|
|
|
جهود الملك
عبد العزيز في بسط الأمن |
|
الدكتور / عبد الرحيم بن محمد المغذوي |
|
الأستاذ المشارك في كلية الدعوة وأصول
الدين |
|
الجامعة الإسلامية المدينة المنورة |
|
|
|
المقدمة |
|
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره
ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له
ومَن يُضْلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له وأشهد
أنَّ محمداً عبده ورسوله. |
|
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله حَقَّ
تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[1]،
{يَا
أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّنْ نَفْسٍ
وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً
وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ الله الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَام إِنَّ الله
كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}[2]،
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله
وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِر لَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزَاً عَظِيماً}[3]
[4]. |
|
أمَّا بعد: |
|
فإنَّ للملك عبد العزيز بن عبد الرحمن
آل سعود جهوداً عظيمة في توحيد المملكة العربية السعودية، وانتشال مجتمعها
المتعدِّد والمترامي الأطراف مِمَّا كان فيه من انقسامات وخلافات وعداوات وحروب،
إلى مجتمعِ الأخوة والتراحم والتعاطف. |
|
ولا شكَّ أنَّ أي باحث منصف يحق له أن
يعتبر الملك عبد العزيز ظاهرة تاريخية في العصر الحديث، جديرة بالتأمُّل
والدراسة والتحليل في جوانب عِدَّة، ومجالات متنوعة. |
|
ومن هذه الجوانب المتعددة الهامَّة التي
أولاها الملك عبد العزيز عنايته ورعايته المسألة الأمنية والحفاظ عليها وتقريرها
في هذه البلاد المقدَّسة. |
|
ومن هنا، ولِمَا للأمن من أهمية بالغة في
أي مجتمع، ولِمَا أكَّدته الدعوة الإسلامية على هذا الأمر، ارتأيت الكتابة في
هذا الموضوع وأسميته: (جهود الملك عبد العزيز في بسط الأمن، وأثره في حفظ
مقوّمات المجتمع السعودي وتنميته وازدهاره). |
|
خطة البحث: |
|
يشتمل البحث على مقدمة، وثلاثة فصول، وخاتمة،
وفهارس. وذلك على النحو التالي: |
|
المقدمة: وفيها الحديث عن أهمية الموضوع،
وسبب اختياره، والخطة بالتفصيل، ومنهج البحث المستخدم. |
|
الفصل الأول: الأمن: مفهومه، أهميته،
دواعيه، وضرورته في المملكة |
|
المبحث الأول:
تعريف الأمن لغة
واصطلاحاً. |
|
المبحث الثاني: مشروعية الأمن وأهميته في
الإسلام. |
|
المبحث الثالث:
دواعي الأمن وضرورته في
المملكة العربية السعودية. |
|
الفصل الثاني: نشأة الملك عبد العزيز،
وأبرز جهوده في توحيد المملكة العربية السعودية، وسبل تحقيق الأمن في عهده. |
|
وفيه تمهيد وأربعة مباحث: |
|
المبحث الأول: نشأة الملك عبد العزيز
والعوامل المؤثرة في شخصيته. |
|
المبحث الثاني: حالة الأمن في الجزيرة
العربية قبل توحيد الملك عبد العزيز لها. |
|
المبحث الثالث: أبرز جهود الملك عبد
العزيز في توحيد المملكة العربية السعودية، ونشر الأمن فيها. |
|
المبحث الرابع: سبل تحقيق الأمن في عهد
الملك عبد العزيز. |
|
الفصل الثالث: آثار جهود الملك عبد
العزيز الأمنية في حفظ مقومات المجتمع السعودي وتنميته وازدهاره. وفيه مبحثان: |
|
المبحث الأول: آثاره في حفظ مقوّمات
المجتمع. |
|
المبحث الثاني: آثاره في تنمية وازدهار
المجتمع. |
|
الخاتمة: وفيها خلاصة البحث والتوصيات. |
|
الفهارس: وهي مشتملة على بعض الفهارس
الفنية المختصرة، مثل: |
|
1
- فهرس الآيات القرآنية الكريمة. |
|
2
- فهرس الأحاديث النبوية. |
|
3
- فهرس المصادر والمراجع. |
|
4
- فهرس الموضوعات. |
|
منهج البحث: |
|
استخدمت في كتابة هذا الموضوع، منهج
البحث التاريخي، والتحليلي مع مراعاة الأمور التالية: |
|
1
- أنَّ الموضوعات التي تناولها هذا البحث لا تشمل كل ما قام به الملك عبد العزيز
- يرحمه الله - من جهود عديدة سواء داخلية أو خارجية في حفظ الأمن وترقية
المجتمع السعودي، وإنَّما تناولت أبرز تلك الجهود، وأهم ما قام به في هذا
المجال. |
|
2 - عزوت الآيات القرآنية الكريمة إلى أماكنها، وخرَّجت الأحاديث
من مظانها، وأثبتُّ حكم العلماء عليها. |
|
3
- تحديد البحث ضمن فصول ومباحث ومطالب جزئية، تسهل السير فيه، وتحدد اتجاهه،
ومِنْ ثَمَّ نتائجه. |
|
وبعد: فهذا ما يسر الله تعالى به، وما
أحببت أن أدونه وأُبيِّنه، وذلك وفاءً لِمَا للملك عبد العزيز - يرحمه الله - من
فضلٍ - بعد الله تعالى - على أبناء هذه البلاد، ولِمَا قام به يرحمه الله من
جهودٍ مضنية في سبيل راحتهم وتوطيد أمنهم، ولِمَا قام به من خدمةٍ واسعةٍ جليلةٍ
للإسلام والمسلمين، فجزاه الله خيراً ورحمه رحمةً واسعة، ووفق الله تعالى أبناءه
لكُلِّ خير، الذين ساروا على دربه، واقتفوا أثره ومنهجه، إنَّه ولي ذلك والقادر
عليه. والحمد لله رب العالمين. |
|
وكتبه: د / عبد الرحيم بن محمد المغذوي |
|
الأستاذ المشارك بقسم الدعوة، كلية
الدعوة وأصول الدين |
|
الجامعة الإسلامية - بالمدينة المنورة |
|
ضحى الاثنين 22/1/1419هـ |
الفصل الأوَّل
|
|
وفيه ثلاثة مباحث: |
|
المبحث الأول: تعريف الأمن لغةً
واصطلاحاً. |
|
المبحث الثاني: مشروعية الأمن وأهميته في
الإسلام. |
|
المبحث الثالث: دواعي الأمن وضرورته في
المملكة العربية السعودية. |
|
المبحث الأول: تعريف الأمن لغةً
واصطلاحاً |
|
وفيه مطلبان: |
|
المطلب الأول: تعريف الأمن لغةً: |
|
للأمن تعاريف عِدَّة في لغة العرب، فمن
ذلك: |
|
قول ابن فارس: "الهمزة والميم
والنون أصلان متقاربان: أحدهما الأمانة التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب،
والآخر التصديق.. |
|
قال الخليل: الأَمَنَةُ من الأمن.
