|
|
|
|
|
|
|
الإلحاد والظلم في
المسجد الحرام بين الإرادة والتنفيذ |
|
الدكتور: محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود |
|
عضو هيئة التدريس في قسم الكتاب والسنة |
|
بكلية
الدعوة وأصول الدين |
|
|
|
|
|
المقدمة |
|
الحمد لله فعّال لما يريد، بيده الخير، وهو على كل شيء شهيد. والصلاة والسلام على القائل: "من يُرِد اللهُ بهِ خَيراً، يُفقِهه في الدين"[1]. |
|
أما بعد: فقد كنت في زيارة أحد أقاربي، المقربين إلى نفسي في مدينة الرياض، وتناول الحديث معه تعلقه الشديد بأرض الحرم، ورغبته الصادقة في سكناها، والعيش فيها. |
|
وكأني أسخر منه، حين سألته: ولمَ لمْ تفعل؟ فالسبيل ميسر، والوسيلة سائرة، وقد منَّ الله عليك بالتبعية لهذا الكيان الكبير، فلا حدود ولا قيود، وأنت اليوم أصبحت خِلْواً من التزاماتك نحو عملك في الجامعة.!!! |
|
فتبسم ضاحكاً من قولي، وصوّب نحوي نظرة شفقةٍ، وحنان، وقال: هو كما قُلْتَ، ولولا آية في كتاب الله لفعلت. |
|
ووجمت مندهشاً وقد أخذ مني الفضول مأخذاً، نظرت إليه بلهفة، وفي عيني سؤال: وما تلك الآية، يرحمك الله؟! |
|
فتلا قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج /25]. فكأنه أيقظني من سبات عميق في وادٍ سحيق، فأخذت أردد تلاوة الآية الكريمة في نفسي، ورفعت إليه بصري، وسألته متغابياً: وما الذي في الآية من معنى يحول بينك وبين تحقيق حلمك الجميل؟ فردَّ قائلاً: |
|
الإنسان منَّا عرضة للخطأ، والنسيان، فيما يقول، ويفعل، ولا يزال تحيط به الملذَّات، والشهوات، والرغبات في نيلها، فيريد أن يحقق لنفسه شيئاً منها، إرواءً لغرائزه، فيَهُمُّ بفعلِ معصية، فلا يقع منه في الواقع فعلها، فيصبح موعوداً من الله بعذاب أليم، لمجرد أنه همّ بفعلها في المسجد الحرام. بينما الأمر بخلافه في أي مكان آخر من المعمورة. فالسلامة أن نقتصر على زيارتها - شرَّفها الله - بين الحين والآخر للحج أو العُمرة، فلا يطول بنا المقام إلاّ بقدر تأديتهما والإنتهاء منهما، فنسلم إن شاء الله تعالى من التعرُّض لسخط الله وغضبه. |
|
هذه المحادثة الصغيرة شدَّتْنّي إلى طلب العلم حول هذه القضية، التي كثر الغافلون عنها ممن سكن مكة المكرمة، وجاور المسجد الحرام. |
|
|
|
التمهيد |
|
إنَّ موضوعاً يبحث في معنى الإلحاد، والظلم، وإرادتهما بأرض الحرم، وجوار المسجد الحرام، له خصائص تختلف في أهميتها، وماهيتها عن غيرها، مما يتعلق بمواضيع شرعية أخرى، وذلك لحرمة المكان بما يؤكده المولى جلّ وعلا في القرآن الكريم بأكثر من آية. |
|
والقاطنون بمكة المكرمة من أهلها والوافدون إليها، يهمهم أكثر من غيرهم الوقوف على دقائق هذا الموضوع، وتفاصيله المختلفة، لمن شاء منهم أن ينجو من عذاب الله الأليم، بمعرفة أسبابه، ودوافعه. |
|
فما معنى الإرادة؟ وما المراد بالإلحاد، والظلم في الحرم؟ وما المقصود بالحرم، وبالبيت الحرام، والمسجد الحرام؟. |
|
