|
|
|
|
أصالة المنهج |
|
|
د/ عبد الرب بن نواب الدين بن
غريب الدين آل نواب |
|
|
الأستاذ المشارك بكلية
الدعوة وأصول الدين |
|
|
|
|
|
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول اللَّه
وآله وصحابته ومن والاه وبعد: فإن المنهج الأصيل في مختلف مسالك الحياة ضرورة
عصرية وبغية لا غنية عنها فهو سبب نهضة الأمم وبقاء الحضارات ونمائها ومصدر عزها
وسؤددها، وهذا مطرد في كل الأحقاب والأجيال: |
|
|
لأن
حياة الناس لا تنتظم إلا على منهج واحد يسلمون له ويذعنون إليه. |
|
|
ولأن الدين الحنيف هو السبيل الأقوم
والنهج الأعدل الذي تنبثق منه عرى الأمن والسلام، وتنبعث منه وشائج الحياة
السعيدة المستقرة التي تقيم في الإنسان موازين الحق والعدل، وتقيم موازنة حكيمة
بين متطلبات الجسد والعقل والروح. |
|
|
ولأن تعدد المناهج واختلافها وتنافرها
في المجتمع الواحد من أهم أسباب تفككه وعوامل ضعفه فانهياره، وهو داء نراه
يستشري في كثير من المجتمعات الإنسانية فيرديها، ومنها الأوساط الإسلامية إذ لا
يصلحها ولا ينهض بها غير الاستمساك بالهدي القويم والنهج الحكيم في أصالة ونقاء
من غير تجزئة ولا تحوير. وهذا ما دل عليه تاريخ المسلمين
في مختلف العصور والأحقاب. |
|
|
ولأن من مقررات الدين الحنيف أن المنهج
القائم على توحيد اللَّه عز وجل في ربوبيته وألوهيته، المؤسس على تحكيم شرعه
واتباع هديه هو المنهج الأصيل الذي نزلت به الكتب ودعت إليه الرسل وقام عليه أمر
الدنيا والآخرة. وبغير هذا المنهج لا تتحقق سعادة
الدنيا ولا نعيم الآخرة. |
|
|
والأصالة في
المنهج بكل محاوره ومضامينه ومقاصده ليست من مبتكرات العقل ولا من منجزات الفكر
البشري المحدود، ولا هي من معطيات الحضارات وتجارب الأمم، إنها فوق ذلك وأسمى من
ذلك. |
|
|
إن الأصالة هي ما تنزل به
الوحي الإلهي المعصوم على خاتم النبيين والمرسلين، والمنهج الأصيل هو ما تضمنه
الدين الحنيف بمراتبه الثلاث: الإسلام والإيمان، والإحسان، وهو ما يعبر عنه
بالعقيدة والشريعة والأخلاق. |
|
|
وللمنهج من الخصائص والمقومات
(كالربانية والشمولية والعصمة والخلود) ما يحقق فيه معاني الأصالة على مر
الأجيال، وتتابع الأحقاب إلى يومنا هذا وإلى يوم الدين. |
|
|
والحاجة اليوم تتنامى
وتتعاظم إلى هذا المنهج الكامل الفريد لاسيما بعد أن طغت النزعات المادية في
العالم، وتوغلت إثر ذلك في عالمنا الإسلامي الاتجاهات المادية التي تقصي الدين
عن الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بل وتعده من أسباب ضعضعة المجتمع
وحجر عثرة في طريق التقدم والتطور، فظلت المناهج الوضعية الوافدة خاضعة للتقويم
والتصويب بين الحين والحين، وكان ثمن التجريب فالتصويب واكتشاف الزيف باهظا بل
مدمراً لمقومات المجتمعات الإسلامية وخصائصها ورسالتها. |
|
|
وعلى صعيد العمل
الإسلامي المعاصر يتراءى للناظرين تعدد مناهج الإسلاميين أنفسهم وهم يرومون
تقويم ما اعوج في مسيرة المجتمعات الإسلامية، ويصدون عنها ما اعتراها من أسباب
البعد عن منهج اللَّه، والركون إلى المادية الجوفاء، فمنهم من جنح إلى الأخلاق
يدعو إليها، ويلاحي عنها، ويقتصر عليها، ومنهم من صوّب جهده وطاقته صوب الحزبية
فهو يخوض غمارها، ويزج بنفسه في معتركها في غير طائل، ويرى بأم عينه انغماس
الناس في البدع والشركيات واتخاذ الأسباب الصارفة عن أنوار التوحيد واقتفاء
السنة فلا يحفل به، ومنهم من يرى التقدم كامناً في احتذاء النمط الغربي ضارباً
عرض الحائط بمقومات الدين الحنيف وثوابته وقيمه وآدابه، ومنهم من ضاق أفقه
فانحصر المنهج عنده في الزهد والخمود واعتزال المجتمع، بل ومنهم من يرى في
التأصل تنفيرا وتفريقا للأمة، فهو يعادي ترسيخ العقيدة في القلوب ويجافي تصحيح
المفاهيم الخاطئة لمعنى كلمة التوحيد ومقتضياته ...
وتلك نماذج. |
|
|
وعلى هذا فإن إبراز
المنهج الأصيل الذي سار عليه ودعا إليه الأنبياء والمرسلون - عليهم الصلاة
والسلام - واجب الدعاة والعلماء والولاة لا يسعهم غير ذلك؛ لأن بنيان المجتمع الإسلامي
لا ينهض ولا يستقيم إلا على توحيد اللَّه تعالى وإفراده جل وعلا بالعبادة فلا
إله غيره ولا رب سواه، وإن العمل على هذا الأصل منقبة الدهر يصطفي اللَّه تبارك
وتعالى للتمسك به، والدعوة إليه، المخلص من عباده العلماء والولاة في مختلف
الأجيال، وتعاقب الأحقاب. |
|
|
ولقد رأينا كيف ابتدأ
النبي صلى الله عليه وسلم دعوته إلى توحيد اللَّه تعالى، وأنه طيلة العهد المكي
اقتصرت دعوته على تحقيق هذا المقصد الإيماني العظيم، وفي العهد المدني أقام
المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية الأولى على أساس العقيدة الخالصة التي نشرها
خلفاؤه الراشدون في الآفاق من بعده، وكيف قيض الله تبارك وتعالى من بعدهم من
الخلفاء والملوك والعلماء من رفعوا راية الإسلام في الدولة الأموية والعباسية
والعثمانية، وممن يذكره التاريخ من العلماء: الأئمة الأربعة وشيخ الإسلام ابن
تيمية مؤسس المدرسة السلفية في القرن السابع، والشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدد
الدعوة في القرن الثاني عشر، ومن آزر الدعوة من ملوك آل سعود إلى يومنا هذا. |
|
|
وأما الملك عبد العزيز
فقد قيضه الله تبارك وتعالى لهذا العمل الجليل والمقصد النبيل، واتسم جهده
وجهاده بما انفرد به في عصره، فقد تسلم راية الدولة الإسلامية قبل أن تسقط في
الأستانة فاتصل ارتفاعها واستمر، وراية الدولة الإسلامية لم تسقط أبدا منذ أن
أسس النبي صلى الله عليه وسلم أول دولة في الإسلام بالمدينة النبوية
.. وليتبين للناس أن منهج الرشد ليس في الشرق ولا الغرب، وإنما هو في هذا
