طباعة

 توثيق النص

 

 

 

أثر الدعوة السلفية في توحيد المملكة العربية السعودية

بقلم: د. حمود بن أحمد الرحيلي

الأستاذ المشارك بكلية الدعوة وأصول الدين

بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

 

 

المقدمة

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّينا محمَّد وعلى آله وأصحابه وَمَنْ سار على نهجه وتمسك بسُنته إلى يوم الدين.

أما بعد ..

فإن العقيدة هي القاعدة الأساس لهذا الدين، وهي مناط النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة.

ومما لاشك فيه أن تصحيح العقيدة هو الطريق الوحيد، لإقامة المجتمع المسلم المتآلف، ولا سبيل إلى اجتماع كلمة المسلمين، ووحدة صفوفهم، وسعادتهم في الدنيا والآخرة، إلا بالرجوع إلى الإسلام الصحيح المأخوذ من كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على فهم السلف الصالح رضوان الله عليهم.

ولما كان المسلمون متمسكين بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، توحدت كلمتهم، وقويت شوكتهم، وعزّ سلطانهم، وأناروا الطريق، وألّف الله بينهم بالإسلام، فكانوا مصابيح هداية، ومشاعل نور البشرية.

ثم نشأت البدع بعد ذلك في وقت مبكر من صدر الإسلام، فنشأ التشيع في أواخر عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم بدأ ظهور فِرَق البدع شيئاً فشيئاً، فأنكر الصحابة ومَن بعدهم من سلف الأمة هذه البدع وشنّعوا على أصحابها في خروجهم من السُنّة، وحذّروا الناس منهم.

ولم يخل الله تعالى قرناً من القرون التي كثرت فيها الشركيات والبدع من علماء ربّانيين، ودعاة مصلحين، يُجدِّدون لهذه الأمة أمر دينها على رأس كل قرن، وذلك مصداقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كُل مائة سنة من يجدد لها دينها"[1].

وكان من الأئمة المجددين الإمام أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهما من الأئمة الأعلام رحمهم الله.

وفي القرن الثاني عشر الهجري ظهر الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فدعا إلى تجريد التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، ونبذ البدع والمعاصي. واستمر رحمه الله مجاهداً في دعوته، صابراً على ما يواجهه، داعياً إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

وكان على رأس من نصر الدعوة وأيدها الإمام الهمام محمد بن سعود جد الأسرة الحاكمة تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته فبارك الله في هذه الدعوة، وآتت ثمارها يانعة طيبة، لا يزال الناس يستظلون بظلالها، ويجنون ثمارها إلى اليوم.

وقد بذل أئمة وعلماء الدولة السعودية في دوريها الأول والثاني جهوداً كبيرة في نصرة العقيدة الصحيحة، وبيانها للناس، وإقامة الجهاد على أعداء الإسلام وأعداء الدعوة.

وقد أبطل الله كيد أعداء هذه الدعوة المباركة الذين كرهوا الحق، وعادوا أهله بكل ما أُوتوا من قوة لإخمادها، والقضاء عليها، وباءت وسائلهم بالخيبة والفشل، لأن الله تعالى مُتِمُّ نوره، وناصر دينه ولو كره الكافرون.

فحقق الله سبحانه لعباده المؤمنين وعده بالنصر والتمكين على يد الملك الهمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله رحمة واسعة، حيث استطاع بفضل الله تعالى وعونه توحيد البلاد تحت راية التوحيد التي رفعها عالية خفّاقة على أرض الجزيرة، فأعزّ الله به أهلها بعد أن كانوا أذلة، وأغناهم به بعد أن كانوا عالة، وانتشر فيهم العلم بعد الجهل، وحلت العقيدة الصحيحة مكان العقائد الفاسدة، واستتب الأمن بعد أن كان مفقوداً، وصحت أجسامهم بعد أن كانت الأوبئة والأمراض تفتك بالأُسر والجماعات.

ونظراً لأهمية الموضوع، ولِما للدعوة السلفية التي أحياها الملك عبد العزيز رحمه الله من دور عظيم في توحيد أُمة قوية متماسكة البنيان وإقامة كيان كبير قوي الأسس والأركان، بعد أن كان مُفرّقاً ومُمزّقاً وعرضة للأعداء، الطامعين من كل مكان، وقيام هذه الدولة على هذه الدعوة المباركة.

