|
|
|
المنهج السعودي الإسلامي في الحسبة |
|
الدكتور محمد مصطفى أبوه الشنقيطي |
|
أستاذ مشارك بكلية الشريعة الجامعة الإسلامية |
|
|
|
مقدمه |
|
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم
الدين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، والمبعوث رحمة
للعالمين، سيدنا ونبينا، محمد وعلى آله وصحابته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم
الدين. |
|
أما بعد: فإن الله أرسل الرسل، وأنزل معهم الكتاب
والميزان، ليقوم الناس بالقسط. لتتحقق المصلحة للإنسان، وتندفع عنه المفسدة في
حال انفراده، وحال اجتماعه؛ لأن الإنسان مدنيّ بالطبع، فإذا اجتمع ببني جنسه فلا
بد لهم من أمور يفعلونها يجلبون بها المصلحة، وأمور يجتبونها لما فيها من
المفسدة، ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد وللناهي عن تلك المفاسد.. فإذا كان لابد من طاعة آمر، وناه، فمعلوم أن دخول المرء في
طاعة الله ورسوله خير له. |
|
لذا كانت كل الولايات راجعة في مآلها إلي
الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية[1]:
"إذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر، ونهي فالأمر الذي بعث الله
رسوله به هو الأمر بالمعروف، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر" وهذا
نعت النبي صلى الله عليم وسلم والمؤمنين. قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}[2]. |
|
وقد وصف الله تعالى هذه الأمة بأنها آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، قال
تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ
أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}[3] ومما ذم الله به بني إسرائيل أنهم {كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ
فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}[4]حملاً لهذه الأمة على ترك هذه الصورة التي
استحقت اللعن والطرد من رحمة الله. |
|
والمعروف الذي أمرنا به،
والمنكر الذي نهينا عنه يشمل كل نواحي الحياة. وهذا يعني دوام الحراسة، والرعاية
لكل جانب من جوانب المجتمع، لئلا يتطرق إليه الخلل في أي حق من الحقوق؛ سواء كان
حقا لله تعالى، أو للآدميين، أو ما كان حقاً مشتركاً، ويعني كذلك سدَّ ذرائع الفساد
المتوقع في كل ذلك حماية للمجتمع وصيانة للجماعة. |
|
لذا نص العلماء على أن المحتسب يأمر بالجمعة،
والجماعات، وأداء الأمانات، وينهى عن المنكرات من الكذب، والخيانة، وما يدخل في
ذلك من تطفيف المكيال، والميزان، والغش، في الصناعات، والديانات، ونحو ذلك. |
|
وعندما تلتقي الحركة الإصلاحية بالقوة العسكرية
يُحمل الناس بعصا الغلب على مقتضى النظر الشرعي في كل
مجال، بدءاً بالعقيدة، ثم العبادة، والأخلاق، والآداب العامة؛ مثال ذلك الدعوة
السلفية التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعضَّدها بلا حدود الإمام محمد
بن سعود رحمهما الله التي لم تلبث إلا قليلا حتى آتت
أكلها بإذن ربها وتحولت منطقة وسط الجزيرة أولاً في سنين قليلة إلى دولة موحدة
بعد أن كانت قبائل متناحرة. ثم اتسعت لتعم أغلب جزيرة
العرب بعد أن عمها الفساد أو كاد. |
|
إذ أتى الناس كل باب من أبواب الشرك في نجد، وفي غيرها، وكثر الاعتقاد
في الأشجار، والأحجار، والقبور، وعم البناء عليها، والتبرك بها، والنذر لها،
والاستعانة بالجن، والنذر لهم، والحلف بغير الله، إضافة إلى اضطراب أمن الناس،
وذهاب نفوس وأموال ظلماً وعدواناً[5]. |
|
وقد أحيت الدعوة السلفية ما اندرس من الخطط
الشرعية (ومنها الحسبة) حيث اتصل العمل بها من لدن تعاضد الدولة والدعوة في الدرعية، وعندما فترت قوة الدولة في بعض أطوارها، بقي أثر
الدعوة في النفوس، وكان المحتسبون المتطوعون يقومون بذلك من تلقاء
أنفسهم، إلى أن استعاد الملك عبد العزيز الرياض سنة 1319هـ فصيرها ولاية سلطانية،
مراعياً بذلك اختلاف الظروف، والأعراف، والأحوال بين مناطق المملكة المتسعة
الأرجاء. |
|
وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مظهر من مظاهر الحسبة وليست هي