فشرعت في سبيل ذلك أجمع الآيات من القرآن، والأحاديث النبوية، وأقوال المفسرين حولها، وأقوال أهل اللغة والتاريخ، والسِّيَر. وكان من الطبيعي أن أحدد المراد بالحرم. أهو المسجد الذي تقام فيه الصلاة بجوار الكعبة، البيت الحرام، وما يحيط به من جهاته الأربع من ساحات، وأروقة، ومرافق؟ أم هو كل ما دخل في حدود مدينة مكة المكرمة، البلد الحرام؟. |
|
ومن ثم يتبين المكان الذي يؤاخذ فيه الإنسان بإرادته المجرَّدة، ومضاعفة أجر الصلاة فيه إلى مائة ألف صلاة. |
|
والحِلُّ يُطلق على خارج حدود الحرم، حيث المواقيت للحج والعمرة لمن أَمَّ البيت الحرام، فمن تجاوزها وقد تلبَّس بهما أو بأحدهما منها أو من بلده، فقد وجب عليه إتمامهما، والعمل بأحكامهما. |
|
وتختلف المواقيت التي هي أبواب أرض الحرم قرباً وبعداً عنه، ليستعدَّ القادم إلى البيت الحرام من لتهيئةِ نفسه وحاله، بعد أن تجرَّد من المخيط، لتتجرد نفسه من أغراض الدنيا وشهواتها، وتُقْبِل على ربها مطمئنَّة راضية، تؤدي نسكها {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ/15]، {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج / 29]. |
|
ومكة المكرمة القرية الآمنة، كان نواتُها بعض أهل إبراهيم عليه السلام، أسكنهم بوادٍ غير ذي زرع عند بيت الله الحرام، ودعا الله عز وجل أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، ويرزقهم من الثمار - كل الثمار - فالسكنى كانت (عند) المسجد الحرام، وليست (فيه) مما يدل على أن موضع زمزم حيث ترك إبراهيم ابنه لم يكن من المسجد الحرام حينذاك بل بجواره، والله أعلم، واستجاب الله - عز وجل - لدعوة نبيه وخليله، فاستقر في ذلك المكان من العرب مَنْ بدد وحشة (هاجَر)، وقوَّم لسان إسماعيل عليه السلام، حتى إذا شبَّ عن الطوق، أنكحوه منهم. ثم عاد الخليل عليه السلام يتفقد تركته، ويعلم من شأنهم ما جدّ عليه. |
|
وكرر ذلك مراراً، حتى جاء أمر الله جلَّ وعلا، يأمرهما بإعادة بناء بيته الحرام بعد أن طمرته الرياح بالرمال، والسيول بالوحل والحجارة، على اعتبار أن الملائكة أول من شيده[2]، قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة / 127]. |
|
حتى إذا شيداه، وأتماّ بناءه توجها إلى ربهما بالدعاء: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة /128-129]. |
|
ثم يمتنّ الله تعالى على عباده أن صيَّر بيته الآمن مثابة لهم يعودون إليه حيناً بعد حين، قال عز وجلّ: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة/125]. |
|
وكلمة (الحرم) تشمل قرية مكة المكرمة، بمبانيها، وطرقها، ومرافقها العامة، تحيط بالمسجد الحرام، إحاطة السوار بالمعصم، وليست منه. قال عمر بن الخطاب لمن أبى أن يأخذ ثمن داره التي هدمها قرب المسجد الحرام لتوسعته، وتمنَّع من البيع، "إنما نزلتم على الكعبة فهو فناؤها، ولم تنزل عليكم" فوضع أثمان دورهم في خزانة الكعبة حتى أخذوها بعد[3] غير أن لها ما يميزها عن سائر مدن الأرض وقراها على الإطلاق، ففيها يُنهى عن عضد الشجر بكل أنواعه إلا ما استثناه الشارع، وأن لا يُنفَّر صيدها مهما كان حجمه أو نوعه، وتقع الفدية على من فعل شيئاً من ذلك، ولا تحل لُقَطَتُها لواجدها مهما تطاول عليها الزمن[4] وأن يكون لها منشداً أبداً. |
|
و(البيت الحرام) أو (المسجد الحرام) و(الكعبة البيت الحرام) و(البيت) و(البيت العتيق)، لا تأتي إلاّ مُعَرَّفَة، والمراد الكعبةُ نَفْسُها، وما يحيط بها من جهاتها الأربع إلى آخر ما يصل إليه موضع السجود للمؤتمَّ في صلاته بصلاة الإمام فيه، لا يفصل بينهما شيء من المرافق العامة أو الخاصة، وتكون الصفوف متصلة بحيث لو رآها الناس قالوا: الصفوف متصلة، وذلك عُرْفاً - حتى ولو امتدّت إلى أن تشمل قرية مكة كلِّها، فتكون أرض الحرم كلها مسجداً. |
|
ولا يجوز للحائض، والنفساء، والجنب المكث فيه إلا عابري سبيل كشأن سائر المساجد الأخرى، ولا يطلب ذلك في غير المساجد. |
|
وإذا أراد الله تعالى الإشارة إلى بيته المطهَّر بمكة وصفه بـ"الحرام"، وإذا أشار - جلّ وعلا - إلى غيره من المساجد لم يَصِفْهُ بتلك الصفة، كما قال تعالى عن مسجد بيت المقدس: {وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الإسراء/7]. |
|
وعن مسجد المدينة قال تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} [التوبة/108]. |
|
ولا فرق بين جملة (المسجد الحرام) و (البيت الحرام) فالمساجد بيوت الله، وبيوت الله هي المساجد، وأمكن أن يُضاف البيت إلى اسم الجلالة فيقال: بيت الله الحرام، ولا يقال: مسجد الله الحرام، لأن المساجد لا تكون إلاَّ لعبادة الله وحده، ولا يُقبل عمل فيها إلاّ لله، وهي بمعنى السجود: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} [الجن/18]، بينما البيوت تطلق على أماكن العبادة وغيرها. |
|
وسمِّيت أرض مكة حرماً من أجل ما حُرِّم فيها من عضد الشجر وتنفير الصيد، وغيرهما مما اختصت به دون غيرها من بقاع الأرض، والحُرْمَةُ ما لا يَحِلُّ انتهاكُه، ويقال: هُوَ ذو مَحْرَمٍ منها، إذا لم يَحِلّ له نِكاحُها. وحَريم البِئْر وغَيْرِها: ما حولها من مرافقها، وحقوقها[5]. |
|
فقرية مكة: هي حريم المسجد الحرام، وهي له كسياج تحيط به، تحول بين هوانه ممن لا يعظمه في نفسه، ويعمل على إهانته، والنيل منه، بعبادة ربه بما لم يُشَرِّعه لعباده للتقرب إليه وطاعته، كالمشركين يعبدون الأوثان، ويستغيثون بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} فأولئك لو تمكنوا من دخول مكة - الحرم الآمن - لتمكنوا من دخول المسجد الحرام بطريقة أو بأخرى "كالراعي يرعى حول الحمى"، فقطعاً لدابر مثل هذا الاحتمال حُظِر عليهم دخول أرض مكة كلِّها، وبالتالي دخول بيت الله الحرام، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة/28]. |
|
وقد كان من المشركين أربابُ تجارة، يعتادون مكة بأصنافٍ منها، ينتفع بها المسلمون، الذين منهم من اغتمَّ عند نزول صدر الآية الكريمة، خشية الفقر عند انقطاع موارد الرزق، حتى إذا نزل عجزها اطمأنت نفوس المسلمين. |
|
قال ابن حجر: والآية صريحة في منعهم دخول المسجد الحرام، ولو لم يقصدوا الحج، ولكن لما كان الحج هو المقصود الأعظم صرح لهم بالمنع منه، فيكون ما وراءه أولى بالمنع. والمراد بالمسجد الحرام هنا الحرم كله[6]. |
|