ونظرا لمحبتي لهذه الدعوة، ومحبتي لأهلها وأنصارها، ورغبة في المشاركة في إظهار هذه الدعوة ودورها المميز فيما قامت به في الماضي، وما تقوم به في الوقت الحاضر، من الدعوة إلى تصحيح العقيدة، وإصلاح أخلاق الناس وآدابهم، والدعوة إلى الائتلاف، وجمع الصفوف، واتفاق الكلمة، ونبذ الفُرقة والاختلاف، بالإضافة إلى أني لم أجد من كتب في هذا الموضوع كتابة مستقلة على حد علمي القاصر مع أهميته.

وأن ما نعيشه في هذا العهد السعودي الميمون من أمنٍ واستقرارٍ، ونعمة ورخاء، ما هو إلا بفضل من الله تعالى، ثم بصدق وإخلاص آل سعود، نسأل الله تعالى لهم العون والثبات.

فلهذه الأمور رغبت في الإسهام بالكتابة في هذا الموضوع بمناسبة الاحتفاء بمرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية، تحت عنوان: "أثر الدعوة السلفية في توحيد المملكة العربية السعودية".

وأنا أعلم يقيناً أنّ مثلي لن يعطي هذا الموضوع حقه من البحث والدراسة، نظراً لضيق الوقت، وقلة البضاعة، وقد تطفلت في ذلك على العلماء الأفاضل، والمشايخ الأكارم، ولكني أحببت أن أنهل من موردهم، وأستفيد من علمهم وجهودهم، فجزاهم الله عنّا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

 

خطة البحث:

وقد قسّمتُ البحث إلى مقدمة، وتمهيد، وأربعة فصول، وخاتمة.

وقد اشتملت المقدمة على سبب الاختيار، والخطة، ومنهجي في البحث.

واشتمل التمهيد على التعريف بالدعوة السلفية، وضرورة الدعوة إليها.

وأما الفصل الأول: فقد جعلته عن الدعوة السلفية في الدورين الأول والثاني للدولة السعودية وفيه مبحثان:

المبحث الأول: عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولقائه بالإمام محمد بن سعود.

المبحث الثاني: عن الدعوة السلفية في الدور السعودي الثاني.

وأما الفصل الثاني: فكان عن أهم العوامل التي ساهمت في قيام الدولة السعودية الثالثة على يد الملك عبد العزيز. وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: دور العلماء في نشر الدعوة السلفية.

المبحث الثاني: السمعة الطيبة للدولة السعودية في عهودها السابقة.

المبحث الثالث: تطلُّع المجتمع إلى قيام دولة تصحح العقيدة، وتُطبّق الشريعة، وتقيم الأمن والعدل.

وأما الفصل الثالث: فكان عن شخصية الملك عبد العزيز وتوحيد المملكة وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: شخصية الملك عبد العزيز وأثرها في توحيد المملكة.

المبحث الثاني: سير الملك عبد العزيز على منهج السلف الصالح.

المبحث الثالث: توحيد الملك عبد العزيز للمملكة.

وأما الفصل الرابع: فقد كان عن أثر الدعوة السلفية في توحيد المملكة، وفيه عشرة مباحث:

المبحث الأول: اتخاذ الملك عبد العزيز الكتاب والسنة دستوراً لبلاده.

المبحث الثاني: تقريب الملك عبد العزيز للعلماء ومشاركتهم.

المبحث الثالث: تقرير الملك عبد العزيز للدعوة السلفية ونشرها.

المبحث الرابع: القضاء على أسباب الشرك ومحاربة الأفكار الهدّامة.

المبحث الخامس: نشر العلم وطباعة الكتب القيمة.

المبحث السادس: تطبيق الشريعة وإقامة الحدود.

المبحث السابع: الأخذ بمبدأ الشورى.

المبحث الثامن: توطين البادية والمؤاخاة بين القبائل.

المبحث التاسع: القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

المبحث العاشر: التعاون بين الراعي والرعية.

وأما الخاتمة: فقد أوجزتُ فيها أهم نتائج البحث ومحتوياته.

ثم ألحقتُ به الفهارس التالية:

1)  فهرس المصادر والمراجع.

2)   فهرس الموضوعات.