الإدارة الوحيدة التي أنيط بها القيام بالاحتساب بمعناه العام الذي فصله
الفقهاء، ومصالح المجتمع المعاصر وأعماله أوسع من أن تحيط بالحسبة فيه إدارة
واحدة إذ لابد للقيام بالأمر، والنهي في هذا المجتمع الحديث ذوو الاختصاص في
جوانب عديدة ولا ينحصرون في مصلحة حكومية واحدة ذلك بأن دقة التخصص تضمن عدم
تنازع الاختصاص، مما يؤدي إلى حسن المتابعة، وإحكام العمل لمواجهة ما طرأ على
المجتمع من تطور كبير. |
|
من أجل ذلك تتوزع اختصاصات الحسبة على الإدارات
المختلفة في المملكة إذ أخذت بكل أسباب التطور في كل جانب ومن ذلك أسلوب
الإدارة، وتسيير مصالح الرعية، مع طرح ما يعارض تعاليم الشريعة. |
|
وسأحاول في الصفحات التالية إماطة اللثام عن بعض الجهود التي قام بها
مؤسسو هذه الدولة لإحياء خطة الحسبة من أيامها الأولى في الدرعية
لتأسيس كيان يقوم على أساس راسخ يرتكز على أحكام الشريعة في كل ما تصدر عنه
الدولة أو تنشئه من النظم. ولا أزعم أني سآتي على كل
ذلك؛ لتشعب الموضوع، واتساع مجالات النظر فيه إذ يمكن للباحث أن يستقل بجزئية
منه. لكني سأقيم البرهان بإشارات تاريخية، ولمع مما
وجدته مبثوثاً في سير أئمة الدولة والدعوة منذ التقائهما
سنة 1157هـ حتى هذا اليوم على قيام مؤسسات الدولة وفق أحكام الشريعة. |
|
وما الحسبة إلا وجه واحد من الوجوه التي تبين
هذا المعنى وتقيم الدليل على أن المملكة العربية السعودية حملت لواء تطبيق
الشريعة في هذا الزمان وأبانت للناس كيف أنه يمكن أن تنظم مؤسسات الدولة العصرية
أحسن ما يكون التنظيم بناء على المبادئ الشرعية حتى غدت مثالاً يحتذى. |
|
وسأقدم لذلك بتوطئة أذكر فيها جملا من علم
الحسبة، ومكانتها، واهتمام العلماء بها. وأقدم كل ذلك مختصراً؛ لأنه مبسوط،
ومجموع في محله، فأكتفي بالدلالة عليه؛ والتذكير به، لأن الغرض ليس دراسة الحسبة
من حيث هي علم بل الغرض التنبيه على أن الحسبة ولاية دينية أحياها، وأبرزها في
الناس أئمة الدولة السعودية بعد أن كادت تنسى. |
|
وجعلت البحث في هذا الموضوع فصلين؛ في الفصل الأول
أتناول معنى الحسبة لغة، واصطلاحاً، في المطلب الأول، وفي المطلب الثاني أتناول
مشروعيتها، وفي المطلب الثالث أذكر حكمها والأدلة عليها من الكتاب والسنة. |
|
أما الفصل الثاني فقسمته إلى أربعة مطالب؛
ذكرت في الأول منها الحسبة في الدولة السعودية الأولى، وقدمت لذلك بإشارة موجزة
إلى الحال التي تردى إليها أهل الجزيرة في النصف الأول من القرن الثاني عشر
الهجري ثم كيف كانت الحسبة قبيل قيام الدولة السعودية الأولى وبعد قيامها. |
|
وفي المطلب الثاني أبين –باختصار- كيف استعاد الإمام تركي بن عبدالله الدولة، والحسبة، ومن بعده خلفه الإمام فيصل، إلى
انتهاء الدور الثاني. |
|
وفي المطلب الثالث أشير باختصار إلى نجاح الملك عبد العزيز بن عبدالرحمن الفيصل في إنشاء دولة عزيزة المكانة، مرهوبة
الجانب، وكيف نظمت فيها الحسبة وفق أسس الإدارة الحديثة، مع الاحتفاظ بالأصول،
والقواعد التي بنيت عليها الشريعة (ومنها الحسبة) وذلك من خلال دراسة هيئة الأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي المطلب الأخير أتناول التعريف بالنظم،
والإدارات التي تطبق هذه النظم التي كانت تدخل في اختصاص المحتسب. |
|
وغني عن البيان أن الحديث
عن النظام الإسلامي السعودي في الحسبة ذو شجون؛ يمكن أن يتناول فيه الباحث
تفاصيل علم الحسبة من جهة، وتفاصيل جهود أئمة الدولة السعودية –في أدوارها
الثلاثة- من جهة أخرى، فيطول البحث في ذلك. لذا رأيت أن أكتفي بالإشارة إلى جمل من هذا، وذاك. ليكون فيما ذكر دلالة على مالم يذكر. |
|
أسأل الله التوفيق والسداد. |
|
|
|
الفصل الأول:
في معنى الحسبة ومشروعيتها وحكمها |
|
وفيه ثلاثة مطالب: |
|
المطلب الأول: معنى
الحسبة لغة وشرعاً. |
|
المطلب الثاني: مشروعيتها. |
|
المطلب الثالث: حكمها. |
|
المطلب الأول: معنى الحسبة
لغة واصطلاحاً |
|
تعريف الحسبة لغة |
|
الحسبة (بكسر الحاء) مصدر احتسابك الأجر على
الله. تقول فعلته حسبة وأحتسب فيه احتساباً. ومن معانيها في اللغة ما يأتي[6]: |
