبهم وتألفت بالتوحيد على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.

كما قال تعالى يخاطبه: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} الأنفال:63 .

وقوله: {حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}، أي الله وحده لا شريك له، يكفيك ويكفي من اتبعك من المؤمنين .

فكانوا مؤتلفين ومجتمعين بتأليف الله بينهم بالتوحيد، اجتمعت قلوبهم وقوالبهم بذلك، على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاكتملت لهم القوة في العلم والعمل، ودانت لهم العرب بهذه الكلمة، وملكوا بها العجم، كما وعدهم النبي صلى الله عليه وسلم، وصاروا سادة العالم، في مشرقه ومغربه، سادوه بكلمة التوحيد، قروناً من الزمان، حتى حدث النقص في تحقيق كلمة التوحيد، في الأجيال التي جاءت بعدهم، بسبب اتباع من اتبع منهم الأهواء المخالفة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي سبب المحدثات في الدين، التي يتعبد بها أصحابها، فحصل الاختلاف والتفرق والتقاتل والضعف بسبب ذلك.

كما روى ابن أبي عاصم من طرق متعددة، وأبو داود عن معاوية رضي الله عنه، قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فذكر: "إن أهل الكتاب قبلكم تفرقوا على اثنتين وسبعين فرقة في الأهواء، ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، ألا وإنه يخرج في أمتي قوم، يهوون هوى، يتجارى بهم ذلك الهوى، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يدع منه عرقا، ولا مفصلا إلا دخله "[56]. وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر "أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة"[57].

فوقع بسبب اتباع الأهواء كثير من أنـواع الشرك في المسلمين، كما قال صلى الله عليه وسلم عن الخوارج: "يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدر كتهم لأقتلنهم قتل عاد"، رواه البخاري في مواضع من صحيحه، ورواه غيره[58] وفي صحيح البخاري أيضا في كتاب الفتن: "باب تغير الزمان حتى يعبدوا الأوثان " وفيه حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة"، وذو الخلصة: طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية[59] .

وبسبب وقوع هذه الأهواء الشركية في هذه الأمة، حصل تفرقهم في الدين، فصار فيهم الفشل وذهاب الريح والضعف، كما يشهد بذلك الواقع طبقا لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم ومن الأمثلة التاريخية، لما وقع في الأمة من الشرك، مثل الذي ذكره الشيخ قاسم من أئمة الحنفية، في شرح درر البحار، من النذر لغير الله، وأنه كفر، ومثل ما ذكره الأذرعي، من أئمة الشافعية، في: " قوت المحتاج شرح المنهاج"، وما ذكره أبو شامة، من أئمة الشافعية أيضا، وما ذكره الطرطوشي من أئمة المالكية، وما ذكره أبو الوفاء ابن عقيل، وابن القيم، من أئمة الحنابلة، وغير هؤلاء العلماء، كثير، كلهم صرحوا بأن الأعمال الشركية قد عمت بها البلوى، وشاعت في كثير من البلاد الإسلامية، وأن المشاهد والأبنية على القبور قد كثرت، وكثر الشرك عندها وبها، حتى صار كثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، بل أعظم شركا عندها وبها [60].

وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله في قرة عيون الموحدين: "وقد وقع الأكثر من متأخري هذه الأمة في هذا الشرك الذي هو أعظم المحرمات، كما وقع في الجاهلية قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، عبدوا القبور والمشاهد والأشجار والأحجار والطواغيت والجن، كما عبد أولئك اللات والعزى ومناة وهبل وغيرها من الأصنام والأوثان، واتخذوا هذا الشرك دينا، ونفروا إذا دعوا إلى التوحيد أشد نفرة، واشتد غضبهم لمعبوداتهم، كما قال تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} الزمر:45، إلى أن قال الشيخ ابن حسن: " وقد وقع ما أخبربه النبي صلى الله عليه وسلم بعد القرون الثلاثة يعني من غربة الإسلام وافتراق الأمة فلهذا عم الجهل بالتوحيد الذي هو أصل دين الإسلام، فإن أصله أن لا يعبد إلا الله، وأن لايعبد إلا بما شرع، وقد ترك هذا وصارت عبادة الأكثرين مشوبة بالشرك والبدع "[61]

ثم قال رحمه الله: " لكن الله تعالى وله الحمد لم يخل الأرض من قائم له بحجته، وداع إليه على بصيرة، لكي لا تبطل حجج الله وبيناته التي أنزلها على أنبيائه ورسله، فله الحمد والشكر على ذلك "ويعني بذلك الفرقة الناجية، الذين هم الجماعة، الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي".

 قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "وهذا الحديث قد صح من طرق، كما ذكره العماد ابن كثير وغيره من الحفاظ، وهو في السنن وغيرها، ورواه محمد بن نصر في كتاب الاعتصام "[62] .

وهؤلاء الجماعـة الباقية على القيـام لله بحجته الرسالية، التي بعث بها محمدا، هم الذين يلتزمون وصية رسول الله عليه وسلم، بالاعتصام بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، ويتبعونها ظاهرا وباطنا، عند حدوث الاختلافات الكثيرة، كما في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا:يا رسول الله ! كأنها موعظة مودع، فأوصنا،  قال: "أوصيكم بتقوى الله عز وجل، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم، فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح[63]. وكما في حديث حذيفة فيما أخرجه البخاري ومسلم، في صحيحيهما، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال: "كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال: نعم.قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن. قلت وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت يا رسول الله: صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا. قلت فماذا تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال: فاعتزل تلك الفرقَ كلَّها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك "[64]

وفي هذا الحديث دلالة على استمرار وجود الجماعة وإمامهم، رغم غلبة الشر.