هذا ولا يفوتني أن أقول: إن هذا جهد المُقِلّ، فما كان فيه من صوابٍ فهو من فضل الله وتوفيقه لي، وأشكره سبحانه على ذلك. وما كان فيه من خطأٍ، فأستغفر الله منه وأتوب إليه. وأرجو ممن قرأه ووجد فيه خللاً أن يُنبهني إليه امتثالاً لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}[2]. وسأكون شاكراً لنصحه وتوجيهه، وله من الله الأجر والمثوبة.

وأسأل الله تعالى أن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله في موازين أعمالي يوم ألقاه.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم،،

تمهيد :

في تعريف الدعوة السلفية وضرورة الدعوة إليها:

تعريف الدعوة:

الدعوة في اللغة: المرة الواحدة من الدعاء، وتداعى القوم دعا بعضهم بعضا حتى يجتمعوا. والدعاة قوم يدعون إلى بيعة هدى أو ضلالة، وأحدهم داع، ورجل داعية إذا كان يدعو الناس إلى بدعة أو دين أدخلت الهاء فيه للمبالغة[3] .

وفي تهذيب اللغة: المؤذن داعي الله، والنبي صلى الله عليه وسلم داعي الأمة إلى توحيد الله وطاعته[4] .

قال عز وجل مخبراً عن الجِنِّ الذين استمعوا القرآن وولّوا إلى قومهم منذرين {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ}[5].

وفي تاج العروس: "ودعوة الحق شهادة أن لا إله إلا الله"[6].

وفي المصباح المنير: "دعوتُ الله دعاء ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده من الخير، ودعوت زيداً ناديته وطلبت إقباله. والجمع دعاة وداعون مثل قضاة وقاضون، والنبي صلى الله عليه وسلم داعي الخلق إلى التوحيد"[7] .

وفي المعجم الوسيط: "دعاه إلى الشيء حثه على قصده، يقال: دعاه إلى القتال، ودعاه إلى الصلاة، ودعاه إلى الدين، وإلى المذهب، حثه على اعتقاده"[8].

ومن هذا يتبين أن الدعوة في اللغة تدور حول الطلب والسؤال والنداء والحث على الشيء ونحو ذلك.

وهي تستعمل في الخير والهدى، كما في قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[9].

وقوله عز وجل: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}[10].

والدعاة قوم يدعون إلى هدى أو ضلال، ويصدق على هذا ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أُجُور من تبعه، لاينقص ذلك من أُجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لاينقص ذلك من آثامهم شيئاً"[11] . إلى غير ذلك من الأدلة في هذا المعنى، ولذلك لابُد من معنى الدعوة الاصطلاحي لتوضيحها وتمييزها.

تعريف الدعوة في الاصطلاح:

عرَّفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله: "الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، بتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا، وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والدعوة إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، والدعوة إلى أن يعبُد ربه كأنه يراه"[12].

وقد عرَّفها المتأخرون[13] بتعريفات عديدة، لا يخلو أكثرها من نظر. وتعريف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أعم وأشمل.

وزيادة في الإيضاح يمكن تعريف الدعوة في الاصطلاح بأنها: قيام من له الأهلية بدعوة الناس جميعاً لاقتفاء أثر الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً واعتقاداً بالوسائل والأساليب المشروعة التي تتناسب مع أحوال المدعوين في كل زمانٍ ومكان.

تعريف السلفية أو "السلفيين":

السلف في اللغة: "السين، واللام، والفاء: أصل يدل على تقدم وسبق"[14].

وفي اللسان: "السلف جمع سالف المتقدم، والسلف الجماعة المتقدمون"[15].

وفي النهاية: "سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته، ولهذا سُمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح"[16] .

ومنه قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ}[17]. قال البغوي في تفسيرها: ".. والسلف: من تقدم من الآباء، فجعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون"[18] .

تعريف السلف في الاصطلاح:

قال الإمام السفاريني: "المراد بمذهب السلف ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وأعيان التابعين لهم بإحسان، وأتباعهم، وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة، وعُرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناسُ كلامَهم خلفاً عن سلف، دون من رُمي ببدعة، أو شُهر بلقب غير مُرض، مثل الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، والجبرية، والجهمية، والمعتزلة، والكرامية، ونحو هؤلاء"[19].