|
الأول: طلب الأجر
|
|
وورد هذا المعنى في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليم وسلم قال: "من صام رمضان إيماناً، واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"[7]. |
|
ومنها ما رواه صلى الله عليم وسلم - عن ربه تعالى أنه قال: "ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل
الدنيا، ثم احتسبنا إلا الجنة"
[8]. |
|
الثاني: الاختبار |
|
يقال احتسبت فلاناً اختبرت ما عنده، والنساء يحتسبن ما عند الرجال لهن
أي يختبرن[9]. |
|
الثالث: الإنكار |
|
يقال أحتسب فلان على فلان أنكر عليه قبيح عمله[10]. |
|
الرابع: الظن |
|
وقد جاء هذا المعنى في القرآن الكريم، فمن هذه الآيات قوله تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ
مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}[11]. |
|
وقال تعالى: {وَبَدَا
لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ}[12]. |
|
وقال أيضاً: {فَأَتَاهُمُ
اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا}[13] ذكر ذلك صاحب محيط المحيط[14]. |
|
الخامس: العدّ والحساب |
|
فالحسبة اسم من الاحتساب كالعدة من الاعتداد والاحتساب في الأعمال
الصالحات وعند المكروهات وهو البدار إلى طلب الأجر
وتحصيله بالتسليم والصبر[15]. |
|
السادس: الاكتفاء |
|
ويقال فلان حسن الحسبة إلى الكفاية والتقدير[16]. |
|
تعريف الحسبة في الاصطلاح:- |
|
عرّف العلماء الحسبة بعدة تعريفات: نذكر منها تعريف كل من الإمامين أبي
يعلى الفراء، والماوردي حيث قالا فيه: "الحسبة:
هي أمر بالمعروف إذ ظهر تركه، ونهى عن المنكر إذ ظهر فعله[17]". |
|
- والمعروف هو: كل ما يحسن في الشرع. |
|
- والمنكر هو: ما ليس فيه رضا الله من قول أو فعل[18]. |
|
إذن فحقيقة الاحتساب حسب هذين التعريفين هي (الأمر بالمعروف إذا تركه
الناس، والنهي عن المنكر، إذا ظهر فعله بين الناس) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: |
|
وأما المحتسب فله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما ليس من خصائص
الولاة، والقضاة وأهل الديوان ونحوهم[19].
فكأنه عرَّفها ببيان عمل المحتسب. |
|
وعرفها ابن الاخوة حيث قال: "هي أمر
بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله، واصلاح
بين الناس[20]". |
|
وهذا التعريف في بدايته كالتعريف السابق، إلا أنه لما ذَكَرَ الجملة
الأخيرة وهي قوله (وإصلاح بين الناس) كأنه عطف الخاص على العام، لأن الإصلاح بين
الناس يدخل في الأمر بالمعروف، فأصبح التعريف طويلا، ومعلوم أن التعاريف يجب أن تكون مختصرة ومن ثم جامعة ومانعة. |
|
وعرفها الغزالي حيث قال "الحسبة عبارة عن المنع عن المنكر لحق
الله، صيانة للممنوع عن مقارفة المنكر"
[21]. |
|
وعرَّفها ابن خلدون[22]
في مقدمته حيث قال: "هي وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر". |
|
وعرفها في كشف الظنون[23]
بأنها "علم باحث عن الأمور الجارية بين أهل البلد من معاملاتهم
اللاتي لا يتم التمدن بدونها، من حيث إجراؤها على
قانون العدل، بحيث يتم التراضي بين المتعاملين، وعن سياسة العباد، بنهي عن
المنكر وأمر بالمعروف بحيث لايؤدي إلى مشاجرات وتناحر
بين العباد، بحسب ما رآه الخليفة من الزجر والمنع، مبادئه بعضها فقهي، وبعضها
أمور استحسانية ناشئة عن رأي الخليفة. |
|
وعرفها الكتاني بقوله: الحسبة اسمُ منصبٍ في الدولة الإسلامية كان صاحبه
بمنزلة مراقب للتجارة وأرباب الحرف[24]. |
|
وعرفها المراغي بقوله: |
|
"الحسبة مشارفة السوق والنظر في مكاييله وموازينه، ومنع الغش
والتدليس فيما يباع ويشترى من مأكول ومصنوع، ورفع الضرر عن الطريق بدفع الحرج عن
السابلة من الغادين، والرائحين، وتنظيف الشوارع، والحارات والأزقة، إلى نحو ذلك
من الوظائف التي تقوم بها الآن المجالس البلدية، ومفتشو الصحة، ومفتشو الطب
البيطري، ومصلحة المكاييل والموازين، وقلم المرور، ورجال الشرطة الموكول إليهم
المحافظة على الآداب العامة، إلى غير ذلك"
[25].