والأمان: إعطاء الأَمَنَة، والأمانة ضد الخيانة. |
|
يقال: أمِنْتُ الرَّجُل أَمْناً وَأَمنةً
وَأَماناً، وآمنني يُؤْمنني إيماناً. |
|
والعرب تقول: رجلٌ أُمَّانٌ، إذا كان
أميناً. قال الأعشى: |
|
ولقد شهدتُ التَّاجِرَ الأُمَّانَ مَوْرُوداً
شرابُهُ"[5]. |
|
وقال الجوهري: "الأمان والأمانة
بمعنىً. وقد أمنتُ فأنا آمن، وآمَنْتُ غيري من الأمن والأمان. |
|
وأصل آمن: أَأْمَنَ بهمزتين، لُيِّنَت
الثانية. والأمن: ضد الخوف"[6]. |
|
وقال الفيروزآبادي: "الأمْنُ
والآمِن: كصاحب، ضِدّ الخوف، أَمِنَ كفرح أمناً وأماناً بفتحهما وأمناً
وأَمَنَةً محرَّكتين، وإِمناً بالكسر، فهو أَمِنٌ وأمينٌ كفرح وأمير، ورجلٌ
أُمَنَةٌ كهمزة ويُحَرَّك يأمنه كُلّ أحد في كُلِّ شيء"[7]. |
|
وقال الزمخشري: "فلان أَمَنَةٌ أي
يأمَنُ كُلَّ أحد ويثق به، ويأمنه الناس ولا يخافون غائلته"[8]. |
|
ومِمَّا ذكره ابن منظور: "الأمان
والأمانة بمعنى، وقد أَمِنْتُ فأنا أمِن، وآمنت غيري من الأمن والأمان. والأمن
ضد الخوف، والأمانة ضد |
|
والمأمن: موضع الأمن، والآَمِنُ:
المستجير ليأمن على نفسه"[9]. |
|
ومن خلال ما تقدَّم من كلام وأقوال أهل
اللغة وأرباب البيان يتَّضِح أنَّ للأمن في لغة العرب إطلاقات عِدَّة، فهو يعني: |
|
"الطمأنينة
وعدم الخوف، والثِّقة وعدم الخيانة". |
|
المطلب الثاني: تعريف الأمن اصطلاحاً: |
|
للأمن تعاريف عِدَّة في اصطلاح العلماء
والكتاب، وذلك لتنوع النظرة واختلاف التصور، وتباين المشارب، وإن اتَّفقت على
بعض وظائفه وأهدافه. |
|
وقبل أن نعطي تعريفاً للأمن يجدر بنا أن
نسوق طائفة متنوعة من التعاريف الدَّالَّة عليه. |
|
فقد عرَّفته موسوعة السياسة بأنَّه: "تأمين
سلامة الدولة ضد أخطار خارجية وداخلية قد تؤدي بها إلى الوقوع تحت سيطرة
أجنبيَّة نتيجة ضغوط خارجية أو انهيار داخلي"[10]. |
|
وعرَّفه اللواء عدلي حسن سعيد بأنَّه: "تأمين
الدولة من الداخل ودفع التهديد الخارجي عنها بما يكفل لشعبها حياة مستقرة توفر
له استغلال أقصى طاقاته للنهوض والتقدم والازدهار"[11]. |
|
ويعرِّفه الدكتور علي الدين هلال بأنَّه:
"تأمين كيان الدولة والمجتمع ضد الأخطار التي تتهدَّدهما داخلياً وخارجياً،
وتأمين مصالحهما وتهيئة الظروف المناسبة اقتصادياً واجتماعياً لتحقيق الأهداف
والغايات التي تعبر عن الرضاء العام في المجتمع"[12]. |
|
وقيل أيضاً بأنَّ الأمن هو: "الجهد
اليومي المنظم الذي يصدر عن الدولة لتنمية ودعم أنشطتها الرئيسية، السياسية
والاقتصادية والاجتماعية، ودفع أي تهديد أو تعويق أو إضرار بتلك الأنشطة"[13]. |
|
كما يذكر الدكتور ممدوح شوقي أنَّه:
"قد جرى العمل على أنَّ المقصود بالأمن في مفهومه الواسع هو تحقيق الأمن
على المستويين الداخلي والخارجي[14]. |
|
وأخيراً يذكر الدكتور عبد الله القبَّاع
أنَّ الأمن لأي دولة يتكون من ثلاث مستويات: داخلية، وإقليمية، وخارجية"[15]. |
|
ومن خلال التعاريف السابقة نلاحظ أنَّها
تركز على - أمن الدولة - أو ما يعرف بالأمن الوطني
National Security وتناست المفهوم
الشامل للأمن في الإسلام والذي يتناول أمن الفرد دنيوياً وأخروياً، وأمن الدولة
داخلياً وخارجياً، بل ويتعدَّى ذلك إلى أمن العالم والكون بعضه إلى بعض. |
|
فالإنسان - في نظر الإسلام - هو جوهر
العملية الأمنية، وهو محور الأمن الداخلي والخارجي، لأنَّه مناط التكليف في هذه
الحياة الدنيا دون غيره من سائر المخلوقات. |
|
وهنا يمكن لنا أن نعطي تعريفاً للأمن في
مفهوم الإسلام فنقول بأنَّه يعني: السلامة الحِسيَّة والمعنوية، والطمأنينة
الداخلية والخارجية، وكفالة الحياة السعيدة للفرد والمجتمع والدولة. |
|
فهذا التعريف كما هو ملاحظ يركز على
الفرد لأنَّه اللبنة الأساسية والخليَّة الأولى، والذي يتكون منه المجتمع ومن
ثَمَّ الدولة بمفهومها الواسع. |
|
ويتناول هذا التعريف عِدَّة أمور هامَّة
هي: |
|
أولاً: سلامة الفرد والمجتمع والدولة حِسِّياً
ومعنوياً. |
|
ثانياً: الطمأنينة وعدم الخوف أو الفزع
والهلع. |
|
ثالثاً: أنَّ التعريف يتناول الأمن الداخلي
للفرد والمجتمع والدولة، وكذا الأمن الخارجي. |
|
رابعاً: أنَّ الأمن يكفل الحياة السعيدة
- بإذن الله تعالى - للفرد والمجتمع المسلم في هذه الحياة الدنيا، لأنَّه يوفِّر
البيئة الصالحة والظروف الملائمة لعبادة الله تعالى وتوحيده، والإيمان به،
والتعاون الفاعل المثمر البناء في مختلف المجالات والميادين. |
|