فهذا الاصطلاح "اشتهر حين ظهر النزاع، ودار حول أصول الدين بين الفرق الكلامية، وحاول الجميع الانتساب إلى السلف، وأعلن أن ما هو عليه هو ما كان عليه السلف الصالح، فإذن لابد أن تظهر والحالة هذه أُسس وقواعد واضحة المعالم، وثابتة للاتجاه السلفي، حتى لا يلتبس الأمر على كلِّ من يريد الإقتداء بهم، وينسج على منوالهم"[20].

وإذا قيل: السلف أو السلفيون أو لجادتهم السلفية، فهي هنا نسبة إلى السلف الصالح جميع الصحابة رضي الله عنهم فمن تبعهم بإحسان، دون من مالت بهم الأهواء بعد الصحابة رضي الله عنهم من الخُلُوف الذين انشقوا عن السلف الصالح باسم أو رسم.."[21] .

فالمراد من التعبير بالسلفية هو اتباع طريقة السلف الصالح من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم والتابعين لهم، والسلفيون هم أهل السنة والجماعة، وهم الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، الذين يتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على فهم السلف الصالح. قال تعالى {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[22]. وفي الحديث عن العرباض بن سارية  رضي الله عنه  قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  "عليكم بسُنتي وسنّة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجِذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كُلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"[23] .

ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في حقيقتها إحياء لعقيدة السلف الصالح المشار إليها، وتجديدٌ لِمَا اندثر منها بعدما طُمست معالمها، وشُوِّهت حقيقتها، فهي دعوة تهدف إلى تصحيح العقيدة الإسلامية، وتطهيرها مما علق بها من أدران الشرك والبدع والخرافات، وإقامة مجتمع إسلامي يؤمن بالإسلام عقيدةً، وعبادةً، وشريعةً، ومنهج حياة.

وقد بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ذلك في رسالته للشيخ السويدي أحد كبار علماء العراق فقال: “إنّي والحمد لله مُتّبع ولستُ بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به هو مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة"[24].

ضرورة الدعوة إلى اتباع منهج السلف الصالح:

إن الله تعالى قد بعث نبيَّه محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ولم يكن خافياً ما كان عليه أهل الأرض قبل البعثة وخاصة العرب من شرك، وكفر، وتفرُّق، وضلال مبين، وذلك كما وصفهم الله تعالى بقوله: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}[25].

فقام فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وعشرين سنة يدعو إلى توحيد الله وعبادته، وأرشدهم إلى سلوك الصراط المستقيم. وجاهد في ذلك حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً، وأشرقت الأرض بنور ربها، وأصبح المسلمون أمة واحدة، اجتمعت كلمتهم، وقويت شوكتهم، وتوحَّدت قلوبهم على الصراط المستقيم، وألف الله بينهم بالإسلام قال عزَّ وجلَّ: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[26].

ولم يفارق النبي صلى الله عليه وسلم هذه الدنيا حتى أتم الله به النعمة، ورضي للبشرية الإسلام ديناً، وبيَّن للأمة كل ما فيه صلاح دينها ودنياها، وتركها على المحجَّة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاَّ هالك.

وقد حمل الراية من بعده صحابته الكرام، وفي مقدمتهم الخلفاء الرَّاشدون، فجاهدوا في سبيل إعلاء كلمة الله بما استطاعوا من قوةٍ علمية وعملية، حتى انتشر الإسلام في أنحاء الأرض.

وهكذا لم يزل أهل السُنة والجماعة معتصمين بحبل الله، وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، سائرين على منهج الصحابة رضوان الله عليهم، في إبلاغ دين الله ونشره بين الناس على بصيرة، حتى بلغوا مشارق الأرض ومغاربها.

وبعد انقضاء القرون الأولى المفضلة، كثرت البدع والخرافات، والعودة إلى الوثنية، وذلك بتعظيم المشاهد والقبور، وصرف العبادة لها من دون الله، وتقديم الآراء والتقليد على الأخذ من الكتاب والسنة، حتى اشتدت غربة الإسلام في غالب الأحوال.

إلا أنّ الله تعالى جعل دينه باقياً إلى قيام الساعة، وذلك كما ورد في الحديث الصحيح عن معاوية رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تزال من أُمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك"[27] . وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة"[28].