الدين الحنيف الذي ارتضاه الله لعباده والذي لا يقبل دينا سواه بالاحتكام إليه
وتطبيق شرعه والاستمساك بهديه في مسالك الحياة كلها، وتأسيس ذلك على أساسه
الوطيد ومرتكزه الركين، وهو تحقيق كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول
الله) ومقتضياتها. |
|
|
إن التمسك بالمنهج
الأصيل في المجتمعات الإسلامية في عصرنا يتجاوز حدود الضرورة الحضارية والحاجة
المتجددة إليه، إلى ما هو أرقى من ذلك وهو أنه مطلب شرعي، وواجب ديني لا تتحقق
سعادة الإنسان إلا بالاستمساك به والدعوة إليه والذب عنه، وتقديمه على كل صور
وأنماط النظم الوضعية والاجتهادات البشرية، فالملك عبد العزيز رحمه الله صاحب
منهج، ومنهجه قويم لأنه مستمد من الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح رضوان الله
عليهم. |
|
|
والحديث عن المنهج وأصالته
حديث عن كيان وعقيدة ودولة بكل عناصر الدولة (السكان، والأرض، والحكومة،
والسيادة) والحديث عن عظماء الرجال تكثر شعبه، وتتعدد جوانبه؛ لتكاثر المجالات
التي تستدعي حديثا وكتابة وفقها وتأريخا. والحديث عن
الملك الصالح والإمام الملهم عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود يتشعب وتذهب فيه
مسالك الكتابة والتأمل كل مذهب، فإنه رحمه الله جمعت فيه مناقب عديدة وخصال
فريدة، قل أن تراها في عظماء الرجال بعد انصرام القرون المفضلة. |
|
|
ولئن كان رحمه الله مؤسس الدولة
السعودية الثالثة وبانيها فلقد قيضه الله تعالى في ظروف عصيبة، واجتباه لخدمة
الحرمين الشريفين في وقت كانت الأمة الإسلامية - ولا زالت - تمر فيه بمنعطفات
تاريخية غير مسبوقة .. وتحديات فكرية ترتكز على القوة
والنفوذ والغلبة لا على الحكمة والمنطق! |
|
|
فقد
استطاع - بعد توفيق الله - بقوة إيمانه ويقينه بالله وببصيرته النافذة وعزيمته
الماضية وملكاته المتعددة إقامة وبناء هذا الكيان الإسلامي الكبير: (المملكة
العربية السعودية) على منهج إسلامي راشد تجلت فيه الأصالة والمعاصرة في معادلة
متوازنة. فهي مملكة القوة والسلام، ومملكة الأمن
والوئام، مملكة العلم والإيمان، مملكة الحق والعدل، مملكة البناء والعمران،
مملكة الثقل الدولي المؤثر والموقر. |
|
|
والكتابة عن إمام فذ، وملك راشد في مثل
مقام الملك عبد العزيز ومنهجه الراشد شرف لكاتبه وتشريف لقارئه، ومعظم الذين
كتبوا في سيرة الملك عبد العزيز ممن عاصروه أو ممن لم يحظوا بمعاصرته نهجوا في
التأريخ له منهج الوصف، فظلت كتاباتهم - مع أهميتها وقيمتها العلمية الكبرى -
منحصرة في الجانب التاريخي الوصفي، وتنامت إثر ذلك الحاجة إلى كتابات تأصيلية
تكشف من خلال المنهج التحليلي أبعاد المعاني الإسلامية والأهمية العصرية للدولة
الإسلامية في فكر الملك عبد العزيز وسيرته ومنهجه، لتكون نبراسا للأجيال
القادمة، ولتعرف هذه الأجيال مكانتها وموقعها ورسالتها في خارطة العالم المعاصر،
عالم له توجهاته المادية العارمة، وله مع ذلك صبغته التكتلية العاتية، ولتعرف
تلك الأجيال ما قام به سلفنا من جهود موفورة، وما بذلوه من تضحيات مشكورة لإعلاء
كلمة الله في أرض الله. |
|
|
فإن من حق الأجيال الصاعدة أن تعرف في
قادتها إيمانهم وجهادهم وتضحياتهم، وتعي إثر ذلك مسالك الولاء لهم في السر
والعلن، للمحافظة على المكتسبات وإكمال المسيرة، وهو ولاء ووفاء للحق وللعقيدة
ومعطياتها، فقادة هذه البلاد هم - بعد الله تعالى - أولياء النعمة التي يرفل
فيها جيلنا والأجيال القادمة حيث شيوع الأمن، وغضارة العيش، وانتشار التعليم،
وقبل ذلك التربية العقدية والتبصرة الدينية القويمة . |
|
|
وعلى الصعيد الخارجي
العمل على وحدة الصف العربي وتعزيز الأخوة الإسلامية، والتضامن الإسلامي،
والإسهام في إيجاد كل ضرورات الحياة الإسلامية المثلى للقاصي والداني، وفي
المحافل الدولية ترسيخ مقومات الحق والعدل والسلام، وتلك ثمرة العقيدة الإسلامية
واستشعار المكانة والمسئولية التاريخية . |
|
|
بواعث الدراسة: |
|
|
وللكتابة عن تاريخ المملكة ومؤسسها
ودراسة منهاجه الأصيل في مثل هذه المناسبة العزيزة بواعث تتلخص فيما يلي:- |
|
|
أولاً:- إن دراسة وتأمل ماضي
المسلمين وحاضرهم للاتعاظ والاعتبار مطلب شرعي، لاسيما المنجزات وجهود الإصلاح
فهي في بؤرة الاهتمام الإسلامي، كيف كنا؟ وإلى ماذا
صرنا؟! تلك النقلة الهائلة من حالة التشتت والفرقة
والجهل والتناحر إلى نعمة الوحدة والقوة والعلم والمنجزات الحضارية… كل ذلك لم
يكن ليتم لولا مشيئة اللَّه تعالى ثم عزيمة الملك عبد العزيز وإيمانه.
|
|
|
ولقد أشاد القرآن
العظيم بهذا الجانب من حياة المسلمين فقال تعالى: {إِنَّ
اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}
[الرعد: 11 ] وللَّه
تعالى سنن نافذة وهي سنن ثابتة لا تتغير ولا تتبدل: |
|
|
منها أن نصر اللَّه وتأييده لا يتأخر إن صدق المسلمون في
إيمانهم وأخلصوا لربهم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}
. [ محمد:7 ] |
|
|
ومنها أن ظهور الأمة الإسلامية وقيامها بالحجة على الخلق أمر
مطرد فقد يعتريها فترات من الضعف والجهل وفشو المنكرات لكن نور الإسلام لا ينطمس
بالكلية بل يعاود قوته وسطوعه قال تعالى: {أَنْزَلَ
مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ
زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ
حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ
وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ
النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ} .
[الرعد: 17 ] |
|
|
وقال في موضع آخر: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} .
[غافر: 51 ] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا
تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة"[1]. |
|
|
قال النووي: "وفي
هذا الحديث معجزة ظاهرة فإن هذا الوصف ما زال بحمد اللَّه تعالى من زمن النبي
صلى الله عليه وسلم إلى الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر اللَّه المذكور في الحديث"[2]. |
|
|
\ومنها أن الأمة المحمدية أمة لها رسالة فهي أمة علم، وأمة صلاح
وإصلاح قال اللَّه تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ
أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [ آل عمران
. 110 ] |
|
|
\ومنها أن التمكين في الأرض لا يتحقق إلا إذا استمسك المسلمون بشرع الله وعملوا على إعلاء كلمة الله، قال تعالى: {الَّذِينَ
إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ
وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ
الأُمُورِ} [ الحج:41 ] . |
|
|
والمسلمون اليوم في أمس الحاجة إلى فهم
المنهج الأصيل الذي ارتضاه الله لهم والعروة الوثقى التي أمرهم بالاستمساك بها،
والصراط المستقيم الذي به مناط سعادتهم وانتصارهم، ولا تتحقق لهم السعادة والعزة
في الدنيا والآخرة إلا بهذا الطريق فحسب. |
|
|
ومنهج الملك عبد العزيز
- رحمه الله - موضع قدوة ومنار أسوة للباحثين عن سبل
السلام والأمن والوئام: |
|
|
إذ نبذ كل النظريات البشرية شرقية وغربية في إباء وشموخ. |
|
|
والتزم عقيدة
التوحيد صافية نقية كما وردت في الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح. |
|
|
وأقام على هذا الأصل الأصيل منهج الحكم
الراشد، وعليه أسس هذا الكيان الإسلامي المبارك. |
|
|
قال رحمه الله: "إنني أدعو
المسلمين جميعا إلى عبادة الله وحده والرجوع للعمل بما كان عليه السلف الصالح
لأنه لا نجاة للمسلمين إلا بهذا وأسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعا إلى ما يحبه
ويرضاه، إن المسلمين لا يرقون ولا ينهضون بالبهرجة والزخارف، إن سبيل رقي
المسلمين هو التوحيد الخالص والخروج من أسر البدع والضلالات والاعتصام بما جاء
في كتاب الله على لسان رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم"[3]. |
|
|
وإن الأبحاث العلمية في هذا الموضوع
تفتح للدارسين آفاقا رحبة في موضوعات هي في بؤرة الاهتمام الإسلامي بل والعالمي
المعاصر، وتحل إشكاليات في الفكر السياسي طالما دأب أعداء الإسلام على إيجاد تلك
الإشكاليات وتلفيقها مثل: (أهمية الدولة الإسلامية في العصر الحاضر)، (إقامة
الدولة على أساس ديني)، (موقع النظام السياسي في الإسلام وخصائصه في منظومة
النظم السياسية المعاصرة). |
|
|
ولقد ظهرت في مختلف مراحل التاريخ
الإسلامي بعد القرون المفضلة اجتهادات لخدمة الإسلام، وانتهاج طريقه القويم،
وهديه المستقيم ورفع رايته في كل الأصقاع صافيا من البدع والمكدرات، فقامت دعوات
ودول، لكن الدولة التي أقامها الملك عبد العزيز تفردت بجملة من الخصائص لم
تتوافر في من سبقها لما يحمله المنهج الذي تبناه من خصائص الأصالة، ثم لما اكتنفت
عصره من ظروف وأحداث. |
|
|
ثانيا - لا يخفى أن عصرنا عصر الغزو
الإعلامي المقنن، الأمر الذي يستدعي أكثر من أي وقت مضى أن نربط حاضر مجتمعنا
السامق بماضيه المجيد، وأن تظل أسباب العزة والقوة والوحدة نابضة في قلوب الشباب
وضمائرهم كي يكونوا هداة مهتدين، وعلى طريق الرشد سائرين، يقول الدكتور صالح
العبود: "وقد نشأ جيل جديد وجد نفسه في نعمة هذه الوحدة ولم يكن يعرف ضدها،
وأخشى أن يلهو ويغتر وينسى سبب نعمته فلا يأخذ به، فتنتقض عليه عرى أمنه
وهدايته، وتحل عليه بديلاتها مما يغزوه عبر الأقمار الصناعية وغيرها من عقائد الكفار وأفكارهم"[4]. |
|
|
وعلى هذا فإن من الضرورات المعرفية بل
من مقومات مجتمعنا أن يتعمق في وجداننا ومشاعرنا أسباب الأمن الوارف الذي نعيشه،
والتلاحم العميق الذي نرفل فيه، والوحدة المكينة التي ننعم بها وهو ماثل في
عقيدة التوحيد والاحتكام إلى الشرع المطهر وإقامة كافة مناهج الحياة ومباهجها
على هذا الأساس، وأن يتعمق مع ذلك في مشاعرنا ما بذله ولاة الأمر في القديم
والحديث من ترسيخ هذا الأصل الأصيل في ثقافتنا وبنيتنا الاجتماعية والفكرية، وما
لهم من أياد بيضاء في خدمة العقيدة والإسلام والمسلمين، لا يرجون من ورائها جزاء
ولا شكورا، ولا مقابل لها سوى الدعاء لهم بظهر الغيب دعاء خالصا يثمر وفاء وولاء
وإخلاصا وتلاحما. |
|
|
ثالثا - تصحيح المفاهيم الشوهاء
وتصويبها في أذهان الذين ساروا مع الدعايات المغرضة أو سايروها، وذلك بالأسلوب
العلمي الرصين وبالحجة والبرهان، من مثل اصطلاح (الوهابية) الذي يجده القارئون
كثيرا في كتابات المستشرقين، وقد تركت صورة محرفة حتى لدى بعض مشاهير الكتاب
والمؤلفين الإسلاميين كما في كتاب تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبي زهرة عفا
الله عنه، إذ جهل حقيقة الدعوة التي نادى بها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب
رحمه الله فجعل ما أسماه بالوهابية مقترنة مع البهائية والقاديانية تحت عنوان
(مذاهب حديثة)!.[5] |
|
|
وهذا ولا شك إسفاف
مبين، وفي مثله يقول الشاعر: |
|
|
كناطح صخرة يوما ليوهنها |
فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل[6] |
|
وقد فند الملك عبد العزيز رحمه الله هذه
الشبهة وتلك الفرية كما سيأتي إيراده قريبا إن شاء الله، كما فندها من قبل الشيخ
محمد وغيره رحمهم الله جميعا[7]. |
|
|
وبادئ ذي بدء لا مندوحة من التذكير بأن
ما قام به الملك عبد العزيز رحمه الله من تأسيس المملكة العربية السعودية وإقامة
بنيانها على قواعد الإسلام ولإعلاء راية التوحيد ليس إلا مظهرا من مظاهر رحمة
الله بعباده في هذه الجزيرة خاصة وبالمسلمين عامة، فللجزيرة العربية ومنها
الحرمان الشريفان خصائصها المميزة، فهي مهبط الوحي وبها قبلة المسلمين ومن أرضها
انبثقت رسالة الإسلام وسطعت أنوارها فعمت الأرض، وبالمدينة النبوية أقام النبي
صلى الله عليه وسلم أول دولة للإسلام، فلم تكن المملكة التي أقامها الملك عبد
العزيز إلا مظهراً من مظاهر رحمة الله وعنايته بالمسلمين، منذ أن انبثقت شجرة آل
سعود المباركة. |
|
|
ثم هو ثمرة لدعوة مستجابة إن شاء الله،
دعوة خرجت من قلب إمام عادل كان يأمل ويرجو رحمة ربه أن تكون كلمة التوحيد في أمته
وشعبه بقية نقية خالدة، قال ابن بشر عن الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود
المتوفى سنة (1218هـ): |
|
|
"وكان
لا يخرج من المسجد بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس ويصلي فيه صلاة الضحى، وقد
ذكر لي بعض من أثق به أنه كان يكثر الدعاء لهم في ورده، قال وسمعته يقول: اللهم
أَبق فيهم كلمة لا إله إلا الله حتى يستقيموا عليها ولا يحيدوا عنها"[8]. |
|
|
وهذا التواصل المبارك الذي يراه
المتأملون في تاريخ الدولة السعودية في أدوارها الثلاثة نموذج إسلامي فذ، يذكّر
بما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم من البر والإحسان، ومن ثم فهي رحمة مهداة،
ونعمة مسداة، وسنة ربانية نافذة: |
|
|
أن تظل راية
التوحيد خفاقة عالية بالتمكين لأهل التوحيد، قال تعالى:
{وَعَدَ
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا
يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ
الْفَاسِقُونَ} [النور:55] |
|
|
وأن يبقى الحرم آمنا، قال
تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا
حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [ العنكبوت:
67] وقال في موضع: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ
بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [ الحج: 25 ]. |
|
|
وأن لا يعبد في هذه البقعة الطاهرة من الأرض
غيره جل وعزّ قال تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ
هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش:34 ] وقال: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ
الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}
[ النمل: 91] |
|
|
وأن يشرف بخدمة مهبط الوحي من هو أهل له قال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ}
[ الأنعام: 53 ] وقال
تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ
تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ
مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ} [ آل عمران: 26 ] |
|
|
فتوحيد الله في ربو
بيته وألوهيته وحرمة البيت صنوان متلازمان منذ أن نزل القرآن الكريم بل منذ أن
بني هذا البيت، تأمل قول الحق جل ذكره: {وَإِذْ
بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً
وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}
[ الحج: 26 ] فقوله: {أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً} أي: لا تعبد معي
إلها غيري، وقوله {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ
وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} أي طهره من الشرك وعبادة الأوثان، وهو وجه
في التفسير ذكره أهل العلم[9]. |
|
|
إن التزام نهج الإسلام
في أصالته ونقائه، والإخلاص لله تعالى في العبادة هو الخيار الأوحد الذي أرسى
دعائمه الملك عبد العزيز، كما أرساه من قبل أسلافه الميامين الإمام تركي بن عبد
الله مؤسس الدولة السعودية الثانية، ومن قبله الإمام محمد بن سعود باني الدولة
السعودية الأولى بعد أن آزر واحتضن دعوة التوحيد التي نادى بها شيخ الإسلام محمد
بن عبد الوهاب، وكذلك هو امتداد لتاريخ حافل أحياه شيخ الإسلام ابن تيمية
ومدرسته السلفية الضاربة بجذورها إلى عصر التابعين فالصحابة فالوحي المنزل على
خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم |
|
|
وسيذكر التاريخ للملك
عبد العزيز بمداد من نور وقفته القوية الصلبة ومنقبته الفريدة بإقامة الدولة على
عقيدة التوحيد، وتأسيس كافة أنساق الحكم على تعاليم الشريعة الغراء دون هوادة،
وحفظ حقوق الإنسان كأتم ما يكون الحفظ في ظل الدين الحنيف، في وقت شهد فيه
العالم الإسلامي ائتمارا عالميا شرسا على إقصاء الدين من مجالات الحياة
السياسية، واستبدال ذلك بالنظم الوضعية والنظريات البشرية ذات المصالح الآنية
والمقاصد الوقتية ...[10] |
|
|
إن المتأمل الدارس لما
كتب عن الملك يحس أنه يقرأ عن سيرة قائد فذ ليست كالسير التي درج عليها عامة
العظماء والرواد، ويستشعر أنه في رحاب إمام عادل ورع تراه في ميدان الوغى مجاهدا
مقداما، وتراه في محرابه خاشعا متبتلا، وفي حديثه لبقا حكيما، يسمو بمكارمه إلى
مقام سامق يذكّر بسير الخلفاء الربانيين والأئمة المهديين الذين لم تنبت الأرض
مثلهم في أحقاب التاريخ إلا النادر القليل. |
|
|
وحسبه شرفا أنه تلقف راية
الإسلام يوم رام أعداء الإسلام إسقاطها لما تزعزعت الدولة العثمانية، فاتصل بذلك
ارتفاع راية الإسلام عبر مختلف الأحقاب التاريخية منذ أن أسس رسول الله صلى الله
عليه وسلم دولة الإسلام الأولى في المدينة النبوية. |
|
|
وحقيقةً فإن المتأمل في سيرة الملك عبد
العزيز يأخذه الإعجاب من مواهبه المتعددة ومناقبه المتكاملة، ومنهجه الأصيل
ومنجزاته الإسلامية الباهرة، ولولا فضل الله ورحمته ومنّه وإحسانه بأهل هذه
البلاد وبالمسلمين عامة بل وبالإنسانية جمعاء ما قام عبد العزيز بما قام ولا
أنجز ما أنجز!. |
|
|
شخصية الملك عبد العزيز
في مكنونها ظاهرة أخلاقية فريدة لا تفي بحقه الدراسات التحليلية لأحقاب
عديدة! فهو السياسي المحنك والعسكري
المتمرس والمربي المستبصر والعالم المستنير والعابد الزاهد المتبتل في محرابه،
والمتحدث اللبق المفوّه والقائد الملهم وذو الخُلُق الكريم. |
|
|
ولئن كانت المعالم
الرئيسة لسيرة الملك عبد العزيز ثلاثة كما يقول معالي الدكتور عبد الله التركي وهي: |
|
|
1- عبقريته ومواهبه المتعددة المتكاملة . |
|
|
2- المنهج القويم الذي التزمه . |
|
|
3- والنموذج الاجتماعي والسياسي الذي بناه[11]. |
|
|
فإن كل معلم من هذه
المعالم النيرة مدرسة في حد ذاتها لها مقوماتها وخصائصها تستأهل أسفارا ضخاما. |
|
|
لذا نقتطف قبسا من
حياته المباركة وسيرته الفذة في (أصالة المنهج) الذي اتبعه، وهو أهم وأجل
الجوانب التي اكتنفت حياته المباركة، والتي من خلالها تتجلى (الأصالة) ناصعة
بهية، لنرى كيف أن الله تعالى قيض هذا الإمام الهمام والملك الراشد، وادخره
بمواهبه ومناقبه وعزيمته ليظهر في غمرة الأحداث المتتابعة في بقعة من أطهر البقاع،
وفي فترة هي أخطر الفترات، وكيف قاد شعبه من الصحراء إلى المجتمع الدولي!. |
|
|
وهو مع ذلك وقبل ذلك داعية
التوحيد، يعمل من أجل ربه جل وعز، ولإعلاء كلمته ونصرة المسلمين. |
|
|
فلقد كانت الأمة الإسلامية في مهب الريح
في أعقاب تفكك الدولة العثمانية وظهور التوجهات الفكرية والنزعات العرقية
والمطامع الاستعمارية، من بين كل هذه الأخطار الجسام والنوازل العظام خرج الملك
عبد العزيز بشخصه المهيب، ومنهجه الأصيل ليقيم مملكته إسلامية ترفرف عليها راية
التوحيد وتجمع بين شعبه كلمة التوحيد، وتنهض عزيمته الميمونة بواجبات إسلامية جليلة
في مجال الدعوة إلى الله، والحفاظ على بيضة الإسلام في كل مكان ورعاية شئون
المسلمين لاسيما الأقليات، استشعاراً بمسئوليته الإسلامية وموقعه ومكانته. |
|
|
ثم هو يقوم بهذه
الواجبات الجليلة جنباً إلى جنب واجباته في الداخل بتوحيد أجزاء المملكة وتشييد
صروحها العلمية والأمنية والصحية والتنموية المتعددة، في تسابق مع الزمن، وبناء
المواطن الصالح كأنموذج للإنسان المسلم المعاصر المتدرج في أكناف عقيدة التوحيد،
والمعتز بقيادته الواعية الراشدة، المترعرع في أحضان كيان متميز يستشرف خدمة
الإسلام والمسلمين ويشرف بها. |
|
|
ومن أجلّ منجزات الملك عبد
العزيز التي لا تقارن بغيرها إطلاقا تربيته الفذة لأبنائه البررة الذين تحمّلوا
الأمانة من بعده ورفعوا راية التوحيد خفاقة عالية، وواصلوا مسيرة الخير والعطاء
وبذلوا كل شيء لخدمة الإسلام والمسلمين. |
|
|
نبذة
عن عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: |
|
لم
تتجاوز دعوة الشيخ محمد رحمه الله أصل الدين وجوهره، وهذا أمر واضح جلي يلمسه كل
من قرأ تاريخ الشيخ وسيرته وتأمل في كتبه ورسائله.
|
|
ولعله من
المناسب هنا إيراد طرف من كلامه يجلي فيه الأصالة في وضوحها ونقائها ويذب عنه ما
ألصق به زوراً وبهتاناً، فها هو يقول في رسالة إلى بعض من سأله:
|
|
|
وأما ما ذكر لكم عني فإني
لم آته بجهالة بل أقول ولله الحمد والمنة وبه القوة {قُلْ
إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ
إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}
[الأنعام:161 ]. |
|
|
ولست ولله الحمد أدعو
إلى مذهب صوفي، أو فقيه، أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم
والذهبي وابن كثير وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له وأدعو إلى سنة رسول
الله صلى الله عليه وسلم التي أوصى بها أول أمته وأخرهم وأرجو أني لا أرد الحق
إذا أتاني بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق
لأقبلنها على الرأس والعين ولأضربن بكل ما خالفها من أقوال أئمتي حاشا رسول الله
صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقول إلا الحق[12]. |
|
|
وقد لقي الشيخ من الجهلة صدودا وكيدا -
شأن الدعوات الإصلاحية- فكان يفند ما افتري عليه بالدليل البين والأسلوب الرصين،
ومن ذلك قوله في إحدى رسائله: |
|
|
من محمد بن عبد الوهاب
إلى عبد الرحمن بن عبد الله (عالم أهل العراق في زمانه). |
|
|
سلام عليكم ورحمة الله وبركته أما بعد: |
|
|
فقد وصل كتابك وسر
الخاطر جعلك الله من أئمة المتقين، ومن الدعاة إلى دين سيد المرسلين وأخبرك إني
ولله الحمد متبع ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة
والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم ألقى
الله لكني بينت للناس إخلاص الدين لله ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من
الصالحين وغيرهم وعن إشراكهم فيما يعبد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود
وغير ذلك مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل وهو الذي دعت
إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة
..) [ثم شرع يرد على الكذب الذي ألصقوه به
وقال]: "ومنها ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني وازعم أن
أنكحتهم غير صحيحة ويا عجبا ؟ كيف يدخل هذا في عقل عاقل ؟ هل يقول هذا مسلم أو كافر ؟أو عارف أو مجنون ؟!
وكذلك قولهم إنه يقول لو أقدر على هدم قبة النبي صلى الله عليه وسلم لهدمتها
وأما دلائل الخيرات فله سبب وذلك أني أشرت على من قبل نصيحتي من إخواني أن لا
يصير في قلبه أجل من كتاب الله ويظن أن القراءة فيه أجل من قراءة القرآن، وأما
إحراقه والنهي عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بأي لفظ كان فهذا من البهتان"[13]. |
|
|
ومن هذا يتبين: |
|
|
* أن دعوة الشيخ إنما كانت إلى أصل
الدين الحنيف وأساسه وهو توحيد الله تعالى في عبادته، وهي أصل دعوة النبي صلى
الله عليه وسلم والأنبياء من قبله عليهم الصلاة والسلام، عقيدة سهلة تستجيب لها
الفطر السليمة والعقول القويمة. |
|
|
* وأنه - رحمه الله - كان بعيداً عن مظاهر التشدد والتطرف مما لفقه
أهل الأهواء، وألصقوه به وراج عند الدهماء، فلقد طفق ينفي عن دعوته الغلو الذي
افتراه عليه أعداء الدعوة، ويفند ذلك بالأدلة العقلية والنقلية في قوة وإفحام،
وكيف وهو الذي نادى بالعودة إلى العقيدة صافية بعيدا عن غلو المتأولين وتأويلات
المتكلمين. |
|
|
·
وأنه
-رحمه الله - لم يأت بجديد، ولم يخترع مذهبا حديثا كما يلفقه أعداء الإسلام،
وإنما أحيا الله عز وجل على يديه ما اندرس من معالم الدين وسنن الهدى، وأمات على
يديه الشرك والبدع والخرافات والدجل والباطل الذي يروج ويسود في غيبة الحق. |
|
|
إن التدين لا يصح ولا يستقيم إلا إذا كان
الأسس التي بني عليها الإسلام وأول ذلك تحقيق التوحيد بأنواعه الثلاثة:
الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، ثم إقامة مسالك الحياة على هذا الأساس. |
|
|
وتوحيد العبادة أساس الحياة السعيدة وهو
سر التفوق والمنجزات والاستقرار ومصدر كل خير وسبيل النجاة يوم القيامة، ولما
مضى على هذا سلف المسلمين ازدهرت حضارتهم وسادوا الدنيا أكثر من ألف عام، وكان
لهم ثقلهم ووزنهم في كافة الأصعدة، وإنه ليس يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح عليه
أولها. |
|
|
لمحة عن الأصالة: |
|
|
(لولا الله ثم عبد العزيز) كلمة ترددها الشفاه أنى سارت، وأنى
توجهت، يلفظها اللسان، وتنطلق من كل فم، يرددها البدوي ويلهج بها الحضري،
ويقولها الأمي ويتغنى بها المثقف، الكل يقول لك: "لولا عبد العزيز بعد
مشيئة الله لما كان كذا وكذا". |
|
|
وهذه المقولة النابعة
من الأعماق تعكس حالين متباينين: الحالة المتردية التي عاشها الناس قبل العهد
السعودي من فشو الجهل والمرض والخوف وكل ما يفتقده المجتمع من مقومات الحياة
الفاضلة في غيبة سلطان الشرع. |
|
|
ثم في نقلة سريعة حالة
الأمن والوحدة والعلم والتحضر في خطى ثابتة متسارعة وفي زمن قياسي على نحو لم
يعهده الناس من قبل .. فإذا هم على مشارف العصر وبروح العلم
والإيمان والطموح، وفي نقلة هائلة من الصحراء وشظف عيشها إلى التحضر بكل وسائله
من فرض التعليم، وإنشاء الهجر، وتوطين البدو الرحل، وتشجيع الصناعة والزراعة
ونشر بساط الأمن، تلك هي قصة الملحمة التي عاشها الناس ويذكرونها لعبد العزيز
الملك المسلم المخلص ويذكرونه بها، ويحمدون الله عز وجل أن قيض لهم هذا الإمام
الملك الراشد. |
|
|
وكان
هذا الولاء والحب نابعا عن قناعة راسخة ومحبة ثابتة لا تتزعزع، وكان الملك عبد
العزيز أهلا لذلك، فهو صاحب أصالة في التمسك بالعقيدة، وأصالة في السيرة
الذاتية، وأصالة في الفكر، وأصالة في الأخلاق، وأصالة في التعامل مع مستجدات
الحياة. |
|
|
وتتنامى الحاجة في عصرنا وجيلنا إلى
توطيد وترسيخ مفهوم المعاصرة في مختلف جوانب الحياة، وتطرد الحاجة قبل ذلك ومع
ذلك إلى إبراز الأصالة كمرتكز أساس في الحياة الإسلامية المعاصرة وإلى الأهمية
القصوى للدولة الإسلامية المعاصرة، لا سيما بعد بروز الأنماط غير المكترثة
بالدين، والتي تحد من دوره الحيوي في الحياة (كالعلمانية واللادينية) وهي أنماط
نشأت في البلاد الغربية ولا تصلح إلا لبيئاتها الأصلية، ولا تناسب إلا الرواسب
الثقافية والتاريخية لتلك البيئات. |
|
|
والأصالة - كما يقول علماء اللغة -
تتضمن معاني القوة والثبات والاستحكام، وأصل الشيء: أساسه الذي يقوم عليه ومنشؤه
الذي ينبت منه[14]. |
|
|
ومن مدلولات الأصالة:
القاعدة وأصل كل شيء أسفله، وأيضاً: الدوام والاستمرار، يقال: إن النخل بأرضنا
لأصيل أي هو بها لا يزال ولا يفنى[15]. |
|
|
وتتسم
الأصالة في منهج الملك عبد العزيز -رحمه الله - وفي سيرته بالخصائص التالية: |
|
|
أ - إقامة المنهج بكل
أنساقه على عقيدة التوحيد وهي أصل الدين الإسلامي ولبه وحقيقته ومرتكزه، بل هو
أصل الأصول كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم[16]. |
|
|
ب - الاستمساك
ومع ذلك مقتضيات العقيدة من شريعة (عبادات ومعاملات وأخلاق) وإقامة كافة شئون
الحياة على هذا النسق، فالدين الحنيف كامل شامل. |
|
|
ج - الاعتزاز بهذا
المنهج الرباني الفريد (ورفض كل صور وأشكال التزييف للمنهج ورفض الأخذ بالمنهج
ناقصاً أو مشوباً أو مجزءاً) |
|
|
د - رد كل أشكال وصور
النظم البشرية السائدة المنافية للعقيدة ومقاصد الشريعة وذلك في إباء وثبات،
كالفكر العلماني والماركسي والقومي والعنصري والميكيافيلي والمرقع والانفصامي وغيرها[17]
وإقامة موازنة المعاصرة بمعايير نابعة من صميم العقيدة الإسلامية
الخالدة، الصالحة لكل عصر ومصر. |
|
|
ولسنا في حاجة إلى
إثبات الأصالة التي نهجها الملك عبد العزيز في إقامة دولته فهو أمر معروف مشهود
كالشمس في رابعة النهار وضوحاً وجلاءً، والناس كلهم منذ أن أرسيت قواعد الدولة
يعرفون ذلك ويعونه وهو سر ولائهم له وتقديرهم لجهوده وجهاده وإعجابهم بشخصيته
الإسلامية الفذة وتفانيه في خدمة دينه وعقيدته وشعبه وأمته. |
|
|
ومن نافلة القول - بعد هذا - أن نقول إن
الأصالة التي اتسمت بها الدولة السعودية منذ أن قيض الله لها المحمدين الشيخ
محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود - رحمهما الله -هي قيام دولة على أسس
الإسلام وركائز الإيمان وإقامة كافة أنساق الحياة على هذا الأساس المتين والأصل
المكين. |
|
|
فلقد قامت الدعوة إلى
توحيد الله وإفراده سبحانه بالعبادة، وطرح كل ما ينافي ذلك من الشركيات
والخرافات والبدع، والعودة إلى أصل الدين صافيا كما كان عليه السلف الصالح وهذا
هو أصل الأصول وقاعدة القواعد، وهو محور رسالات الله ودعوات كل الأنبياء كما هو
جلي في قول الحق جل ذكره: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ
قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا
فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25] وقوله: {يُنَزِّلُ
الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ
أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ} [النحل: 2]. |
|
|
ولقد استمد الملك عبد
العزيز منهاجه وقوته في عمله وإنجازه من قوة إيمانه بالله وصلته به ووثوقه
بفضله، وتعلقه به وكان السر في نجاحه وسؤدده وتوفيق الله له: عقيدة التوحيد التي
رباه عليها والده الإمام عبد الرحمن الذي تربى عليها هو بدوره في تسلسل ميمون
إلى جده الأعلى الإمام محمد بن سعود رحمهم الله جميعاً. |
|
|
ويتضح ذلك من عشرات المواقف الكريمة،
أقتطف منها في هذه العجالة ما يجلي هذا المقام: |
|
|
أ- يوم فتح الرياض بعدد
قليل من الرجال لا يتجاوزون الأربعين وكان ذلك في موازين العقل السائد مغامرة أو
ضربا من الخيال، لكن الإيمان بالله والوثوق بتأييده ونصره والتوكل عليه،
والإنابة إليه، والاستعانة به، والتضرع بين يديه، وكلها من معاني التوحيد
ولوازمه يفعل الأعاجيب. وبفضل الله ثم بوثوق عبد العزيز بالله وبنصره حقق ما
أراد. |
|
|
ب - أقواله المفعمة بالإيمان بالله،
وتعد مدرسة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، له أسسه وخصائصه وسماته المميزة
ومعالمه الواضحة، فمن أقواله: "اثنتان أحمد الله على واحدة منهما وأشكره
على الأخرى، أحمد الله على أني أكره أهل الضلال وعلى كراهية أهل الضلال لي،
وأشكره على محبة أهل الخير لي ومحبتي لهم"[18] |
|
|
وفي
هذا تتجلى قوة تدين الملك عبد العزيز وهو السياسي المحنك، وهذه سمة مميزة ترفعه
عند الله تعالى درجات، إذ يجنح أغلب الساسة إلى المصانعة والمسايرة لكسب الأصوات
واصطناع المحبين الزائفين ولو على حساب الدين، ويرون ذلك من الكياسة واللباقة!
وما هو إلا من ركاكة التدين وخور الهمة. |
|
|
وتبرز - أيضا - أصالة الفكر السياسي
القائم على أساس الدين القويم، وأن ذلك هو الأصلح والأوفق لأنه يتسم بالصدق
والوضوح، ومعروف ما للصدق من آثار عميقة في استحداث الثقة بين القائد والرعية
واستحثاثها. |
|
|
ومن أقواله أيضا: "أنا قوي بالله
تعالى ثم بشعبي، وشعبي كلهم كتاب الله في رقابهم، وسيوفهم بأيديهم، يناضلون
ويكافحون في سبيل الله، ولست أدعي أنهم أقوياء بعددهم أو عددهم ولكنهم أقوياء إن
شاء الله بإيمانهم"[19]. |
|
|
وقد
تضمن هذا القول الحكيم ميزانا شرعيا دقيقا في معرفة حقائق الناس ومقياس القوة
لديهم، فالناس بإيمانهم ومبادئهم وثباتهم عليها واستعدادهم للتضحية في سبيلها،
وليس بمظاهرهم وعددهم. |
|
|
ج - في مؤتمر الرياض عام 1347 هـ إثر
خروج بعض الإخوان عليه قال: "أسست هذه المملكة من دون معين، وكان الله
القدير وحده معيني وسندي وهو الذي أنجح أعمالي"[20]. |
|
|
وبقدر ما في هذا القول الباهر من وثوق
عبد العزيز بالله جل ذكره وقوة صلته به واعتماده عليه، بقدر ما فيه من اعتزاز
القائد بمبادئه العقدية وهو ما ينمي في الرعية بواعث الإعجاب بالقيادة المعتزة
بدينها كما يعمق فيهم التدين الذي يعصم من داء التشرذم والتفرق ويحض على
الاجتماع، وهو أمر لا يفقهه إلا العظماء المتمرسون من الساسة. |
|
|
د - في قصة المحمل الذي كان الحاج
المصري وغيره يأتي به في الموسم وقد اشتمل على الطبول والبدع، قال المؤرخون عن
حجة عام 1344 هـ: "بينما حجاج العالم الإسلامي من جميع الممالك والأقطار
مجتمعون في مخيماتهم بمنى، تلفت عربان نجد وكانوا أكثر الحجاج عددا في ذلك العام
فرأوا أمامهم (المحمل) القادم من الحج المصري على جمل يتهادى بين الجموع تحيط به
موسيقاه وعساكره ودبدباته، وتصايحوا: الصنم الصنم! وتهافتوا يرشقونه بالحجارة
وهم بملابس الإحرام ولم يكن من أمير الحج المصري إلا أن أمر بنصب المدافع
والرشاشات واطلاق نيرانها على الجموع"!!. |
|
|
قال الزركلي: "وأخبرني ثقات من
حجاج ذلك العام أن عبد العزيز لما علم بالخبر وهو على رأس الحجيج نهض من سرادقه
وأسرع يعدو إلى أن توسط ما بين العربان ونار الجند،
وبسط ذراعيه يصيح: أنا عبد العزيز! أنا
عبد العزيز! وكان من حسن حظ العرب
والإسلام أنه لم تتناوله رصاصة طائشة أو متعمدة، وهدأ إطلاق النار وتدخل الجند
السعودي وانكف الناس وأمر بحجز المحمل عن الأنظار"[21]. |
|
|
وهكذا حل
الملك هذه المعضلة بثقته بالله ثم بنفسه، وثقته بولاء مواطنيه وحب المسلمين من
جميع الأقطار الإسلامية لشخصه الكريم وأسلوبه الحكيم، يقول وهو واثق من نفسه:
أنا عبد العزيز أنا عبد العزيز!! وفي المفاجآت والشدائد تتكشف جواهر الأخلاق
والطباع. |
|
|
من هذه القبسات ومن خلال سيرته المباركة
يتبين أن الملك عبد العزيز رحمه الله كان صاحب منهج له معالمه وخصائصه، فهو ملك
ليس كسائر الملوك، لا يفتأ يذكر منهجه ورسالته في غمرة الأحداث، ولا ينقطع أمله
بالله وبنصره حتى في أحلك الظروف. |
|
|
خصائص المملكة العربية
السعودية: |
|
|
الحديث عن الملك عبد العزيز يستتبع
الحديث عن خصائص هذا الكيان الكبير الذي أسسه (المملكة العربية السعودية) وما
ينفرد به من خصائص ومميزات دينية وتاريخية وسياسية هي في مكنونها مظهر من مظاهر
الأصالة: |
|
|
أول هذه الخصائص تميز المملكة بالنظام
الإسلامي الراشد الذي يتخذ من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة مرجعا في
كافة الشئون، فهو نظام قائم على الكتاب والسيف، على العلم والقوة، والمملكة بهذه
الخاصية تنفرد من بين سائر الممالك الإسلامية المعاصرة حسب علمنا. |
|
|
جاء في التعليمات
الأساسية للمملكة الصادرة بالتصديق الملكي الكريم في 21 صفر سنة 1345 هـ: في
المادة الخامسة من القسم الثاني ما نصه: (تكون جميع إدارة المملكة الحجازية[22]
بيد صاحب الجلالة الملك عبد العزيز الأول بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود
وجلالته مقيد بأحكام الشرع الشريف). |
|
|
وفي المادة السادسة:
(الأحكام تكون دواما في المملكة الحجازية[23]
منطبقة على كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وما كان عليه
الصحابة والسلف الصالح)[24]. |
|
|
و هذا النهج القويم
يعطيها بعدا استراتيجيا هاما في الدراسات السياسية المقارنة، وفي الدراسات
المتعلقة بالتنمية، وفي هذا النهج الإسلامي الراشد دلائل قواطع تبطل الإشكاليات
التي لفقها أعداء الإسلام في صلاحية الإسلام كنظام للحكم، فالنظم الإسلامية
(النظام الاجتماعي، والاقتصادي، والثقافي، والسياسي) تواكب التقدم والتطور إذ
تحث على العلم وتدعو إلى الأخذ بكل جديد نافع، وعليه فإن النظام العلماني ليس
بالضرورة شرطا لتحقيق التقدم والازدهار. |
|
|
ثانيا: احتضان المملكة
لقبلة المسلمين وتشرفها بخدمة الحرمين الشريفين، حيث يؤمها أكثر من ألف مليون
مسلم في صلواتهم خمس مرات في اليوم من كافة أنحاء العالم. |
|
|
كما تهوي إليها أفئدة
الحجاج والمعتمرين والزائرين، وهذا يكسبها ثقلا سياسيا رائدا، كما يضفي على
كاهلها مسئوليات وواجبات إسلامية جساما، لا تدخر المملكة وسعا في القيام بها مما
هو واقع ملموس للقاصي والداني، فهي رائدة التضامن الإسلامي، ومناصرة المسلمين
ماديا ومعنويا، ومعينة لكل من ينشد الخير والسلام والوئام للإنسانية. |
|
|
ثالثا: الموقع الجغرافي
الفريد إذ تتوسط قارات العالم وتمثل جسرا يربط مختلف الدول الأوربية والآسيوية
والأفريقية تجاريا وسياسيا وثقافيا، وللمملكة أطول ساحل شرقا وغربا وجنوبا من
بين الدول العربية، وللخليج في ساحلها الشرقي أهمية استراتيجية قصوى .. وهذا الموقع الجغرافي المتميز يهيئ العديد من المصالح
السياسية والتجارية والحضارية. |
|
|
رابعا: الأهمية الحاسمة
للثروة البترولية التي تعد من المصادر الإستراتيجية للطاقة على اختلاف محاورها
الصناعية والحربية والتقنية وغيرها، لا سيما وقد دلت الأبحاث العلمية على أنها
ثروة طويلة المدى غير ناضبة على المدى القريب. |
|
|
خامسا: المملكة نمط
فريد في بناء الأمة بكل مقوماتها الحضارية وأصالتها التاريخية وخصائصها، وهذا في
مكنونه مثال فذ رائع للنموذج الموفق في الجمع بين الأصالة والمعاصرة، والتحول من
ظروف القرن الثامن عشر إلى أوضاع القرن العشرين. |
|
|
وجملة القول: إن
الخصائص التي تضافرت في كيان المملكة أضفت عليها المكانة المرموقة، والمواقف
المتوازنة الحكيمة سواء على الصعيد العربي أو الإسلامي أو الدولي، فضلا عن
الأهمية القصوى للمملكة على مختلف المحاور. |
|
|
وهذا مرده في الحقيقة
إلى النهج الوسط الذي تسلكه المملكة، وهو وحي عقيدتها وتاريخها، فالمملكة عامل
استقرار مهم ليس في المنطقة فحسب بل وعلى المستوى العالمي، والمملكة بلد الأمن
بكل معانيه وأبعاده لأنها مأرز الإيمان، وكما قال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ
بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [ الأنعام:
82 ]. |
|
|
|
|
[1] متفق عليه : رواه البخاري في كتاب فرض الخمس (3116) ط وترقيم فتح الباري المطبعة السلفية 1380هـ مصر ـ ومسلم في كتاب الإيمان (156) ترقيم محمد عبد الباقي ط دار القلم. |
|
[2] المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 13/67 ط 1407هـ/1987م دار القلم بيروت. |
|
[3] مع عاهل الجزيرة العربية ـ لعباس العقاد ص19 ـ ط: المكتبة العصرية بيروت (دون تاريخ الطبع). |
|
[4] عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية - للدكتور صالح العبود ص 15 ط : الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة 1408 هـ |
|
[5] تاريخ المذاهب الإسلامية 1 /
207 ط : دار الفكر العربي 1987 م |
|
[6] ديوان الأعشى ص 61 شرح وتعليق د. محمد محمد حسين، ط : المطبعة
النموذجية 1950م القاهرة، والكامل في
اللغة والأدب لأبي العباس المبرد 1 / 397
ط : المكتبة التجارية الكبرى ( دون تاريخ الطبع ) . |
|
[7] انظر ص 22 من هذا البحث. |
|
[8] عنوان المجد في تاريخ
نجد1 / 126 لعثمان
بن بشر ط: مكتبة الرياض الحديثة (دون
تاريخ الطبع ) . |
|
[9] انظر تفسير ابن كثير 3/238 ط دار السلام ـ الرياض 1413هـ / 1992م. |
|
[10] أنظر في موضوع الغزو
الفكري للعالم الإسلامي : ( قلاع المسلمين مهددة من داخلها وخارجها )
للدكتور محمد عبد القادر هنادي، ط : مكتبة الطالب الجامعي 1408هـ/1978م - مكة المكرمة، وأيضا : ( في الغزو الفكري )
لنذير حمدان ط مكتبة الصديق - الطائف ( دون تاريخ الطبع ) . |
|
[11] الملك عبد العزيز والمملكة العربية السعودية -لمعالي الدكتور عبد الله التركي -ص 18 ط الزهراء للإعلام العربي 1409 هـ /1989 م القاهرة |
|
[12] تاريخ نجد 2/11 وأيضا 2/
219 الحسين بن غنام ط 1403 هـ الرياض والدرر السنية 1/31 -32 لعبد الرحمن بن قاسم
القحطاني ط 1385 هـ / 1965 م. |
|
[13] تاريخ نجد لابن غنام
2/155 والدرر السنية 1 /54 –55. |
|
[14] المعجم الوسيط 1/20 مادة (أصل ) مجمع اللغة
العربية بالقاهرة ط: طهران (دون تاريخ) وانظر لسان العرب 11/16 مادة (أصل ) - محمد
مكرم ابن منظور ط : دار صادر بيروت (دون تاريخ الطبع ). |
|
[15] المعجم الوسيط 1/20 مادة
(أصل ) مجمع اللغة العربية بالقاهرة ط: طهران (دون تاريخ) وانظر لسان العرب 11/16
مادة (أصل ) - محمد مكرم ابن منظور ط : دار صادر بيروت
(دون تاريخ الطبع ). |
|
[16] انظر مجمع الفتاوي 1/20 ترتيب محمد بن قاسم ط : دار العربية 1398 هـ –بيروت |
|
[17] العلمانية: هي اللادينية
وعند بعضهم هي عزل الدين عن الحياة العامة وقصره داخل دور العبادة
.الماركسية: نسبة إلى مؤسسها كارل ماركس الذي قال بان تاريخ الإنسانية قائم
علي صراع الطبقات ونادى بالشيوعية في الممتلكات وكل ما فيه نفع. القومية: انتماء إلى أمة على أساس اللغة أو الأصل العرقي أو
العقيدة، ظهرت في أوربا في القرن 19 م ثم امتدت إلى آسيا وإفريقيا. |
|
= العنصرية:
تصنيف الناس على أساس المعايير الفيزيقية كلون البشرة ونسيج الشعر والعرق. |
|
المرقع: المذهب المشوب من كل أو
بعض الاتجاهات والمذاهب الفكرية، كترقيع الثوب. |
|
الانفصامية : هي ذات الوجهين
المتضادين . |
|
انظر في المذاهب المذكورة
: الموسوعة العربية الميسرة ط : 1406 هـ -1986 م دار نهضة لبنان للطباعة
بيروت - والاتجاهات الفكرية المعاصرة للدكتور جمعة الخولي ط 1406 هـ / 1986 م
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. |
|
[18] الوجيز في سيرة الملك
عبد العزيز ص
55 للزركلي ط : دار العلم للملايين
1984م بيروت، ومع عاهل الجزيرة ص21 . |
|
[19] الوجيز ص 78، والملك الراشد ص 381 لعبد المنعم
الغلامي ط : دار اللواء للنشر - الرياض. |
|
[20] الوجيز ص 141 والملك الراشد ص 373. |
|
[21] الوجيز ص 126 |
|
[22] كان لقب صاحب الجلالة سنة 1345 هـ / 1926 م (ملك الحجاز ونجد وملحقاتها)، ثم صدر مرسوم ملكي عام 1451 هـ / 1932 م بتسمية البلاد ( المملكة العربية السعودية ) انظر: الموسوعة العربية العالمية 16/19 ط: 1416هـ الموافق 10 سبتمبر 1926م. |