خامساً: أنَّ المسلم حينما يأمن في هذه
الحياة الدنيا ويقوم بعبادة ربه تبارك وتعالى ويوحده، فإنَّه ولا شك سيفوز بمرضاته
ودار كرامته في الحياة الآخرة، وذلك تحقيقاً لوعده تعالى حينما قال: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ
بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}[16]. |
|
وقوله سبحانه {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ
رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ
النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا
سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[17]. |
|
سادساً: أنَّ التعريف يتناول ويشمل
عِدَّة أنواع للأمن كالأمن العقدي، والدعوي، والفكري، والعقلي، والعلمي،
والاقتصادي، والبيئي، والزراعي، والعسكري، والسياسي، وغيرها[18]. |
|
المبحث
الثاني: مشروعية الأمن، وأهميته في الإسلام |
|
دين الإسلام هو دين الفطرة السوية،
والمتأمل في الشريعة الإسلامية وما دعت إليه، يجد أنَّها تلبي احتياجات الفطرة
البشرية وتنميها، وترعاها وتوجهها لكل ما فيه خيرها وسعادتها. |
|
قال تعالى:
{فِطْرَتَ
اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}[19]. |
|
ولا شكَّ أنَّ من دواعي الفطرة الإنسانية
ومتطلباتها الاجتماع، وتقارب الناس بعضهم مع بعض في مجتمعاتٍ وتكويناتٍ بشرية
عديدة. |
|
ولا ريب أنَّ هذه المجتمعات وتلك
التكوينات لا يمكن لها أن تنتظم وتستقر دون أمن يخيم عليها، ودون أمان يظللها
ويلقي بجناحه عليها. |
|
ومن هنا جاءت النصوص وتضافرت في التأكيد
على مشروعية الأمن وأهميته في الإسلام. |
|
ومن الملاحظ أنَّ تلك النصوص الكريمة قد
أوضحت مفاهيم أوسع للأمن، وأكَّدت أهدافاً حقيقية كبرى له، سواء في هذه الحياة
الدنيا أو في الحياة الآخرة. |
|
فمن نصوص القرآن الكريم: |
|
يقول الله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ
مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ
إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}[20]. |
|
وقال تعالى:{أَوَلَمْ
يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ
حَوْلِهِمْ}[21]. |
|
وقال تعالى:
{وَإِذْ
قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ
الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}[22]. |
|
وقال تعالى موضِّحاً أنَّ الأمن الحقيقي
للذين آمنوا به واعتقدوا بوحدانيته وقيوميته على خلقه، ولم يشركوا به شيئاً،
وكان ذلك على لسان إبراهيم عليه السلام حينما حَاجَّه قومه. يقول تعالى موضِّحاً
ذلك: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي
فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ
يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا
تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ
أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ
الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ
آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ
وَهُمْ مُهْتَدُونَ}[23]. |
|
كما يؤكِّد المولى جلَّ وعلا هذه
الحقيقة وهذا الوعد الإلهي الكريم للذين آمنوا به ووحَّدوه ولم يشركوا به، أن
يمكِّنَ لهم في الأرض، وأن يبسط لهم الأمن ويُذْهِب عنهم الخوف والروع. |
|
يقول تعالى في ذلك: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا
يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ
الْفَاسِقُون}[24]. |
|
يقول الحافظ ابن كثير في إيضاح المقصود
بهذه الآية الكريمة: "هذا وعدٌ من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه
عليه بأنَّه سيجعل أُمَّته خلفاء الأرض أي أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح
البلاد، وتخضع لهم العباد، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً، وحكماً فيهم، وقد فعله
تبارك وتعالى وله الحمد والمنة"[25]. |
|
كما يرشد الله تبارك وتعالى عباده
المؤمنين في موضع آخر من كتابه الكريم أنَّ الأمن والطمأنينة نعمة عظيمة من نعمه
سبحانه على خلقه، يجب على عباده أن يشكروه عليها، وأن يبتغوا السُّبُل في
المحافظة على دوامها واستمرارها، وأن يحذروا الكفر والشرك بالله تعالى والتنكُّب
لشرعه، لأنَّ ذلك إيذانٌ بوقوع العذاب وانتزاع الأمن وذهاب الطمأنينة وشيوع الخوف
بدلاً منهما والعياذ بالله. |
|
يقول الله تعالى موضِّحاً ذلك:
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً
مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ
بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا
كَانُوا يَصْنَعُونَ}[26]. |
|
والمتأمِّلُ في كتاب الله تعالى يجد
أنَّ هنالك عوامل كثيرة قد كفلت الأمن في المجتمع المسلم، وآذنت بتحققه إذا ما
التزم الناس بها، كالعقيدة الصحيحة، ودفع ما يؤذي المجتمع من الأقوال والأفعال،
وردع المجرمين، ومنع المعصية والمنكر، من التفشي بين الناس، وحثِّ أفراد المجتمع
على التحلِّي بالأخلاق الإيمانية الكريمة، ومعرفة أقدار الناس، وإنزالهم مواضعهم
اللائقة بهم، وعدم امتهانهم أو التعدِّي عليهم. |
|
كذلك رتَّب الإسلام قاعدة هامَّة بين
الحاكم والمحكوم، أو الراعي والرعيَّة، تقوم على تنظيم الحقوق والواجبات بين
الطرفين، أساسها الإيمان، وقوامها الثقة، ولحمة سداها الشعور بالمسؤولية
المشتركة، المؤدية لخير المجتمع وأمنه واستقراره. |
|
قال تعالى:
{يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي
الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ
وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}[27]. |
|
وإنَّ الناظر في أحوال الجاهلية، وما
كانت عليه من تفرُّق وعدم اجتماع على كلمةٍ واحدة، أو ما حدث في المجتمعات عبر
التاريخ، أو ما يحدث في بعض المجتمعات اليوم من زعزعة في الأمن وعدم طمأنينة
واستقرار، إنَّما مرده إلى عدم الأخذ بلوازم الأمن وأسباب تحقيقه، ومن ذلك عدم
اجتماع الكلمة، وعدم الطاعة لأولي الأمر، أو التمرُّد عليهم وعصيانهم، وهذا من
السُّوء والمنكر الذي حذَّرنا الله تبارك وتعالى منه. |
|
وإنَّ ما ينعم به مجتمعنا في المملكة
العربية السعودية من أمنٍ وارف، وطمأنينة تامَّة، وهدوء واستقرار كامل، إنَّما
هو فضل من الله تبارك وتعالى ونعمة وإحسان منه، ثُمَّ بفضل التمسُّك بعقيدتنا
الإسلامية وطاعة لأولي الأمر واستجابة لهم، الأمر الذي جعل هذه البلاد مضرب
المثل في الأمن والاستقرار في العالم بأجمعه والحمد لله. |
|
وأمَّا النصوص التي تحدَّثت عن الأمن
وأكَّدته ودعت إليه من السُنَّة المطهرة فعديدة، ولسنا بصدد استقصائها أو
الإحاطة بها، ولكن نذكر بعضاً منها على سبيل الاستشهاد والدلالة. |
|
فقد أخرج الترمذي في سننه: عن سلمة بن
عبيد الله بن مُحصِنٍ الخطمي عن أبيه - وكانت له صحبة - قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: "مَنْ أصبح منكم آمناً في سربه،
معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنَّما حيزت له الدنيا"[28]. |
|
يقول الإمام العلاَّمة الحافظ المباركفوري
في شرح المقصود بهذا الحديث ما ملخَّصه: "من أصبح منكم - أي أيها المؤمنون -
آمناً - أي غير خائف من عدو - في سربه - أي في نفسه، وقيل في جماعته، أو في أهله
وعياله، وقيل سَربه - بفتح السين - أي في مسلكه وطريقه، وقيل بفتحتين - أي في
بيته، كذا ذكره القاري عن بعض الشُّرَّاح. وقال التوربشتي - رحمه الله - أي
بعضهم إلاَّ السَرَب - بفتح السين والراء - أي في بيته، ولم يذكر فيه رواية. ولو
سلم له قوله أن يطلق السرب على كُلِّ بيت كان قوله هذا حريّاً بأن يكون أقوى
الأقاويل، إلاَّ أنَّ السرب يقال للبيت الذي هو في الأرض. وفي القاموس: السَّرْب
الطريق، وبالكسر الطريق، والبال، - والقلب، والنفس، والجماعة، وبالتحريك جحر
الوحش والحفير تحت الأرض". اهـ. |
|
ثُمَّ علَّق الحافظ المباركفوري قائلاً:
"فيكون المراد من الحديث المبالغة في حصول الأمن ولو في بيتٍ تحت الأرض،
ضَيِّق كجحر الوحش، أو التشبيه به في خفائه وعدم ضياعه" ا.هـ[29]. |
|
وهنالك العديد من السنن والتوجيهات
والاحتياطات النبوية الكريمة لجناب الأمن في حياة الفرد والمجتمع المسلم حتى
يعيش الناس في وفاق وأمان واطمئنان. |
|
ومن أجل ذلك فقد دعا رسولُ الله صلى الله
عليه وسلم إلى كُلِّ عملٍ يبعث الأمن والاطمئنان في نفوس المسلمين، ونهى عن
كُلِّ فعلٍ يبث الخوف والرعب في جماعة المسلمين، حتى ولو كان أقل الخوف وأهونه،
باعتبار الأمن نعمة من أجَلِّ النعم على الإنسان[30]. |
|
فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه
قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"لا يحل
لمسلمٍ أن يروع مسلماً"[31]. |
|
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يشير أحدكم
على أخيه بالسلاح، فإنَّه لا يدري أحدكم لعلَّ الشيطان ينزغ في يديه فيقع في
حفرة من النار"[32]. |
|
وعن عبد الله بن السائب بن يزيد، عن
أبيه، عن جده أنَّه سمع |
|
فكل تلك الأمور التي نهى النبي صلى الله
عليه وسلم عنها أمور تنقض الأمن وتوقظ العداوة وتثير الشحناء بين الناس، حريٌّ
بكل مسلمٍ أن يتجنبها ويبتعد عنها. |
|
وهكذا دعوة الإسلام الحنيفية السمحة، ما
من أمرٍ فيه خير إلاَّ ودلَّت الناس عليه، وما من أمرٍ فيه شر أو بوادر شر، أو
من شأنه إثارة الشر وتبديل الأمن إلاَّ وحذَّرت الناس منه ونهتهم عنه. |
|
ولذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم
السَّتر وطلب الأمن وعدم الذعر أو الخوف لأنَّ هذا من أُسُس ومتطلبات الحياة
الإنسانية الطبيعية الآمنة. |
|
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ
النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه:
"اللهم
استر عوراتي، وآمن روعاتي"[34]. |
|
والمتأمل بعد ذلك في سيرة النبي صلى الله
عليه وسلم وما قام به من أعمالٍ جليلة وتصرُّفات حكيمة ومسالك قيِّمة عظيمة،
يدرك على الفور مدى ما كان يتمتَّع به المجتمع المسلم - آنذاك - من أمنٍ
واطمئنان وسكينةٍ ووقار، لم تتوفر في أي مجتمعٍ آخر. وهكذا كان حال المجتمع
الإسلامي في عهد الخلفاء الراشدين، وفي معظم العهود الإسلامية المتلاحقة يفوق غيره
من المجتمعات البشرية الأخرى في أمنه واطمئنانه. |
|
يقول الله تعالى ممتناً على هذه الأُمَّة
الإسلامية بإخراجها من ظلمات الشرك والخوف إلى نور الإيمان والتوحيد والأمان:
{الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ
مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ
الْحَمِيدِ}[35]. |
|
وقال تعالى أيضاً عن حال نبيه صلى الله
عليه وسلم: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ
رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[36]. |
|
كما يُذَكِّرُ المولى جلَّ وعلا الأُمَّة
كيف كانت قبل مبعث الرسول المصطفى والنبي المجتبى محمَّد صلى الله عليه وسلم في
عداوات وإحن وحروب وخوف وعدم اطمئنان في كُلِّ شيء، وما هي عليه بعد مبعثه
ودعوته صلى الله عليه وسلم من ألفة وأخوة ومحبة، وما يجب عليهم من الاعتصام
والتمسك بحبل الله المتين. |
|
يقول تعالى موضِّحاً ذلك:
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ
بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى
شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ
اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[37]. |
|
يقول الإمام ابن جرير الطبري - رحمه
الله تعالى - في المقصود بالآية الكريمة ما ملخَّصه: "تمسَّكوا أيها المؤمنون
بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه الكريم من الألفة
والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله تعالى، ولا تتفرَّقوا عن دين الله
تعالى ولا تعادوا عليه وكونوا عليه إخواناً. واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله
عليكم التي أنعم بها عليكم حيث كنتم أعداءً في شرككم، يقتل بعضكم بعضاً عصبية في
غير طاعة الله ولا طاعة رسوله، فألَّف الله بالإسلام بين قلوبكم، فجعل بعضكم
لبعضٍ إخواناً بعد إذ كنتم أعداءً، تتواصلون بألفة الإسلام واجتماع كلمتكم عليه. |
|
فهنا يذكرهم جلَّ ثناؤه إذ وعظهم عظيم ما
كانوا عليه في جاهليتهم من البلاء والشقاء بمعاداة بعضهم بعضاً، وقتل بعضهم
بعضاً، وخوف بعضهم من بعض، وما صاروا إليه بالإسلام واتباع الرسول صلى الله عليه
وسلم والإيمان به وبما جاء به من الائتلاف والاجتماع، وأمن بعضهم من بعض، ومصير
بعضهم لبعض إخواناً"[38].
فلله تعالى الحمد والمنة. |
المبحث الثالث: دواعي الأمن
وضرورته في المملكة العربية السعودية
|
|
بعث الله تعالى نبيه محمداً صلى الله
عليه وسلم للناس هدايةً ورحمة، وجعل مبعثه في مكَّة المكرَّمة في جزيرة العرب،
التي كانت تنتابها المحن والقلاقل والفتن وعدم الأمن، سوى أهل مكة بلد الله الحرام
الذين امتن الله تعالى عليهم بالأمن وعدم الخوف كما قال سبحانه: {لإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ
وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ
مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}[39]. |
|
ولقد تعاقبت على جزيرة العرب عهود
تاريخية كثيرة، وأحداث جسيمة ألقت بظلالها عليها، الأمر الذي أدَّى إلى عدم
الاستقرار وتضعضع الأمن وفشو الخوف بين الناس، وتوجس الشر في كثيرٍ من الأحيان.
ناهيك عن انتشار البدع والخرافات وتعلُّق الناس بالأوهام، وانصرافهم عن العقيدة
الإسلامية الصحيحة في كثيرٍ من الأوقات، وعدم فهمهم لدعوة الإسلام الخيرة
النافعة للإنسان في آخرته ودنياه[40]،
وخاصَّة في العهود الإسلامية المتأخرة. |
|
حتى امتن الله تعالى على الناس في هذه
الجزيرة بدعوة الشيخ الإمام محمد ابن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - داعية
التوحيد، ومجدِّد ما اندرس من عقيدة الإسلام في العصور الحديثة[41]،
وساعده ووقف بجانبه الإمام محمد ابن سعود أمير الدرعية، بل يمكن لنا القول أنَّ
دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - لم يكن لها أن تصمد وتنتشر ويكتب
لها النجاح لولا توفيق الله تعالى وحفظه وتأييده، ثُمَّ وقفة الأمير محمد بن
سعود لها وجهاده من أجلها. |
|
وتتابع الأئمة من آل سعود في احتضان
ورعاية الدعوة السلفية والعناية بها، وتكبدوا في سبيل ذلك المشاق والأهوال، بل
وتحمَّلوا المحن التي رانت على دولتهم في بعض عهودها من أجل هذه الدعوة المباركة
ومن أجل بقائها. |
|
حتى كان العصر الحاضر، وفي عهد الإمام
المؤسِّس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود الذي وحَّد الجزيرة بعد
شتات، ولَمَّ شعثها بعد طول سبات، فانتشرت على يديه المباركتين دعوة التوحيد،
وراجت كتبها، وتعدَّدت مؤسساتها العلمية، وانتفع الناس بها في الداخل والخارج.
كذلك ساد الأمن، وألقت الطمأنينة بظلالها الوارفة، وعمَّت السكينة أرجاء البلاد
بعد طول شتات وفرقة وخلاف، فلله الحمد والمنة. |
|
ومِمَّا سبق وتأسيساً عليه يمكن لنا أن
نذكر ونسجِّل بعض الأمور التي تستدعي الأمن وتتطلبه، بل وتؤكِّد عليه وتجعله
ضرورة هامَّة في هذه البلاد المباركة، ومطلباً حيوياً فيها وهي: |
|
أولاً: أنَّ المملكة العربية السعودية
تشغل معظم جزيرة العرب موطن دعوة الإسلام، ومبعث النور والضياء إلى الإنسانية
بأجمعها، فكان حريّاً بها أن تكون واحة الأمن والاستقرار. |
|
ثانياً: وجود الحرمين الشريفين في مكَّة
المكرَّمة والمدينة المنورة، وكذا بقية الأماكن والمشاعر المقدَّسة التي يهوي
إليها المسلمون لتأدية الركن الخامس من أركان الإسلام وهو الحج، أو ما يكون بقصد
العمرة والزيارة والصلاة. |
|
ولا شكَّ أنَّ الأمنَ لازمٌ لكي يقوم
المسلمون بتأدية عباداتهم تلك وإتمام ما أتوا من أجله في راحةٍ واطمئنان، ومن
هنا فقد أمر الله تعالى بأن يكون حرمه آمناً، وبيته ملاذاً للطمأنينة، ومستقراً
للسكينة منذ أن أمر جلَّ شأنه ببنائه على يد إبراهيم الخليل وإسماعيل عليهما
السلام كما قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا
الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ
إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ
طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَإِذْ
قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ
الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ
كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}[42]. |
|
وعن عبد الله بن زيد بن عاصم أنَّ رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال مؤكِّداً على حرمة مكَّة والمدينة: "إنَّ إبراهيم حرَّم مكَّة ودعا لأهلها، وإني حرَّمتُ
المدينة كما حرَّم إبراهيم مكَّة، وإني دعوت في صاعها ومدِّها بمثلي ما دعا به
إبراهيم لأهل مكَّة"[43]
وعن سهل بن حُنيفٍ قال: أهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فقال:
"إنَّها حرمٌ آمن"[44]. |
|
ثالثاً: وفود المسلمين في كُلِّ عام إلى
الديار المقدَّسة لأداء العمرة والحج، وبأعداد هائلة، ومن بلدان ومجتمعات
مختلفة، وتنقُّلهم في مشاعر عديدة كمنى وعرفات ومزدلفة، وفي أوقات وأزمنة
محدَّدة، وبكيفيةٍ معتبرة، كل ذلك يجعل من الأمن مطلباً هامّاً لهذه الجموع
المسلمة حتى تؤدي عبادتها ونسكها على أفضل وجه. |
|
رابعاً: إنَّ طبيعة هذه البلاد وموقعها
الجغرافي بين عِدَّة أماكن ونقاط التقاء برية وبحرية واحتوائها على ثروات عديدة،
جعل من الأمن ضرورة هامَّة لها. |
|
خامساً: نهضة المملكة العربية السعودية
والتنمية الشاملة في جميع المجالات والميادين الاقتصادية والزراعية والتعليمية
والاجتماعية، والرخاء الذي تنعم به، والأهمية المنوطة بأجهزتها تجاه المحافظة
على تلك المكتسبات جعل من الأمن مطلباً هامّاً لها. |
|
سادساً: احتواء المملكة العربية السعودية
العديد من الأجهزة والمنظمات والهيئات الإسلامية العالمية، كرابطة العالم
الإسلامي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، والبنك الإسلامي، والأمانة العامة لمجلس
التعاون لدول الخليج العربي، وغيرها من المنظمات والهيئات والسفارات والبعثات
الدولية، كُل ذلك يضاعف من مسؤوليتها الأمنية تجاه المحافظة على تلك الهيئات. |
|
سابعاً: مجالات العمل والإنتاج المتعددة
التي تشهدها المملكة العربية السعودية وتعيشها في عدة ميادين ومناشط، جعل من
الأمن مطلباً هامّاً لتحقيق هذه المطالب الهامة، وتوفير الحماية والأمان اللازم
لعناصرها. |
|
ثامناً: علاقات المملكة العربية السعودية
مع غيرها من الدول العربية والإسلامية والدولية، وارتباطها بهيئات ومنظمات
ومواثيق دولية، جعل من الأمن مطلباً هامّاً كذلك. |
|
تاسعاً: وهذا أمر وعنصر هام، وهو أنَّ
تأسيس المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز – رحمه الله تعالى -
جاء على فترة من الخوف وانقطاع السبل وتفشي الرعب بين الناس في هذه الجزيرة،
فكان توحيده لها على أساسٍ من العقيدة الإسلامية وجعل الأمن أصلاً من الأصول
التي ترتكز عليها هذه الدولة حتى يقطع دابر الفتن ويستأصل شأفة الخلاف بين
أرجائها. |
|
وكان جهاده - رحمه الله تعالى - في توطيد
الأمن في ربوع هذه البلاد مضرب المثل بين سائر البلدان ومختلف المجتمعات، وأصبح
كثيرٌ من المجتمعات يتمنى بعضاً ممَّا وصلت إليه هذه البلاد المباركة في إيمانها
وأمنها واستقرارها. |
|
كما كان لجهود الملك عبد العزيز - رحمه
الله تعالى - في بسط الأمن آثاراً عظيمةً في حفظ مقومات المجتمع السعودي وتنميته
وازدهاره في جميع المجالات والميادين، وسلك في سبيل تحقيق ذلك مسالك عديدة
متنوعة أثمرت عن كُلِّ خيرٍ ولله الحمد والمنة. وهو ما سوف نتعرَّف على بعضٍ منه
في الصفحات القادمة بإذن الله تعالى. |
الفصل الثاني
|
|
وأبرز جهوده في توحيد المملكة العربية
السعودية |
وسبل تحقيق الأمن في عهده
|
|
وفيه
تمهيد وأربعة مباحث: |
|
المبحث الأول: نشأة الملك عبد العزيز
والعوامل المؤثرة في شخصيته. |
|
المبحث الثاني: حالة الأمن في الجزيرة
العربية قبل توحيد الملك عبد العزيز لها. |
|
المبحث الثالث: أبرز جهود الملك عبد
العزيز في توحيد المملكة العربية السعودية ونشر الأمن فيها. |
|
المبحث الرابع: سبل تحقيق الأمن في عهد
الملك عبد العزيز. |
|
تمهيد |
|
إنَّ المتأمِّلَ في حياة الملك عبد
العزيز ونشأته - يرحمه الله - والعوامل التي أثَّرت في شخصيته، يدرك على الفور
مدى ما كان لتلك الأمور من أثر كبير وفاعلية هامَّة في مسيرته وجهاده العظيم في
توحيد المملكة العربية السعودية، ونشره للأمن والأمان فيها، وسلوكه السبل
الصحيحة المعينة على تحقيق ما كان يصبو إليه. |
|
فالملك عبد العزيز - يرحمه الله - لم
يأتِ من فراغ، ولم يصعد سُلَّم المجد، ويَتَسَنَّم ذرى البطولة دون تربية ونشأة
سليمة، وعوامل هامَّة أثَّرت في حياته وطريقة تفكيره وتقديره للأمور، صَقَلَت
شخصيته وأنضجتها وأعطتها الدربة الكافية لمواجهة الأحداث التي قد يتعرَّض لها
بعد ذلك. وهذا ما نجده واضحاً في جهاده - يرحمه الله - وطريقة توحيده للمملكة
العربية السعودية، وبسطه للأمن في ربوعها وبين جنباتها. |
|
وإنَّ المتمعِّن في حال الجزيرة العربية
قبل توحيدها يدرك ما كانت تعانيه وتفتقر إليه من أمن وأمان واستقرار واطمئنان
وراحة بال، ومقومات هامة في حياتها الاجتماعية والاقتصادية والعلمية، ناهيك عن
الناحية العقدية، وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بين أفرادها. |
|
وحينما قام الملك عبد العزيز - يرحمه
الله - بتوحيد هذه البلاد بعد طول شتات وفرقة ونزاعات، وطَّد الأمن في ربوعها،
وزرع السكينة بين جنباتها، وجمع الناس - بفضل الله تعالى - على العقيدة الصحيحة
والشريعة العادلة والألفة والمودَّة والمحبَّة بين الناس، فللَّه تعالى الحمد
والمنَّة.. |
|
المبحث الأول: نشأة الملك عبد العزيز،
والعوامل المؤثرة في شخصيته |
|
ينتسب الملك عبد العزيز إلى أسرة آل
سعود، وهي أسرة معروفة وعريقة ومن أفضل قبائل جزيرة العرب. |
|
فهو: عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل
بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن
موسى بن ربيعة بن مانع المريدي[45]. |
|
وكان مولد عبد العزيز في قصر الإمارة
بالرياض سنة 1293هـ/ 1876 م[46].
وعهد به أبوه - الإمام عبد الرحمن - إلى القاضي عبد الله الخرجي من علماء الخرج،
فتعلَّم مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ سوراً من القرآن الكريم، وقرأه كاملاً على
الشيخ محمد بن مصيبيح، ثُمَّ تلقى بعض أصول الفقه والتوحيد على يد الشيخ عبد
الله بن عبد اللطيف في كراسة صغيرة أعدها خصيصةً له[47]. |
|
وفي الرياض علَّمه أبوه الإمام عبد الرحمن
مبادئ الفروسية لإعداده للمشاركة في الأحداث التي تمر بها الأسرة، فأقبل عبد
العزيز على ذلك بشغفٍ فتعلَّم استخدام البندقية والسيف وركوب الخيل والإبل[48]. |
|
وعاش عبد العزيز في كنف أبيه في الرياض
وهو يسمع ويشاهد الصراعات والخلافات تعصف بالبيت الأمر الذي أدى إلى رحيل أسرة
الإمام عبد الرحمن إلى الكويت، وكان عمر عبد العزيز إذ ذاك إحدى عشرة أو اثنتى
عشرة سنة. |
|
وفي الطريق إلى الكويت مرَّت أسرة الإمام
عبد الرحمن بمحن عدة، حيث خرجت وهي تهيم على وجهها في الصحراء حيث عاشت مع قبائل
مرة والعجمان، ولكن الأسرة لم تحتمل حياة البادية وغلظتهم وجفاءهم، فأرسل الإمام
عبد الرحمن ابنه عبد العزيز إلى البحرين يستأذن الشيخ عيسى بن خليفة حاكم
البحرين في بقاء النساء والذرية في جواره، فوافق أمير البحرين، وعاد عبد العزيز
بعد ذلك إلى مضارب أبيه في الصحراء[49]. |
|
وكان الإمام عبد الرحمن قد قام بمحاولة
لاسترداد الرياض بعد |
|
ووصلت أخباره إلى ابن رشيد وهو في حائل
فأسرع بجيشه، فكانت المعركة في حريملاء، وانهزم جمع الإمام عبد الرحمن، وقتل عدد
من رجاله وأنصاره، لعدم تكافؤ الجيشين أو الفريقين، وكذلك لعدم تمكُّن الإمام
عبد الرحمن من الإحكام والسيطرة على مجريات الأمور. |
|
ونتيجةً لذلك دخل ابن رشيد الرياض، وقفل
الإمام عبد الرحمن عائداً إلى مخيَّمه في البادية، فأدركه ابنه عبد العزيز في
أطراف منازل العجمان[50]. |
|
ومن ثَمَّ أرسل الإمام عبد الرحمن ابنه
عبد العزيز إلى الأحساء يطلب إيواءه هو ورجاله، ولكن لم يوافق الترك على ذلك،
لأنَّ الأحساء كانت تابعة للدولة العثمانية. |
|
ومكث الإمام عبد الرحمن مع ابنه عبد
العزيز ومن معهما بين قبائل مرَّة والعجمان على أطراف الربع الخالي في صحراء
الدهناء فترة قدرت بسبعة أشهر[51]. |
|
وبدأ عبد العزيز يألف البادية، ويتحمَّل
مشاقّها، ويتعرَّف على طباع أهلها، ويجاري أبناءها في احتمال مكاره العيش،
واعتياد خشونة الحياة. |
|
وفرج الكرب عن الأسرة بعد مكاتبة الإمام
عبد الرحمن لشيخ قطر قاسم ابن ثاني وموافقته على استضافته، فانتقل الجمع إلى
قطر، ولحقت بالإمام عبد الرحمن أسرته التي كانت في البحرين. |
|
وبعد ذلك قصد الإمام عبد الرحمن الكويت
بعد تسهيل الدولة العثمانية وقبول ابن صباح حاكم الكويت لذلك، فانتقلوا إليها من
قطر سنة |
|
وفي الكويت تعلَّم عبد العزيز فنون
السياسة، واختلط بأربابها، حيث كانت الكويت ميداناً للصراع السياسي، والتَّسابق
الدولي إليها آنذاك. |
|
وتابع عبد العزيز أخبار الصراع القائم في
منطقة الخليج العربي |
|
ومن ذلك ندرك مدى الأهمية الدولية التي
كانت تتمتع بها الكويت والتي جعلت منها ميداناً للتصارع والتنافس الدولي إلى حين[54]. |
|
وكان يحكم الكويت آنذاك أميرها الشيخ
مبارك الصبَّاح، وكانت أيامه مليئة بالمناورات والمحاورات مع وفود الدول
ومحاولته البعد ببلده عن صراع تلك الدول وأطماعها، بدهائه السياسي، والذي ما لبث
أن انتهى بتوقيع معاهدة حماية سرية مع الإنجليز سنة 1316هـ/ 1899م وأعلنها بعد
عامين[55]. |
|
وكان عبد العزيز يرى كل ذلك ويرقبه
ويتعلَّم منه، حيث كان الشيخ مبارك يرى في عبد العزيز علامات النجابة ويتوسم فيه
الذكاء والألمعية وصفات العبقرية، فقرَّبه منه، وأجلسه بجواره، وتوقَّع له
مستقبلاً كبيراً. |
|
ومِمَّا سبق بيانه، وتأسيساً عليه يمكن
القول أنَّ هنالك جملة من العوامل الهامَّة التي أثَّرت في شخصية الملك عبد
العزيز ومجريات حياته وهي: |
|
أولاً: العقيدة الإسلامية الصحيحة التي
آمن بها، وتربَّى عليها وتخلَّق بها، فأثمرت فيه بوادر الخير والحرص على نفع
الناس، ولمِّ شعث الأُمَّة وتوحيدها من جديد. |