لذلك فإنّ الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة ومنهج الصحابة والتابعين لهم بإحسان لهو الأمر الذي يجب اتباعه، وذلك هو طريق الطائفة المنصورة، وهي الفرقة الناجية، ويطلق عليهم أهل السُنة والجماعة، حيث أصبح هذا الاسم علماً عليهم، مهما حاولت بعض الفِرق الأخرى الانتساب إليه.

قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[29].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كُلها في النار إلاّ واحدة" قيل: مَن هي يا رسول الله؟ قال: "منْ كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"[30] .

ومع شدة الحاجة إلى الدعوة إلى الله عز وجل، فإن ضرورة الدعوة إلى منهج السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، أشد، وذلك لتنقية العقيدة مما شابها وعلق بها من البدع والأهواء، وتصحيح مسارها من الانحرافات والخرافات التي حادت بها عن حقيقتها وأصالتها.

والعودة بالإسلام إلى صفائه ونقائه، وإقامة مجتمع مسلم يؤمن بالإسلام عقيدةً وشريعةً، ومنهج حياة، في ظل دولة إسلامية تُطبِّق شرع الله في جميع نواحي الحياة.

وهذا ما هدفت إليه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله[31].

 

تابع بقية البحث ...

 

 

 



[1] أخرجه أبو داود في سننه 4/480 ، كتاب الملاحم، باب 1 . والحاكم في المستدرك 4/522 عن أبي هريرة رضي الله عنه.

قال الشيخ عبد العزيز بن باز: "هذا الحديث إسناده جيّد رجاله كلهم ثقات، وقد صححه الحاكم والحافظ العراقي والعلامة السخاوي وآخرون".

انظر هامش كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب لأحمد بن حجر آل أبو طامي ص10.

وقال الألباني في السلسلة الصحيحة 2/148 : سنده صحيح ورجاله ثقات، رجال مسلم. وقال عبد ا لمتعال الصعيدي: قال السيوطي: "اتفق الحُفّاظ على صحته منهم الحاكم في المستدرك، والبيهقي في المدخل، ونص الحافظ بن حجر على صحته". انظر: المجددون في الإسلام ص89 .

[2] المائدة 2 .

[3] لسان العرب لابن منظور 14/258 .

[4] تهذيب اللغة لأبي منصور 3/120

[5] الأحقاف: 31 .

[6] تاج العروس للزبيدي 1/128 .

[7] المصباح المنير لأحمد الفيومي ص194.

[8] المعجم الوسيط 1/286.

[9] يوسف: 108.

[10] فصلت: 33.

[11] صحيح مسلم 4/2060 كتاب العلم، باب من سنّ سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، رقم2674.

[12] مجموع الفتاوى 15/157158 .

[13] انظر مثلاً: تذكرة الدعاة للبهي الخولي ص35، الطبعة السادسة، مكتبة الفلاح، الكويت. والدعوة الإسلامية لأبي بكر ذكرى، ص8، مكتبة دار العروبة، القاهرة، مع الله للغزالي ص17، المكتبة الإسلامية، الدعوة الإسلامية لأحمد غلوش ص10 وما بعدها، دار الكتاب المصري، الدعوة إلى الله في سورة إبراهيم لمحمد الحبيب ص27، الطبعة الأولى.

[14] معجم مقاييس اللغة لابن فارس 3/95 .

[15] لسان العرب 9/158 .

[16] النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 2/390، وانظر: القاموس المحيط 3/153.

[17] الزخرف : 56 .

[18] تفسير البغوي 7/218 .

[19] لوامع الأنوار 1/20 .

[20] كتاب الصفات الإلهية للشيخ محمد أمان الجامي ص5758 .

[21] حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية لبكر أبي زيد ص36.

[22] التوبة: 100 .

[23] سنن أبي داود، كتاب السنة 5/13 رقم 4607، الترمذي، كتاب العلم 5/44 رقم2676، ابن ماجه، المقدمة 1/16 رقم 4243، السنة لأبي عاصم ح:2634. وقد صححه الألباني. انظر: إرواء الغليل 8/107.

[24] انظر مؤلفات الشيخ، القسم الخامس الرسائل الشخصية ص36 طبع جامعة الإمام، 1398ه، الرياض.

[25] آل عمران : 164 ، والجمعة: 2 .

[26] الأنفال : 6263 .