|
|
والتعريف الراجح في نظري - والله أعلم - هو التعريف الأول لما يلي: |
|
- لأنه تعريف جامع حيث تطرق لمن يقوم بالاحتساب التطوعي والولائي. ومانع لأنه بيَّنَ زمن
الأمر بالمعروف، وزمن النهي عن المنكر. |
|
- بالإضافة إلى أنه اشتمل
على قطبي التعريف وهما: المعروف، والمنكر. فالحسبة إما
أن تكون بالأمر بالمعروف، أو النهي عن المنكر، ولا ثالث لهما. وهذا التعريف
أيضاً يوافق ما ورد في القرآن الكريم حيث قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى
الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}[26]. |
|
وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}[27]. |
|
إلا أنه في الحقيقة يمكن صياغة هذه التعريفات في
تعريف واحد، ويصبح التعريف المختار هو أن الحسبة هي: |
|
(أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله، مما ليس من
خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم)[28].
فهي إذاً من باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر،
والفقهاء يسمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر احتساباً، وحسبة، مادام القائم
به يفعله ابتغاء مرضاة الله وما عنده من الثواب. |
|
|
|
المطلب الثاني |
|
مما لاشك فيه أن القيام بالحسبة بين المسلمين واجب
شرعي، جاءت به نصوص الكتاب، والسنة، وأجمع عليه العلماء، والأدلة كثيرة من
القرآن الكريم تدل على مشروعية الحسبة منها:- |
|
قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ
مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}[29]، فجاءت مهمة الأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر، أصلا شرعيا يعد من مقومات الأمة الإسلامية، وتقوم به طائفة منها ويأثم
بالتقاعس عنه[30].
|
|
وقوله تعالى: {لُعِنَ
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ
مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ
كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ
مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}[31]. |
|
قال الإمام الشوكاني رحمه الله في تفسيره هذه
الآية: لأن من أخل بواجب النهي عن المنكر فقد عصى الله
سبحانه وتعدى حدوده. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية[32]. |
|
وقال تعالى: {كُنْتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}[33]. |
|
ومما يؤكد هذا أيضاً ما بيَّنه صلى الله عليم وسلم أن من صفات خير الناس
أنه آمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر. فعن دُرًّة
بنت أبي لهب رضي الله عنها قالت: قام رجل إلى النبي صلى الله عليم وسلم وهو على
المنبر فقال يا رسول الله: "أي الناس خير ؟ قال: خير الناس أقرأهم وأتقاهم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم"[34]. |
|
والله قد جعل عدم القيام بها من الصفات البارزة لأهل النفاق
. يقول تبارك وتعالى: { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ
بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمَعْرُوفِ...}[35] الآية. |
|
فكأنهم باتصافهم بهذا العمل يضادون به ما نعت
به المؤمنون، وقد تقدم أن المؤمنين يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. جاء على
لسان لقمان الحكيم وهو يوصي ابنه قال تعالى على لسان لقمان {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ
وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا
أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}[36] الآية. |
|
وبين سبحانه وتعالى أن إقامة الحسبة في المجتمع هي من أسباب النصر،
والتمكين حيث يقول تعالى { وَلَيَنْصُرَنَّ
اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ
مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا
بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}[37]. |
|
والقيام بالحسبة من أوصاف سيد المرسلين صلى الله عليم وسلم، قال تعالى
في محكم كتابه: { الَّذِينَ
يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً
عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ
عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي
كَانَتْ عَلَيْهِمْ[38]...}[39]. |
|
قال ابن كثير في تفسير القرآن العظيم: "وهذه صفة محمد صلى الله
عليم وسلم في كتب الأنبياء بشَّرُوا أممهم ببعثه، وأمروهم بمتابعته ولم
تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم"[40]. |
|
والقيام بالحسبة من صفات[41]
المؤمنين؛ فقد ذكر الله في كتابه العزيز أنَّ من صفات المؤمنين القيام
بالحسبة، يقول عز وجل: {التَّائِبُونَ
الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ[42]
الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ
الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}[43] وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}[44]. |
|
الأدلة من السنة |
|
مما لا شك فيه أن السّنة حافلة بأقواله صلى الله عليم وسلم وأفعاله،
وممارسته اليومية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوجيهه لأصحابه، ومن هذه
الأحاديث ما يلي: |
|
الحديث الطويل الذي رواه مسلم أن النبي صلى الله عليم وسلم قال: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستط |