طباعة

 توثيق النص

 

 

 

موت الألفاظ في العربية

للدكتـور عبد الرزاق بن فراج الصاعدي

أستاذ مساعد - قسم اللغويات

كلية اللغة العربية - الجامعة الإسلامية

 

 

المقدمـة

الحمد لله الحكيم الباعث والمحيي المميت، والصلاة والسلام على صفوة الخلق محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد؛ فإن من ألفاظ العربية ما يملك مقومات الحياة والبقاء فيبقى، ومنها ما يفقد تلك المقومات فيموت ويفنى، فاللغة كائن حي[1] نام خاضع لناموس التطور والارتقاء، وليس فيها كسب دائم من النمو والتجديد، فكل نمو في جانب يقابل بنوع من الخسائر في الجانب الآخر، وهي ((تحاول دائماً أن تصل إلى نوع من التوازن، فهي كما تقترض ألفاظاً من اللغات الأخرى لتسعف حاجات المتكلمين بها نراها تستغني عن ألفاظ أخرى تختفي من الاستعمال))[2].

ومن الألفاظ ما يعمر فلا يموت، ولو مضى عليه آلاف السنين، لما فيه من ضروب المناعة الداخلية كقوة المعنى ودوامه، ورشاقة اللفظ وعذوبة جرسه، أو المناعة الخارجية، كألفاظ القرآن الكريم التي تكفّل الله - عز وجل - بحفظها، وما صح من ألفاظ الحديث النبوي الشريف.

أما ما دُوْنَ ذلك فإنه معرّض للتبديل والهجر والموت والانقراض، إلا أنّ هذا لا يكون أبدياً؛ فكل لفظ مات واندثر قابل للبعث لتدبّ فيه الحياة من جديد، وتجري به الألسنة بمعناه القديم أو بإلباسه معنى جديداً.

وفي العربية الفصحى ألفاظ هجرت في الاستعمال لأسباب عديدة فماتت، كالمِرْباع، والنَّشيطة، والفُضُول، والحُلْوَان، والصَّرورة من الأسماء[3]، وجَعْتَبَ، وحَنْجَدَ، وخَنَدَ، وحَبَّ، وكَهَفَ، وعَذَطَ، من الأفعال[4].

وهذه مع غيرها ألفاظ أميتت في العربية منذ وقت مبكر، وقد صادفها علماء العربية عند تدوين اللغة في عصور الاحتجاج مماتة ساقطة من الاستعمال، فوردت عنهم إشارات لها متفرقة في مصادر اللغة المتنوعة؛ تدل على موتها؛ فأردت أن أجمع ما تفرق مما أميت من ألفاظ العربية زمن الفصاحة وأدرسه، أما ما هجر بعد عصور الاحتجاج منذ نهاية القرن الرابع إلى عصرنا هذا فليس مما أهدف إليه في هذا البحث، وهو كثير، ولا اعتداد بهجره من الاستعمال، ولا يعدّ من الممات في العربية، وإنما تركه المولدون لابتعادهم عن منابع اللغة وضعف سلائقهم ولما استجد من أمور الحضارة، و ((لو ذهبنا إلى المعارضة بين ألفاظ الحياة العربية الأولى وما اختصت به من المعاني وبين هذه الحياة الحضرية ومستحدثاتها، لرأينا قسماً كبيراً من اللغة يتنـزل منها منـزلة البقايا الأثرية))[5] مما يعد من فضول الحاجات كأسماء الإبل وصفاتها وأسماء الحشرات وأدوات البداوة، وأسماء النبات، وما جاءت به اللغات المتعددة، وهو كثير مستفيض، وليس هو من الممات، وإن تركه المعاصرون.

وقد حافظ علماء اللغة على الممات القديم ودونوه في معجماتهم، ولعل من أبرز العوامل التي أدت إلى اشتمال العربية على هذا الثراء اللفظي أن الممات من ألفاظها كتب له البقاء، بتدوينه، وكأن احتفاظهم به إرهاص لإحيائه[6].

إلا أن التدوين بعامة لم يشمل اللغة كلها لسعتها، وقد كان أبو عمرو بن العلاء يقول: "ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم وشعر كثير"[7].

ويقول: "قد ذهب من كلامهم شيء كثير"[8].

وقال ابن فارس: "ذهب علماؤنا أو أكثرهم إلى أن الذي انتهى إلينا من كلام العرب هو الأقل.

قال: ولو جاءنا جميع ما قالوه لجاء شعر كثير وكلام كثير. وأحر بهذا القول أن يكون صحيحاً"[9].

ولهذا وجب الحذر في الأحكام بموت الألفاظ، والتسليم بأن الإلمام بكل الممات في اللغة غاية لا يمكن الوصول إليها، فثمة ما أميت قديماً من العربية القديمة؛ كالثمودية والصفوية واللحيانية من العربية الشمالية، والسبئية والمعينية والقتبانية والحميرية، من العربية الجنوبية، وهي مما يسمى ((العربية البائدة)) أو عربية النقوش التي بادت قبل الإسلام بما فيها من ألفاظ وظواهر لا نكاد نعرف منها إلا القليل.

وللمات في اللغة وجهان رئيسان:

الأول: موت الألفاظ، وهو موضوع هذا البحث.

الثاني: موت المعاني، أي أن يموت المعنى ويبقى اللفظ لتطوّر دلالته وانتقالها إلى معنى آخر، كالألفاظ الإسلامية التي تركت معانيها القديمة مثل: الصلاة، والزكاة، والصّوم، والكفر، وما أشبه هذا، وهو كثير، ولا يدخل في هذا البحث.

وقد دعاني إلى الكتابة في هذا الموضوع ((موت الألفاظ في العربية)) أمور، من أهمها:

1- أهمّيّة البحث في الممات، لكونه أحد الظّواهر اللّغويّة الّتي تحتاج إلى درس، يفصّل فيها ويكشف عن مخبوئها ويبحث في أسبابها.

2- دور الممات في نموّ اللّغة وإثرائها عن طريق إحيائه واستعماله، كما سيأتي بيانه في الباب الأخير من هذا البحث.

3- دوره في وصل الحلقات المفقودة في التطوّر اللّغويّ والكشف عن تاريخ العربيّة، وإسهامه في التّعرف على أحوال العرب الغابرين، وتفهّم شؤون حياتهم الاجتماعية، فهو لا يقلّ في قيمته العلميّة عن القطع الأثريّة الّتي يُعنى بها علماء الحفريّات والآثار.

4- جِدّة الموضوع، وطرافته، إذ لم يكتب فيه - فيما أعلم - بحث مستقلّ يجمع شتاته ويبسط القول فيه، ويبين أسبابه، ودوره في نمو اللغة، فليس في تراثنا اللّغويّ قديمه وحديثه شيء منه سوى إشارات وأقوال متناثرة في بعض الألفاظ المماتة، وعلى رأس هؤلاء: الخليل في ((العين)) وسيبويه في ((الكتاب)) وابن دريد في ((الجمهرة)) والسّيوطي في ((المزهر)).

أو مباحث قصيرة عارضة في مؤلّفات بعض المعاصرين؛ كالّرافعي في ((تاريخ آداب العرب))[10].

وأنستاس الكرملي في ((نشوء اللّغة ونموّها واكتهالها))[11].

والدكتور حلمي خليل في كتابه ((المولّد في العربية))[12] وقد استلّ ماكتبه في كتابه هذا فنشره في ((المجلة العربية))[13] بعنوان: ((انقراض الكلمات)) ((وهو عنوان مطابق لفصل قصير كتبه ستيفن أولمان في كتابه: ((دور الكلمة في اللغة))[14] إلا أن ما كتبه ((أولمان)) لا يخصّ لغة بعينها، فهو يبحث في علم اللغة العام، مع تركيز على اللغات الأوربية، كالإنجليزية والفرنسية.

وللأستاذ شفيق جبري محاضرة بعنوان ((حياة الألفاظ)) أشار فيها إلى شيء من الممات والمهجور، ومسهما مساً خفيفاً، ونشرت محاضرته في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق[15].

وللشيخ عبد القادر المغربي مقالة وجيزة بعنوان ((توهم الميت حياً)) نشرها في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق[16] ناقش فيها أربع كلمات مناقشة صرفية موجهاً ما جاء فيها من شذوذ صرفي في الجمع أو اشتقاق اسم المفعول توجيهاً يستند على قاعدة سماها: توهم الميت حياً.

وقد اقتضت طبيعة الموضوع أن يأتي هذا البحث في أربعة أبواب يسبقها تمهيد ويتلوها خاتمة، وفق الخطة التالية:

المقـدمـة

التمهيد: مصطلحات الممات.

الباب الأول: الممات من الأسماء

الفصل الأول: الممات من أسماء الأيام.

الفصل الثاني: الممات من أسماء الشهور.

الفصل الثالث: الممات من أسماء متفرقة.

الفصل الرابع: أسماء أميت مفردها.

الفصل الخامس: أسماء مصغرة أميت مكبرها.

الباب الثاني: الممات من الأفعال.

الفصل الأول: أفعال أميتت صيغها وتصريفاتها.

الفصل الثاني: أفعال اختلف في موتها.

الفصل الثالث: أفعال أميت المجرد منها دون المزيد.

الفصل الرابع: أفعال أميتت بعض تصريفاتها.

الفصل الخامس: أفعال مبنية للمجهول أميت المبني للمعلوم منها.

الباب الثالث: أسباب إماتة الألفاظ

الفصل الأول: العامل الصوتي.

الفصل الثاني: العامل الدلالي.

الباب الرابع: إحياء الممات.

الفصل الأول: الحاجة إلى إحياء الممات.

الفصل الثاني: موقف العلماء من إحياء الممات.

الفصل الثالث: دور مجامع اللغة العربية في إحياء الممات.

الخـاتمـة.

فهرس الألفاظ.

فهرس المصادر والمراجع.

فهرس الموضوعات.

ولقد شغلني هذا البحث زمناً، وكان حاضراً في ذهني وأنا أكتب بحث الدكتواره، فجمعت مادّته على مُكثٍ طويل، ولا أزعم بلوغ الغاية فيه، ولكني أرجو المقاربة والسّداد، ولا أبرّئ نفسي من التقصير وسوء الفهم والعثرة والزّلّة، والمأمول مِمّن ينظر فيه أن يصلح ما طغى به القلم، وزاغ عنه البصر، وقصر عنه الفهم، فالإنسان محل النسيان، وعلى الله التكلان، ومنه العون وهو حسبي ونعم الوكيل.

 

التمهــيد

مصطلحات الممات

لظاهرة موت الألفاظ في اللّغة مصطلحات متعدّدة عند اللّغويين القدامى، كـ ((الممات)) و((المتروك)) و((العُقميّ)) و((الاستغناء))، وهي مترادفة في مدلولاتها.

وأضاف اللغويون المعاصرون مصطلحات أخرى منها: ((المنقرض))، و((البقايا الأثريّة)) و((الكلمات التاريخيّة)).

وثمّة مصطلحات قديمة ليست بعيدة في مفهومها عن الممات، أو هي تدلّ على ألفاظ في طريقها إلى الانقراض، وهي على درجات متفاوتة في الفصاحة؛ كـ ((الضّعيف)) و((المنكر)) و((الحوشي)) و((النّادر)) و((الشّارد)) و((الغريب)) و((المذموم)) و((المرغوب عنه)) من اللغات، و((الرّديء)) و((القبيح)) و((الخبيث)).

فمن مصطلحات الممات:

1- الممــات:

وهو ما كان مستعملاً من ألفاظ اللّغة، ثمّ أميت بالهجر، أو التطوّر اللّغويّ، أو النّهي عن استعماله، فاستغنت عنه اللّغة تماماً، كأسماء الأيّام والشّهور القديمة، وبعض الألفاظ الجاهليّة الّتي زالت لزوال معانيها أو لنهي الإسلام عن استعمالها.

ومن أقدم من ذكر هذا المصطلح بهذا المعنى الخليل في مواضع متعدّدة من ((العين)) ومنها قوله: "عندأوة: فعللوة، والأصل أميت فعله"[17].

وروي عن الكسائي قوله: "محبوب: من حببت، وكأنها لغة قد ماتت"[18].

2- المــتروك:

وهو ما ترك واستغنت عنه اللّغة تماماً فمات وحلّت محله ألفاظ أخرى جديدة[19] كأسماء الأيام والشّهور في الجاهليّة، فالمتروك مصطلح مرادف للممات ويعرّفه السّيوطي بقوله: إنه "ما كان قديماً من اللّغات ثمّ ترك واستعمل غيره"[20].

قال ابن دريد: "وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: مضَّني: كلام قديم قد ترك، كأنه أراد أن أمضّني هو المستعمل"[21].

3- العُقــميّ:

العقمي هو ما درس من الكلام، أو الغريب الّذي لا يكاد يُعرف، قال ابن سيده: "كلام عُقميّ: قديم قد درس؛ عن ثعلب. وسَمِعَ رجلٌ رجلاً يتكلّم، فقال: هذا عقميّ الكلام: أي قديم الكلام"[22].

وقال الأزهري: "وقال ابن شُميل: إنه لعالم بعقميّ الكلام وعُقبي الكلام، وهو غامض الكلام الذي لا يعرفه الناس، وهو مثل النوادر".

وقال أبو عمرو: "سألت رجلاً من هُذيل عن حرف غريب، فقال: هذا كلام عُقْمِيّ، يعني أنه من كلام الجاهلية، لا يعرف اليوم"[23].

4- الاسـتغناء:

وهو أن يستغني بكلمة عن أخرى مماتة، وقد أكثر سيبويه من استعماله، فمنه قوله: إن العرب استغنت بتركْتُ عن وَدَعْتُ[24]، وباشتدّ عن شَدُد[25] وباحمارّ عن حَمِرَ[26]، وباستنوك عن نَوِك[27].

5- الانقـراض:

هو أن تهجر الكلمة فتزول من الاستعمال وتندثر، كأسماء الأيام والشهور في الجاهلية، وهذا من اصطلاحات المعاصرين[28].

6- البقـايا الأثريّـة:

وهذا من مصطلحات الرّافعي[29]، وهو يريد بالبقايا الأثريّة ما أراده علماء اللغة أنفسهم بمصطلحات المتروك والممات والمنكر، ومثّل له بما مثلوا له في هذه المصطلحات الثّلاثة.

7- الكلمات التّاريخيـة:

وهي الكلمات الّتي تزول من الاستعمال لزوال مدلولاتها واندثارها، وذكر هذا المصطلح اللغويّ الفرنسي ((درمستيتر)) (Darmesteter) في قوله: ((إنّ الكلمات الّتي تخرج من الاستعمال مع الأشياء  التي نعبّر عنها تندثر لأسباب تاريخيّة، ويمكن أن نسميها بالكلمات التاريخية))[30]، ومثّل لها بالأسلحة، والمعدات، والعملات، والقوانين، والأحداث الاجتماعية، التي سادت في عصر ثم زالت لزوال تلك المدلولات.

8- المهــمل:

هذا من المصطلحات التي قد تلتبس بالممات، وليس هو مما يرادف الممات في دلالته، والفرق بينهما كبير، فالمهمل من الألفاظ هو ما لم يستعمل في الأصل اللغوي مما تحتمله قسمة التركيب في بعض الأصول اللغوية المتصوّرة أو المستعملة، وأكثره مهمل للاستثقال[31] لتقارب حروفه نحو: سص وظث وثظ، ومقلوبات ((خرع)) و((هكع)) و((خشع)) و((خضع)) وهو كثير في الثلاثي، وأكثر في الرباعي، وكثير جداً في الخماسيّ؛ إذ تأتلف من الخماسيّ نحو ((سفرجل)) عشرون ومائة أصل يحتملها التقليب أهملت جميعاً سوى سفرجل، وكذلك في ((فرزدق)) و((جحمرش)) فالمهمل في العربية أكثر من المستعمل، ومع ذلك فالمستعمل كثير، وهذا يدل على الطاقة الكبيرة للعربية.

أمّا الممات فهو ما كان مستعملاً من ألفاظ اللّغة ثمّ أميت لعلّةٍ، كما تقدّم ذكره.

ومن المصطلحات الّتي تلحق بالممات أو تدلّ على ألفاظ في طريقها إلى الانقراض، أو ممّا يتّصل بفصاحة اللّفظ.

1- الضّعيف:

وهو ((ما انحطّ عن درجة الفصيح))[32] كقولهم للضّفدع: خُنْدَع، ولغلاف القارورة أو غطاء الرأس: برصوم، وللقصير: بُعْقُوط، وللبعوض: الطَّيْثَار، وللرِّخْو: بَخْو[33].

2- المنكر:

وهو أقلّ درجة من الضعيف؛ بحيث أنكره بعض أئمة اللّغة، ولم يعرفه، كقولهم: بَلَقُ الدّابّة؛ وهو سواد وبياض[34].

3- الغريب والحوشي والنّادر والشّارد:

وهي مصطلحات متقاربة، وكلّها خلاف الفصيح. وتندرج تحت الغريب الّذي لا يكاد يعرف من الألفاظ.

فالحوشيّ من الكلام: ما نفر عن السّمع، كأنّه منسوب إلى الحُوش؛ وهي بقايا إبل وَبَار[35] بأرض قد غلبت عليها الجنّ، كما يزعمون[36].

ويحمل النّادر والشّارد على ما في الغريب والحوشيّ من معنى، وهي الألفاظ القليلة الاستعمال الّتي توشك أن تهجر فتموت.

ومن ذلك: البَرْت: الرّجل الدليل، والحَرْش: الأثر، والعَيْقَة: ساحل البحر، والوَبيل: الحُزْمة من الحطب[37].

4- الرّديء والمذموم والقبيح والخبيث والمرغوب عنه:

كلّ ذلك من اللّغات، وهو أقبحها وأنزلها درجة[38]؛ كالكشكة، والعنعنة، والفحفحة، والاستنطاء.

ومنه في الألفاظ: الطَّعْسَفَةُ، قال ابن دريد: "وهي لغة مرغوب عنها؛ مرّ يطعسف في الأرض، إذا مرّ يخبطها"[39].

ومنه قولهم: غَلَقْتُ الباب غلقاً، وهي لغة رديئة متروكة[40].

وثحجه برجله ثحجاً: ضربه بها، مهريّة مرغوب عنها[41].

ويقال: الفِصّ بالكسر - لغة في الفصّ، وهي أردأ اللّغتين[42].

ويقال: مِنتن - بالكسر - وهي رَديئة خبيثة[43].

 

الباب الأول: الممـات من الأسـماء

الفصل الأول: الممات من أسماء الأيام

الفصل الثاني: الممات من أسماء الشهور

الفصل الثالث: الممات من أسماء متفرقة

الفصل الرابع: أسماء أميت مفردها

الفصل الخامس: أسماء مُصغّرة أميت مُكبّرها

 

مـدخـل

ثمة أسماء أُميتت في العربية الفصحى، وترك العرب استعمالها بعد أن كانت في لغتهم، فانقرضت وزالت، كأسماء الأيام والشّهور في الجاهلية، وما تركـه العرب من ألفاظ خاصّة زالت بزوال معانيها، والمكـبّر الّذي أميت ودلّ عليه مصغّره، وهو المصغّر الّذي لا واحد له، والمفرد الّذي أميت ودلّ عليه مثناه أو جمعه، وهما المثنّى الّذي لا واحد له والجمع الّذي لا واحد له من لفظه، وغير ذلك ممّا نصّ العلماء على أنه من الممات أو المتروك في اللغة، أو أشاروا إليه بطرف خفي.

وأكثر هذه الأسماء أميت لفظاً، و أميت المعنى في بعضها القليل وبقي اللفظ مستعملاً في أشياء أخرى، مثل ((أول)) اسم يوم الأحد، و((مؤنس)) اسم يوم الخميس في الجاهلية، وقد أُميتا ولكن اللفظ بقي في دلالات أخر، وقد ذكرت هذه الألفاظ القليلة لاتّصالها بأخواتها ممّا أميت اللّفظ فيها.

والممات من الأسماء على النّحو التّالي:

 

الفصل الأول: الممات من أسماء الأيام

كانت الأيام في الجاهلية على النّحو التّالي:

الأحد: أول.

الاثنين: أَهْوَن وأَوْهَد، وقالوا: هذا يوم الثُّنَى - أيضاً.

الثلاثاء: جُبار

الأربعاء: دُبار أو دِبار

الخميس: مؤنس.

الجمعة: العروبة، وحَرْبَة - أيضاً.

السبت: شِيار.

ثم أميتت هذه الألفاظ واستخدمت مكانها الأيام المعروفة: السبت والأحد.... ألخ.

وقد جمعها شاعر جاهليّ، فقال[44]:

أُؤَمّل أن أَعِيـشَ وإنَّ يَـوْمِي

بـأوّلَ أو بـاهونَ أو جُبـارِ

أَوِ التَّالِي دُبارَ[45]، فإن أَفُتـْهُ

فمؤنِسَ[46] أو عَرُوبةَ أو شِيارِ

هِيَ الأَيَّـامُ دُنيـانا عَلَيهـا

مـمَرُّ اللَّيـلِ دَأبـاً والنَّهارِ

أمّا معاني ذلك، فإنهم قالوا للأحد ((أوّل)) لأنهم جعلوه أوّل عدد الأيام، وقالوا للاثنين: ((أَهْوَن)) و((أَوْهَد)) فأهون من الهَوْن وهو السّكون، ومنه قوله تعالى {يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوناً}[47] ويدلّ ((أَوْهَدُ)) على هذا المعنى ؛ لأن الوَهْدَة الانخفاض، كأنّهم جعلوا الأوّل أعلى ثم انخفضوا في العدد.

وقالوا للثلاثاء: ((جُبار))؛ لأن العدد جُبِرَ به، وقوي إذ حصل به فرد وزوج[48]، وقيل: هو من الأَرْش: ما يُهْدر، والأَرْش: الدية[49].

وقالوا للأربعاء ((دُبار)) لأنه عندهم آخر العدد، وبه يتمّ العقد الأول، ودبر كلّ شيء مؤخره.

أمّا الخميس والجمعة فسمّيت بأشياء تصنع فيها، فاستغنوا بها عن عددها، فقالوا للخميس ((مؤنس)) لأنّه يؤنس به لقربه من الجمعة التي يتأهّبون فيها للاجتماع.

وقالوا للجمعة ((عروبة)) لبيانها عن سائر الأيّام، والإعراب في اللغة: الإبانة والإفصاح. وقيل: من العَرُوبة، وهي المتحبّبة إلى زوجها أو لأن كلمتهم اجتمعت، وبان لهم من الرأي ما كان خافياً؛ فتعربوا واتّفقوا.

وتسمّى الجمعة ((حَرْبة)) أيضاً، لبياضها ونورها وتعظيمها؛ فهي في الأيام كالحَرْبة.

وقالوا للسبت ((شِيار)) من قولهم: شُرت الشّيء إذا أظهرته وبيّنته[50].

والعَروبة بالألف واللام، وربّما لم تدخل عليها، قال القطاميّ:

نَفْسِي الفِدَاءُ لأَقْوَامٍ هُمُ خَلَطُوا

يَوْمَ العَرُوبَةِ أَوْراداً بأَوْرَادِ[51]

فأدخل الألف واللام، وقال ابن مقبل:

وإذا رَأى الرُّوَّادَ ظَلَّ بأَسْقفٍ

يَوْماً كَيَومِ عَرُوبةَ المُتَطَاوِلِ[52]

 

الفصل الثاني: الممـات من أسـماء الشـهور

كانت أسماء الشّهور في الجاهليّة على النحو التّالي[53]:

المؤتمر: المحرم.

ناجر: صفر.

خَوّان أو خُوّان: ربيع الأوّل.

وُبْصَان أو وَبْصَان: ربيع الآخر.

الحَنين: جمادى الأولى.

رُنّى[54]، ويقال: رُبّى - بالباء: جمادى الآخرة.

الأَصَمّ: رجب.

عاذِل: شعبان.

ناتق: رمضان.

وَعِل[55] شوّال.

وَرْنَة، وقيل: هُوَاع[56] ذو القعدة.

بُرَك: ذو الحجة.

وثمّة من خالف جمهور العلماء في أسماء هذه الشهور، فقد ذكر البيرونـي أنها كما يلي:

المؤتمر وناجر وخوّان وصُوان وحنتم وزَبّاء والأصمّ وعادل ونافق وواغِل وهُوَاع وبُرَك[57]

ونظمها الصاحب بن عبّاد في قوله[58]:

أَرَدْتَ شُهُورَ العُرْبِ في الجَاهِلِيَّةِ

فَخُذْهَا عَلَى سَـرْدِ المُحَرّم تشتَرِكْ

فمؤتمـرٌ يأتي ومِن بَعْدُ ناجـرٌ

وخَوَّانُ مع صُوَان يُجْمَعُ في شَرَكْ

حَنينٌ وزَبـّا والأصَـمُّ وعادل

ونافِق مَعْ وَغْـلٍ وَرَنـَّةُ مَعْ بُرَكْ

والموازنة بين بعض هذه الأسماء، وما يقابلها في الروايتين ترجح أن ثمّة تصحيفاً أو تحريفاً في بعض أسمائها، قارن مثلاً بين وبصان وصوّان، والحنين وحنتم، ورنّى وربّى وزباء، وعاذل وعادل، وناتق ونافق، و وَعِل و واغل.

والتصحيف في أسماء هذه الشهور غير غريب، لإماتة هذه الألفاظ وتركها في الاستعمال مع قدمها، وقد تكون لغات لبعض القبائل.

وخالف المسعودي - أيضاً - في بعض أسمائها، فهي عنده: ناتِق وثَقِيل وطَلِيق ونَاجِر وأَسْلَخ وأَمْيَح وأَحْلَك وكُسَع وزَاهِر وبُرَك وحُرَف ونُعَس، وهو ذو الحجة[59].