طباعة

 توثيق النص

 

 

 

جهود الملك عبد العزيز في نشر التعليم العام بالمدينة النبوية

دراسة تاريخية

إعـداد صالح بن عبد الله البركات الغامدي

الأستاذ المساعد في كلية الدعوة وأصول الدين

 

 
المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره،ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:

فتعدُّ المدينة النبوية مركزاً هاماً في تاريخ التربية والتعليم في العالم الإسلامي، كيف لا؟ وهي المدرسة التي أسسها الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته، فأصبحت مركزاً للعلم تخرج فيه العلماء والفقهاء والقادة، حيث انتشروا رسلاً للعلم في بقاع المعمورة كافة فنوّروها بنشر رسالة التوحيد.

ولم يمض عصر إلا وقد كانت هذه البقعة معمورة بأهل العلم والتقوى.

وتعتبر الفترة منذ دخول المدينة النبوية العهد السعودي الزاهر سنة 1343هـ وحتى وفاة الملك عبد العزيز يرحمه الله سنة 1373هـ فترة مهمة للتطور الهائل الذي تحقق للتربية والتعليم في المدينة، بتوفر الإمكانات والوسائل نتيجة للاهتمام الكبير الذي تُوليه الدولة للعلم وطلابه، فهي مرحلة تستحق الدراسة لنتمكن من تتبع ذلك التطور التعليمي والمتغيرات التي لحقت به.

 

الهدف من البحث

 لقد قام التعليم العام ـ النظامي أو الحكومي ـ خلال هذه الفترة بدور بارز في تطور حركة التعليم لأنه يمثل أسس النهضة التعليمية الحديثة في بلادنا. ولذا جاء هذا البحث محاولة متواضعة للتعريف باهتمام الملك المؤسس ـ يرحمه الله ـ بالعلم والتعليم، وإيضاح جهوده الخيرة في نشره من خلال الحديث عن وضع أصول التعليم الحكومي في المملكة الحجازية عامة وفي المدينة النبوية خاصة، وما لحق ذلك من وضع القواعد الأساسية لحركة التعليم في المملكة بعد توحيدها وذلك للاستفادة في إلقاء الضوء على بعض مظاهر النهضة التعليمية العامة في المدينة. والهدف من هذا البحث هو إبراز حالة التعليم العام الذي شهدته المدينة في تلك الفترة وذلك من خلال التتبع التاريخي لنشأة التعليم في المدينة حتى عام 1373هـ. مع مراعاة التسلسل الزمني للأحداث دون التركيز على الجانب التربوي، لأن ذلك خارج عن موضوع البحث.

 

حدود الدراسة

وحيث لا يتسع المجال لتشخيص كل ما يتعلق بالتعليم في المدينة في هذا العهد المبارك، فقد وضعت للبحث حدوداً زمانية وحدوداً مكانية ؛ فاقتصر على الفترة المحددة من سنة 1343هـ إلى مطلع سنة 1373هـ. كما اقتصر على المدينة النبوية : مدينة،وليس محافظة أو منطقة تعليمية أو إدارية.

واقتصر على التعليم العام دون التعليم الخاص أو دور المسجد النبوي في الحركة الثقافية للمجتمع المدنـي، لأن كلاً منهما يستحق دراسة مستقلة.

وقد عُنيت بتراجم الأعلام الواردة في البحث، لاعتقادي أن ذكر علوم الرجال ومعالم حياتهم مدارس للأجيال، واستشعاراً للواجب تجاه هؤلاء العلماء بحفظ تاريخهم بالترجمة لهم خدمة لدينهم وإحياء لذكرهم.

وقد جعلته في مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة:

المبحث الأول: اهتمام الملك عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ بالتعليم وحرصه على نشره.

المبحث الثاني: لمحة تاريخية عن نشأة مديرية المعارف في الحجاز وتطورها، وظهور نظام التعليم العام.

أولاً: نشأة مجلس المعارف وتطوره.

ثانياً: الهيئة الإدارية واختصاصها.

ثالثاً: هيئة التفتيش واختصاصها.

رابعاً: مكتب المعارف.

خامساً: نبذة عن نظام التعليم وتطوره في الحجاز في عهد الملك عبد العزيز.

المبحث الثالث: إنجازات مديرية المعارف في المدينة.

أولاً: معتمدية مديرية المعارف في المدينة.

ثانياً: مدارس المرحلة الابتدائية التابعة لمديرية المعارف:

 أ/ المرحلة الأولى: التحضيرية: ومدارسها:

1) المدرسة التحضيرية الأولى

2) المدرسة التحضيرية الثانية

3) مدرسة قباء التحضيرية

4) مدرسة الجرف التحضيرية

5) مدرسة العوالي التحضيرية.

 ب/ المرحلة الثانية: الابتدائية: ومدارسها:

1ـ المدرسة الناصرية.

2ـ المدرسة المنصورية.

3ـ مدرسة النجاح النموذجية.

4ـ مدرسة أبيّ بن كعب لتحفيظ القرآن الكريم‏.

5ـ المدرسة السعودية الابتدائية بقباء.

6ـ المدرسة السعودية الابتدائية بالقبلتين.

7ـ المدرسة السعودية الابتدائية بذي الحليفة.

8ـ مدرسة الحسين بن علي.

9ـ مدرسة حمزة بن عبد المطلب.

10ـ مدرسة صقر الجزيرة.

11ـ المدرسة الفيصلية.

12ـ المدرسة المحمدية.

 جـ/ المرحلة المتوسطة والثانوية:

1ـ مدرسة طيبة الثانوية.

2ـ المعهد العلمي السعودي بالمدينة المنورة.

 

الخاتـمة.

ومن المعلوم أن يكون لكل بحث ظروف معينة، ويقابل الباحث عقبات ومشكلات معينة أيضاً، فالمشكلة الرئيسية التي واجهتني في هذا البحث هي عدم وجود مادة تاريخية لأكثر المدارس الأولى التي أسست في عهد مديرية المعارف في المدينة. وعدم وضوح التقسيم النوعي والكمي للمدارس التحضيرية والابتدائية والقروية بدرجة كافية، فضلاً عن أن جميع المصادر والمراجع لم تهتم بذلك التقسيم، وإنما قدمت إحصائيات لأعداد المدارس ونموها. وسيجد القارىء فجوات خلال البحث لم أستطع ملأها لندرة المادة العلمية التي تفي بالغرض،وأحسب أنني بذلت جهدي وقدمت عرضاً شاملاً لتاريخ التعليم العام في المدينة خلال فترة البحث.

ولا يسعني هنا إلا أن أقدم شكري إلى كل من تعاون معي في إخراج هذا البحث، وأخص بالذكر منهم: فضيلة عميد شئون المكتبات بالجامعة الإسلامية، وفضيلة مدير الإدارة بالعمادة، ومدراء المدارس الذين أفادونـي في جمع شيء من مادة البحث. كما أشكر كل من ورد اسمه في هذا البحث وقدم لي فائدة علمية خطية أو شفهية.

وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم ومنّ علينا بالتوفيق والسداد. والحمد لله رب العالمين.

المؤلف:

في 20/ 12/ 1418هـ.

 
المبحث الأول
اهتمام الملك عبد العزيز رحمه الله بالتعليم،وحرصه على نشره

 كان الملك عبد العزيز - يرحمه الله - على نهج سلفه في تبني العقيدة السلفية والذود عنها وحمايتها وتأييدها بالمال والرجال والنفس [1] .

(وكم كان ـ يرحمه الله ـ وهو في مقام القوة يشرح للرعية أنه على منهج السلف الصالح في العقيدة، وأنه يعتقد أن أصل الدين كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، فهم السلف الصالح، ثم الأئمة الأربعة من بعدهم المقتدى بهم عند جميع المسلمين من أهل السنة حيث لا خلاف بينهم في أصل الدين من توحيد الله تعالى في ربوبيته وفي ألوهيته وأسمائه وصفاته، وما بينهم من اختلاف فهو في الفروع، وما ذاك إلا من حرصهم على التمسك بالكتاب والسنة واستخراج معانيها كل منهم على قدر ما آتاه الله من الفهم والعلم والفقه في الدين،وكلهم إن شاء الله على حق ومن حذا حذوهم وسلك طريقهم)[2] .

وكان يدافع عنها في خطبه الارتجالية التي كان يلقيها، ومن ذلك ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ قوله في حفلة مع العلماء( أشاع الترك الشيء الكثير عن عقائدنا، وشنّعوا عليها من قبل، وكذلك فعل من جاء بعدهم. وبلغني أنهم قالوا في جملة ما كذبوه عنا أننا لا نصلي على محمد صلى الله عليه وسلم وأننا نعد الصلاة عليه شركاً بالله، نعوذ بالله من ذلك ! أو ليست الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم ركناً من أركان الصلاة، وأنها لا تتم بغيرها ؟ ..)[3]

وقال في خطبة له بمكة (يسموننا بالوهابيين، ويسمون مذهبنا بالوهابي، باعتبار أنه مذهب خاص. وهذا خطأ فاحش، نشأ عن الدعاية الكاذبة التي كان يبثها أهل الأغراض. ونحن لسنا أصحاب مذهب جديد، أو عقيدة جديدة، ولم يأت محمد بن عبد الوهاب بالجديد، فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه السلف الصالح)[4]

بل كان داعية ومعلماً لهذه العقيدة فقال في خطبة له: ( أنا داعية لعقيدة السلف الصالح، وعقيدة السلف الصالح هي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله وما جاء عن الخلفاء الراشدين. أما ما كان غير موجود فيها فأرجع فيها بشأنه إلى أقوال الأئمة الأربعة، فآخذ منها ما فيه صلاح المسلمين)[5]

وقد وصفه ابنـه البار خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز - يحفظه الله - بقوله: (إنه مربٍ كبير، ودائماً عندما نكون في حضرة الملك عبد العزيز يكون التركيز الأساسي هو كيف يوضح لنا مفهوم العقيدة الإسلامية.. فإن توجيهاته أو حديثه معنا كأبناء له ينصب على إيضاح مفهوم العقيدة الإسلامية إذا تمسك بها الإنسان أو تركها. وكان موجهاً عظيماً رحمه الله وحريصاً أن تؤدى الواجبات التي فرضها رب العزة والجلال علينا، لذلك أدى واجبه رحمة الله عليه من هذه الناحية وأوضح لنا الطرق والأساليب التي على أساسها يستطيع الإنسان أن يكيف نفسه ويكونها)[6] .

وقال - يحفظه الله - في كلمة ألقاها في حفل افتتاح المؤتمر العالمي عن تاريخ الملك عبد العزيز موضحاً اهتمام الملك عبد العزيز بالتعليم: ( إن تاريخ الملك عبد العزيز رحمه الله لم يكن تاريخ توحيد وتأسيس كيان كبير فحسب، بل كان تاريخ عطاء وبناء وتنمية على أسس علمية ومنهجية فنية تؤمن بالعلم، كما تؤمن بالإيمان،وتنطلق من الاهتمام بالإنسان والعناية به باعتباره العمود الفقري للتنمية والعطاء، فرغم ضآلة الدخل وضعف الاقتصاد العالمي وآثاره وانعكاساته على المملكة في ذلك الوقت، إلا أن التعليم كان في أول اهتمامات الملك عبد العزيز حيث جعله غاية واحدة تجسدت في الالتزام بتعاليم الشريعة سلوكاً ومنهاجاً،كما تجسدت في الاهتمام بالإنسان خُلُقياً ودنيوياً ابتغاء دفعه بطريقة واعية وحكيمة إلى تصور آثار التعليم وإيجابياته، ومن ثَمّ الإقبال الذاتي عليه. ومنذ ما يقرب من الستين سنة حضر رحمه الله تخرج دفعة من طلبة أحد المعاهد العلمية[7] فخاطبهم بوجدان الأب وحنانه قائلاً : إنهم أول ثمرة من الغرس الذي غرسه وأن عليهم أن يعرفوا قدر ما تلقوه من العلم، وأن يعلموا أن العلم بلا عمل كالشجر بلا ثمر، وأنّ العلم كما يكون عوناً لصاحبه يكون عليه، وأن من عمل به يكون عوناً له ومن لم يعمل به يكن عوناً عليه، وليس من يعلم كمن لا يعلم، وقليل من العلم يبارك فيه خير من كثير لا يبارك فيه، والبركة في العمل ... ثم قال رحمه الله مخاطباً تلك الغرسة الصاعدة:

لقد بعث صفوة الخلق محمد صلى الله عليه وسلم من العرب ونزل عليه أمين السماء في بلاد العرب بقرآن عربي غير ذي عوج، فليعرف قدر ذلك، وليحتفظ بديننا ولغتنا وبلادنا ونحبها حباً جماً ..

لقد كانت هذه الكلمات وتلك الغرسات انطلاقة كبيرة، ومنهاجاً علمياً، وركيزة أساسية لمئات الألوف من أبنائنا وبناتنا الذين يتسابقون اليوم إلى عشرات الجامعات والكليات وآلاف المدارس والمعاهد الفنية في هذه البلاد[8].

ولما كانت العقيدة الصحيحة هي العلم الذي يُبتغى ويُبذل في طلبه كل نفيس ـ إضافة إلى علوم الشريعة الأخرى والعلوم المساعدة على مواكبة العصر ـ اهتم يرحمه الله بالعلم والتعليم، وأولاه عناية خاصة في وقت مبكر منذ أن استقر له الأمر في الرياض بعد فتحها. وكان يعتبره من الأولويات التي لا تقبل التأخير، حيث كان ذواقاً للعلم، طالباً للمعرفة، محباً لهما،مقدراً أهميتهما رغم مشاغله الكثيرة[9] .

ولذا فقد اختار الشيخَ عبد الله[10] بن حسن آل الشيخ مقرئاً في مجلسه ومفتياً وواعظاً وإماماً في الصلاة، لأنه أراد لمجلسه أن يكون مجلس علم ومعرفة، ثم اختاره رئيساً للجنة المشرفة على التدريس وتنظيمه في المسجد الحرام سنة 1347هـ حين استتب له الأمر في الحجاز[11].

كان – يرحمه الله – يحب العلماء ويحترمهم ويجلسهم على مائدته الخاصة تكريماً لهم وتعظيماً. ( وكان يقدمهم على إخوانه وأبنائه وكبار جلسائه، ويصغي إلى آرائهم ويبالغ في إكرامهم، ولكبارهم هيبة في نفسه لا يصطنعها ولا يستعملها وهم يبادلونه هذه العاطفة النبيلة)[12] . وكان يعلي من شأنهم، فقد سمح للمفتشين بمديرية المعارف بركوب السيارات، وكان هذا الأمر شيئاً عظيماً، لأن السيارات في تلك الأيام لم يكن يتحصل عليها إلا الأمراء[13] .

ولم ينس - يرحمه الله - فضل أساتذته عليه، فقد علم أثناء زيارته للكويت عام 1354هـ (أن معلماً له كان يقرأ عليه القرآن في أيام طفولته موجود بها فاستدعاه، ولاطفه ومنحه ثلاثة آلاف روبية[14] ).

وقد حظي علماء المدينة منه بكريم عنايتة ورعايته وفائق احترامه وتقديره، لما شرفوا به من علم واسع ونصح وورع وزهد وعفّة، وما اتصفوا به من تتبع المناقب والابتعاد عن المثالب، وما عرفوا به من حبهم لهذه البلاد وقادتها، وحبهم في بنائها والدفاع عنها[15]. وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:

1 ـ فضيلة الشيخ محمد الأمين[16] الشنقيطي الجكني الذي نال تقدير وإعجاب أهل العلم والفضل في هذه البلاد وعلى رأسهم جلالة الملك عبد العزيز الذي أمر أن تمنح الجنسية السعودية لجميع من ينتمي إلى الشيخ إكراماً له وثقة به[17].

2ـ فضيلة الشيخ أبو بكر[18] بن عمر الداغستانـي قاضي بلدة ينبع البحر في عهد الملك عبد العزيز، وصاحب الثقة والمكانة المرموقة عند الحكومة وعند أهل المدينة على السواء، حتى إن أمير المدينة في ذلك العهد[19] كان يرشحه للأعمال المهمة والنافعة للوطن... وكان يوفد من قبل أهل المدينة لمقابلة جلالة الملك عبد العزيز في الرياض وفي مكة.

3ـ فضيلة الشيخ عمار[20] بن عبد الله بن طاهر الجزائري، الذي وصف احتفاء الملك عبد العزيز به وبتلاميذه عندما وصلوا إلى الحجاز، فقال: (وقد وجدت أنا ومن هاجر معي من التلاميذ من جلالة الملك المعظم إمام المسلمين الملك عبد العزيز آل سعود طيب الله ثراه، وأسكنه فراديس الجنان مع الصالحين الأبرار؛ وجدنا منه كل مساعدة وإكرام إلى أن وصلنا إلى المدينة المنورة في الخامس من ربيع الأول سنة 1354هـ)[21] .

 وبلغ حرصه على التعليم أنه كان يقوم بزيارات مفاجئة يتفقد فيها سير العمل بالمدارس، وفي إحدى زياراته لمدرسة الأمراء في الرياض اجتمع حوله التلاميذ، ولاحظ في ثوب أحدهم بقعة كبيرة من الحبر يحاول إخفاءها،فقال له: لا تخفها هذا عطر المتعلمين[22] .

ومما يدل على مقدار اهتمامه بالتعليم ورغبته الجادة الصادقة في نشر العلم ( أنه في الأيام الأولى من دخوله مكة تم عقد أول اجتماع تعليمي حينما دعا في جمادى الأولى من عام 1343هـ 1924م العلماء في مكة إلى اجتماع عام حثهم فيه على نشر العلم والتعليم وعلى تنظيم التوسع فيه[23] ). ووجه – يرحمه الله - جهوده إلى بث الروح الدينية في النفوس وتثبيت العقيدة الصحيحة والتوحيد الخالص في قلوب النشء، وانشأ المدارس والمعاهد بمختلف مراحلها في المدن ومعظم القرى، واستقدم لها بعض الأساتذة الأكفاء من مصر، وأمر بتوفير الكتب الدينية وطباعتها على حسابه الخاص، وتوزيعها على طلاب العلم في جميع المناطق، ورتب المخصصات للعلماء والمدرسين والوعاظ والمرشدين، ومنح المكافآت لطلاب العلم تشجيعاً لهم على المثابرة على طلب العلم، وصار يبعث البعوث إلى الخارج وينفق عليهم بسخاء، وعمل على تعضيد بعض أهل العلم على تأسيس وإنهاض المدارس الأهلية بمختلف الوسائل، فانتشر العلم برعايته في طول البلاد وعرضها، وأخذت تتبوأ مركزها بين الأمم، وأدرك الناس ثمرة العلم فأصبح الشباب يتهافت على طلبه، ويبذل المساعي للالتحاق بالبعثات الخارجية بجد واجتهاد، بعد أن كان يساق إليه سوقاً[24] .

وفي سنة 1344هـ زار بنفسه مدرسة الفلاح والمدرسة الفخرية بمكة، وتبرع لكل منهما بمعونة مالية، فكانت تلك التفاتة كريمة منه - يرحمه الله -شجعت المحسنين المتنورين في افتتاح مدارس أهلية أخرى في غير مكة من مدن المملكة مساهمة في نشر التعليم[25] .

لقد أدرك ـ يرحمه الله ـ جهل الناس بحقيقة الاختلاف بين أئمة المذاهب الإسلامية الأربعة، وعدم علمهم (أنه ليس أحد منهم يتعمد مخالفة رسول صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته، دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى أن كل واحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم،ولكن إذا وجد لأحد قول، قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له من عذر في تركه، فهو إما أنه لا يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، أو أنه لا يعتقد إرادة تلك المسألة بذلك القول، أو أنه يعتقد أن ذلك الحكم منسوخ.

أما إذا ترك أحد منهم الحديث، فلا بدّمن وجود سبب في تركه، فهو إما أن الحديث لم يبلغه، أو أنه قد بلغه ولكن لم يثبت عنده، أو أنه اعتقد ضعفه باجتهاد قد خالفه فيه غيره، أو أنه التزم شروطاً خاصة في الأخذ به يخالفه فيها غيره، أو أنه قد بلغه ولكن نسيه، أو عدم المعرفة بدلالته...)[26] .

ورأى ـ يرحمه الله ـ جهل الناس بنـزاهة مقصد هؤلاء الأئمة، وبخدمتهم لهذا الدين خدمة عظيمة؛ فقد بذلوا جهدهم وكل ما في وسعهم في استنباط الأحكام الشرعية، ولا هدف لهم إلا إصابة الحق وإرضاء الله جل شأنه، ونهوا الناس عن التقليد، ودعوهم إلى الأخذ بالدليل، وبما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم،وتبرؤوا عن رأيهم إذا خالفه[27] .

ورأى ما ترتب على هذا الجهل من تعصب وتقليد أعمى لمذهب بعينه في ما ارتآه صاحب المذهب وإن ضعف دليله، ومناوأة ما يعارضه وإن قوي دليله. فتركوا التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذهبت قدسية الحق وحُجب نوره، وتطور الأمر إلى الصراع بين أتباع المذاهب وأدى هذا إلى النيل من الأئمة مع أنهم معذورون، وتفرقت الأمة شيعاً، وانتهى بها إلى تعصب مقيت لم يعرفه سلفنا الصالح ولا الأئمة المجتهدون أنفسهم[28] . ولذلك أمر ـ يرحمه الله ـ رجال التعليم في هذه البلاد أن يهتموا بتدريس الفقه المقارن دراسة تغوص وراء أدلة الفقهاء حتى يتبين الرأي الراجح بالدليل ليمكن الأخذ به، وقطع الجدل من حوله. مع التركيز على فقه الإمام أحمد، ( لأنه يُعنى بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من غيره من الأئمة )[29] .

وقد ظهر هذا التوجه الصحيح للملك عبد العزيز - يرحمه الله - من خلال رده على طلب عبد الظاهر أبو السمح[30] تأسيس مدرسة دار الحديث المكية سنة 1352هـ حيث جاء فيه قوله (…فإذا كان المدرسة التي تريدون فتحها أنه يُعَلَّم فيها الحديث والفقه وبالأخص فقه الإمام أحمد وعدم الإعابة على أحد من الأئمة فهذا نحن ممنونين فيه ونوافق عليه، فإن كان تخشى أن يصير اعتراض أو كلام يشوش الأمة كلها فهذا لا فائدة فيه، فأنت يجب عليك أن تتراجع مع الشيخ عبد الله[31] بن حسن في ذلك وتنظرون في الأصلح وتقررون قراراً اعتمد عليه، فبهذا تفتح المدرسة ونحن نساعد في كل شيء، نسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه الخير والسداد في الأقوال والأفعال، هذا ما يلزم بيانه، والله يحفظكم، والسلام. في 1 صفر1352هـ )[32] .

لقـد حظيت المدينـة النبويـة باهتمام المؤسس الموحد الملك عبد العزيز - يرحمه الله - منذ استلامها من الأشراف (يوم السبت التاسع عشر من شهر جمادى الأولى عام 1344هـ)[33]،وقد نبع هذا الاهتمام من المكانة الدينية والعلمية الرفيعة التي تحظى بها المدينة عند المسلمين على مرّ العصور والأزمان، فهي دار الهجرة وعاصمة الإسلام الأولى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم،وفي عهد خلفائه الراشدين، وهي الجامعة الأولى التي تعلم بها الصحابة رضي الله عنهم على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ولمـا كانت العقيدة الصحيحة أصل العلم والتعليم في هذه البلاد، فقد عمل – يرحمه الله - مع أهل المدينـة على إزالة البدع والخرافات التي كانت بها، حيث أصـدر علماؤها ومنهم مفتو المذاهب الأربعـة ـ أثناء زيارته الأولى لها سنة 1345هـ ـ فتوى لهـدم القباب المقامـة على الأضرحة، وهدم القبور العالية، وأصدروا فتوى حول آداب زيارة قـبر المصطفى صلى الله عليه وسلم تلغي البدع التي سادت من قبـل، وتقرر آداب الزيارة وفق منهج السنـة النبوية، وقـد وقع في الفتـاوى كـل مـن الشيخ إبراهيم[34] البري عن الحنفية، والشيخ زكي[35] برزنجي عن الشافعية، والشيخ حميدة[36]بن الطيب عن الحنبلية، والشيخ محمد صادق[37]العقبي عن المالكية[38].

إن لهذا العمل سمة تربوية وتعليمية تحكي مقـدار اهتمام الملك عبد العزيز – يرحمه الله – بأسس التربية والتعليم، ويبرز حقيقة مهمة وهي أن المنطلق الحقيقي لكل إصلاح وتقـدم في هذه البلاد يعتمد أساساً على نشر العلم الشرعي على أسس إسلامية متينة، والقضاء على الجهل والأمية قضاء مبرماً، ومن هذا المنطلق جاءت السياسة التعليمية محققة للآمال والطموحات التي أرادها - يرحمه الله - لشعبه[39].

لقد أكد - يرحمه الله - حرصه الشديد على أن تكون مناهج التعليم في هذه البلاد منبثقة من الإسلام الذي تدين به هذه الأمة عقيدة وعبادة وخلقاً وشريعة وحكماً ونظاماً متكاملاً للحياة، كما هو واضح في وثيقة تأسيس الإدارة العامة للمعارف في المملكة الحجازية والتي جاء فيها: (فرض الدقة والاعتناء بأصول الدين الحنيف في كافة المملكة الحجازية)[40] ولكنه في الوقت نفسه لم يهمل العلوم التجريبية والتطبيقية مثل الهندسة والجبر والكيمياء والفيزياء وغيرها، بل أكد عليها بصراحة ووضوح، وراعى التوازن بينها وبين العلوم النقلية الشرعية[41].

وكان أول منهج دراسي طبق في عهد الملك عبد العزيز سنة 1345هـ وأهم ما تميز به هذا المنهج الآتي:

1ـ العناية بالعلوم الدينية حتى يتخرج الطالب متمسكاً بتعاليم دينه الحنيف.

2ـ الحرص على أن يتعلم الطالب القدر الكافي من العلوم التي تمكنه من خدمة وطنه.

3ـ التأكيد على تنمية الروح العربية الإسلامية.

4ـ الحرص على العقيدة الإسلامية، والعناية بتنمية الاتجاهات الإيحابية وخاصة حب الوطن[42].

وارتبط هذا المنهج بالكتب الدراسية المقررة على الطلاب، فدرس طلاب المرحلة التحضيرية كتاب العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية بدلاً من السنوسية والجوهرة للباقلانـي والرسالة لمحمد عبده[43]، وكذا كتاب شروط الصلاة، ومختصر بلوغ المرام. ودرس طلاب السنة الثالثة الابتدائية كتاب كشف الشبهات بتمامه في عام 1349 وكان يعتمد على كتاب لمعة الاعتقاد في التوحيد وكتاب العمدة في الفقه في ظل منهاج عام 1355هـ[44]. وهذا يدل على التعديل الكبير الذي أحدثه الملك عبد العزيز - يرحمه الله - على المناهج المقررة في المدارس التي كانت موجودة في العهد الهاشمي وخاصة فيما يتعلق بدراسة التوحيد والعقيدة[45].

ثم سار على هذا المنهج القويم أبناؤه البررة من بعده وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين - يحفظه الله - الذي كان أول وزير للمعارف سنة 1373هـ، وتجلى ذلك للعيان في وثيقة (سياسة التعليم في المملكة) الصادرة عام 1390هـ (والتي تضم 236 مادة تشمل الأسس العامة التي يقوم عليها التعليم في المملكة وغايته وأهدافه العامة، ومراحل التعليم والتخطيط لها، ووسائل التربية والتعليم والأجهزة القائمة على التعليم[46]).

فقد نصت المادة (232) على (أن التعليم بكافة أنواعه ومراحله وأجهزته ووسائله يعمل لتحقيق الأغراض الإسلامية، ويخضع لأحكام الإسلام ومقتضياته، ويسعى إلى إصلاح الفرد والنهوض بالمجتمع خلقياً وفكرياً واجتماعياً واقتصادياً)[47].

كما تنص المادة (18) من سياسة التعليم على بيان غايته وهي: (فهم الإسلام فهماً صحيحاً متكاملاً وغرس العقيدة الإسلامية ونشرها، وتزويد الطالب بالقيم والتعاليم الإسلامية، وبالمثل العليا، وإكسابه المعارف والمهارات المختلفة، وتنمية الاتجاهات السلوكية البناءة، وتطوير المجتمع اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وتهيئة الفرد ليكون عضواً نافعاً في بناء مجتمعه)[48].

 

المبحث الثانـي

 لمحة تاريخية عن نشأة مديرية المعارف في الحجاز وتطورها وظهور نظام التعليم العام

أدرك الملك عبد العزيز - يرحمه الله - بثاقب بصيرته وصائب نظره أن عظمة الأمم لا تقاس بكثافة سكانها ولا باتساع رقعة أرضها أو بكثرة مواردها وثرواتها، ولكن تقاس بقدرها وما وصلت إليه من تقدم وعلم وتفوق تقني، وبقدر ما تقدم للبشرية من معطيات حضارية، وبالتالي فإن تقدم ونهضة هذه البلاد ومواكبتها للعصر مرهونة بتطور التربية والتعليم فيها. فأكرم أهلها بإصدار المرسوم الملكي الخاص بقيام مديرية المعارف العامة غرة شهر رمضان سنة 1344هـ وبالتحديد بعد عام واحد من دخوله مكة المكرمة وهو لم يزل ملك الحجاز وسلطان نجد فقط بحيث لم يستكمل توحيد معظم شبه الجزيرة تحت راية سلطانه[49] .فكانت النواة الأولى لنظام التعليم الحديث في هذه البلاد فقد تقرر في صلاحيتها (الإشراف على جميع مدارس البلاد)[50] وبدأ التدريس في مدارسها في غرة محرم سنة 1345هـ[51] .

وكان إنشاء هذه المديرية قد سبق صدور التعليمات الأساسية التي صدرت في 21/2/1345هـ (1926م) وهي التعليمات التي وضعت نظام الحكم والإدارة[52] . وهذا يدل دلالة واضحة على أن الملك عبد العزيز - يرحمه الله - أراد أن يؤسس الدولة الحديثة على أساس علمي سليم، وتعليم وظيفي يتطلبه المجتمع السعودي الحديث. كما أن هذا يشير أيضاً إلى أن منهجه التربوي يقوم على أساس بناء القدرة المادية عن طريق القوة الفكرية المبنية على أساس علمي وتعليمي حديث[53].

وعندما صدرت هذه التعليمات قدمت في مادتها الثالثة والعشرين وثيقة تأسيس الإدارة العامة للمعارف في مملكة الحجاز وتنص على (نشر العلوم والمعارف والصنايع وافتتاح المكاتب والمدارس والمعاهد العلمية مع فرض الدقة والاعتناء بأصول الدين في كافة المملكة الحجازية وترتبط بالنيابة العامة)[54] . وهذا النص يظهر اهتمام الملك عبد العزيز بالعلوم النقلية الشرعية والعلوم التجريبية التطبيقية العقلية على حد سواء مع مراعاة التوازن بينها حتى لاتطغى ناحية على ناحية، وتحديد مسؤليات هذه الإدارة وربطها بجهة نائب الملك في الحجاز الذي كان في حينه الأمير فيصل بن عبد العزيز[55].

وعندما بدأ التدريس في مدارسها في غرة المحرم سنة 1345هـ لم يكن عدد مدارسها يزيد على اثنتي عشرة مدرسة أميرية وأهلية في العاصمة ـ مكة ـ وملحقاتها، ويبلغ عدد تلاميذها 700 طالب، وكانت موازنتها عند بدء تأسيسها عبارة عن 5665 جنيهاً أي 133300 ريال سعودي، ثم ارتفعت عام 1347هـ إلى 14791جنيهاً. وفي عام 1348هـ إلى 23140 [56] .

ووصلت ميزانيتها إلى أعلى رقم لها في آخر سنة لها 1373 في عهد الملك عبد العزيز - يرحمه الله - وهو عشرون مليون ريال سعودي، تقارب أربعة ملايين دولار ونصف المليون [57] .

ولما أعلن الملك عبد العزيز تأسيس المملكة العربية السعودية في 22/5/ 1351هـ ازداد توسع صلاحيات مديرية المعارف،(فلم تعد وظيفتها قاصرة على الإشراف على التعليم في الحجاز بل على جميع شؤون التعليم في المملكة جميعها، فيما عدا التعليم العسكري)[58] . وهكذا أصبحت المديرية مسؤولة عن نشر التعليم والإشراف عليه وإدارته .

 واستمرت على ذلك حتى تحولت إلى وزارة بتاريخ 18 ربيع الثانـي سنة 1373هـ حيث صدر مرسوم ملكي بتوقيع الملك سعود - يرحمه الله - يقضي بتأسيس وزارة المعارف في المملكـة واختياره الأمير فهد بن عبد العزيز - خادم الحرمين الشريفين يحفظه الله - وزيراً لها (لكي يتولى الشؤون المتعلقة بالمعارف والنهوض بالتعليم إلى المستوى اللائق بالبلاد )[59] .

وقد تولى إدارة مديرية المعارف منذ تأسيسها عدد من أبناء هـذه البلاد من ذوي الكفاءة والمعرفة،كان أولهم الشيخ صالح بن بكري شطا[60]،إلا أنه لم يستمر فيها أكثر من سنة، ثم حل محله على التعاقب:

الشيخ محمد كامل القصاب[61] من سنة 1345هـ حتى سنة 1346هـ

الشيخ محمد ماجد[62] الكردي من سنة 1346هـ حتى سنة 1347هـ

ثم الشيخ حافظ[63] وهبة من سنة 1347هـ حتى 1347هـ علاوة على وظيفته الأصلية كمستشار لجلالة الملك، وكان الشيخ محمد أمين فودة [64] معاوناً أول له ثم أصبح مديراً للمعارف من سنة 1347هـ حتى سنة 1352هـ حيث عُين رئيساً للقضاة.

 ثم الشيخ إبراهيم[65] الشورى من سنة 1352هـ حتى سنة 1354هـ

ثم الشيخ محمد طاهر[66] بن مسعود الدباغ من سنة 1355هـ حتى سنة 1364هـ

ثم الشيخ محمد[67] بن عبد العزيز بن مانع من سنة 1364هـ حتى سنة 1373هـ

أولاً: نشأة مجلس المعارف وتطوره

صدر الأمر الملكي الكريم رقم 7 في 27/1/1346هـ بالموافقة على نظام مجلس المعارف بتوصية من لجنة التفتيش والإصلاح التي شكلها الملك عبد العزيز - يرحمه الله - للنظر في أمور الجهاز الإداري والعمل على إصلاحها. واشتمل هذا النظام على تشكيل مجلس للمعارف مهمته الإشراف على شؤون التعليم ووضع الأنظمة الخاصة به، وأن يكون مؤلفاً من ثمانية أعضاء عدا الرئيس الذي هو مدير المعارف بحكم منصبه، يكون أربعة من كبار الموظفين بالإدارة، وأربعة من أهل العلم غير الموظفين، ويعين الجميع بأمر ملكي.

وتتلخص صلاحيات هذا المجلس في إقرار موازنة إدارة المعارف العمومية،والموافقـة على تعيـين المدرسين الذين يرشحهم المدير، والإشراف على المدارس وبرامج التعليم، ودراسة حالـة الكتاتيب ووضع التقارير بخصوص إصلاحهـا، وانتخاب الكتب المدرسيـة للمدارس الحكومية[68].

وعين أول مجلس للمعارف برئاسـة مديـر المعارف الشيخ كامـل القصاب في الثـانـي من شهر صفر سنة 1346هـ وعضوية كـل من : الشيخ صالح شطا، والشيخ عبد الله[69] حمدوه، والشيخ أمين فودة، والشيخ ناصر التركي[70]،والدكتور عبد الغني[71]،والشيخ محمد نور[72] فطانـي، والشيخ ماجد الكردي، والشيخ علي[73] مالكي[74] .

وقد كُلِّف هذا المجلس بالعمل على توحيد التعليم في الحجاز وجعل التعليم مجاناً وإجبارياً. ووضع نظام تعليمي يكون فيه التعليم من أربع مراحل هي: التحضيري، والابتدائي،والثانوي، والعالي[75] .

وفي 19محرم عام 1347هـ انعقد مجلس المعارف للنظر في تطوير المدارس الابتدائية، وتلبية احتياجاتها من المعلمين والأدوات، وتخصيص معلميها في المواد التي يدرسونها، وتسهيل أمور البعثات العلمية، وإدخال اللغة الأجنبية، وتطوير المعهد العلمي[76] .

ثانياً: الهيئة الإدارية واختصاصها

تشكلت هذه الهيئة من المفتش الأول والمفتش الثانـي والمفتش الثالث، ورئيس مكتب المعارف، ومدير المعهد العلمي السعودي بمكة، ومدير مدرسة تحضير البعثات .

وتختص بوضع التقارير الخاصة بخطط المعارف، ووضع مشروع مناهج التعليم، وتوزيع المدرسين على المدارس، ووضع تقارير عن المدرسين المؤهلين، واقتراح منح مدارس جديدة[77].

ويترأس مدير المعارف اجتماعات هذه الهيئة مرتين كل أسبوع، وفي حالة تغيبه يرأسها المفتش الأول[78].

ثالثاً: هيئة التفتيش واختصاصها:

تتكون هذه الهيئة من المفتش الأول الذي يعتبر رئيساً لها، ويعاونه تسعة من المفتشين يكون عددهم قابلاً للزيادة أو النقص حسب اللزوم، ويعتبر المفتش الأول مسؤولاً أمام مدير المعارف عن تنفيذ واجبات هيئة التفتيش[79] .( وتختص بالتفتيش على المدارس والنظر في بيانات دوام الأساتذة، ومتابعة تطبيق المناهج، والإشراف على أعمال الامتحانات، ومراقبة سير التعليم بالمدارس، والتحقيق فيما يحدث من مخالفات[80]).

رابعاً: مكتب المعارف:

يتولى إدارته رئيس الكتاب وهو الذي يقوم بجميع الأمور التي توكل إليه من قبل مدير المعارف العامة.. ويتولى أعمال المحاسبة للمديرية، وأمور شعبة البعثات وما يتعلق بحفظ جميع الأوراق والملافّ وتنظيمها وترتيبها بحيث تسهل مراجعتها [81].

وقد ظل هذا النظام هو النظام الرسمي المعمول به حتى نهاية عهد مديرية المعارف وتأسيس وزارة المعارف. ولكننا نلاحظ مع ذلك أن السنوات بين 1357هـ وهي سنة صدور النظام وعام 1373هـ وهو عام تأسيس وزارة المعارف قد شهدت تغيرات لم تضمن في نظام جديد، ولكنها حدثت بالتدريج في أعمال مديرية المعارف وعلاقتها بالمجلس[82] .

خامساً: نبذة عن نظام التعليم وتطوره في المملكة الحجازية في عهد الملك عبد العزيز

لما قامت مديرية المعارف عام 1344هـ أبقت على مرحلة الدراسة التحضيريـة التي عرفها أهل الحجاز في العهد العثمانـي ثم في العهد الشريفي من بعده، وأبقت على مدارسها، وجعلتها مرحلة لازمة في سلم التعليم النظامي تسبق المرحلة الابتدائية،وجعلت الدراسة بها ثلاث سنوات.

وفي سنة 1346هـ صدر أمر الملك عبد العزيز بتأسيس مجلس للمعارف مهمته الأولى وضع نظام تعليمي موحد في الحجاز، والسعي لجعل التعليم الابتدائي إجبارياً ومجانياً، والنص على أن يتكون التعليم من أربع مراحل، وهي:

1/المرحلة التحضيرية ؛ ومدة الدراسة فيها ثلاث سنوات.

2/ المرحلة الابتدائية ؛ ومدة الدراسة فيها أربع سنوات .

3/ المرحلة الثانوية ؛ والمقصود بها في ذلك الوقت مرحلة الدراسة بعد الابتدائي، وكانت مدة الدراسة بها أربع سنوات زيدت فيما بعد سنة أخرى توجيهية.

4/ المرحلة العليا أو الجامعية[83] .