وقرية مكة المكرمة لها طابع بيئي متميز، الجبال الشاهقة تحيط بها من جميع جوانبها، والأودية تتخلل تلك الجبال، وحتى موضع البيت الحرام في وادي غير ذي زرع تغمره مياه الأمطار، وقد أدَّت السيول إلى هدمه أكثر من مرة من تاريخ إنشائه. غلب على مناخِها طابع الحرارة الشديدة، ولا تكاد تُميَّز فروق الفصول الأربعة فيها. |
|
وأَقْدِر لمكة المكرمة بلداً يَسكُن حبها نفوسَ المسلمين، ولكن لا يسكنها إلاّ من سكنت إليها نفسه، واطمأنت بالإيمان غالباً. ومزاجها من السكان خليط، ومن العادات مختلف وجديد. يكاد لا يجمع بينهم من الروابط والعادات الاجتماعية إلاّ رابط التعلق ببيت الله الحرام، والتقرب إلى الله فيه. |
|
تحسبهم جميعاً وفق ما ينبغي من تقوى لله، وورع، والتزام يليق بالجوار والجار، عظمة، وحُرمة، غير أنَّها بلد لم تُحصَّن – كغيرها - ضد الشيطان وجنده، فهم يجوبون طرقها، وأنديتها، ويستحوذون على بعض أفئدة سكانها بما يُزَيِّنونه من مسائل، ووسائل تغوي السفهاء، فتكاد المعاصي فيها من مرتكبيها تتشابه بالمعاصي في غيرها من المدن الأخرى. |
|
ولكن يبقى للمسجد الحرام في مكة المكرمة ما يُميزه عن أي بقعة من بقاع الأرض، ذلك هو مؤاخذة من أراد فيه الإلحاد والظلم، - مجرد الإرادة -، بعذاب أليم، وفي غيره يستوجب الفاعل لهما العقوبة بمباشرته الحدث ووقوعه منه فعلاً وقصداً، لا بمجرد أن يهمَّ بذلك هماً دون الإلمام به، ولا تخلو نفس بشرية - إلاّ من رحم - من الهمِّ بفعل يعتبره الشارع معصية يستحق فاعلها عقوبة في الدنيا أو في الآخرة إذا تحقق فعلها منه، وفي الحديث عن ابن عباس يرفعه: "ما مِنْ أَحدٍ مِنْ وَلَدِ آدم ألاّ قد أَخْطأ أو همَّ بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا"[7]. |
|
وخواطر الإنسان، وأفكاره، وهواجسه لا تقف عند قَدْرٍ، ولا تحدها حدود، فلا يشعر الإنسان إلاّ وقد حلَّقت به أفكاره بعيداً عن مكان وجود بدنه، ويتصور، ويتخيل شتى الصور والخيالات، المألوفة، وغير المألوفة، المباحة، وغير المباحة. |
|
وقد تُحَرِّك في نفسه بعض تلك الصور المُتَخَيَّلَة نوعاً من الرغبة في نيلها، والاستمتاع بها، فيتدرج مع خياله في سبل تحقيقها حتى يكتمل في ذهنه مُحققاً، وواقعاً ملموساً، قد ذلل بقدرته على التصور كل العقبات المحتملة دونه، فينزع إلى التنفيذ ويهم بالمباشرة، وتبرز عندئذٍ (الإرادة) فيْصَلاً بين التنفيذ أو الإحجام. |
|
فإن هو سعى في طلب ما نزعت إليه نفسه بنيَّة تحقيقه، في قوة مركَّبة من شهوة، وخاطر، وأمل، واتخذ حيال ذلك الوسائل، والوسائط، والسبل، وأجرى في نفسه مشهداً تجريبياً، تجري فصوله مثال الواقع، فاستهواه واستساغه، وشجعه بجعله واقعاً ملموساً، فهو قد أراد إرادة أكيدة في تحقيق ونيل ما سعى إليه، وتسمى تلك الإرادة المؤكدة (عزيمة)، فإن تم له ما أراد تقرر في حقه الثواب أو العقاب، وإذا حال دون تحقيق إرادته مانعٌ لا يقوى على تذليله، وبقيت معه تلك الإرادة المؤكدة تراوده إلى فعل ما أراد حال تمكُّنه، يسمى فعله ذلك إصراراً يؤاخذ عليه في الحرم، والإصرار هو: "الإقامة على الذنب، والعزم على فعل مثله"[8]. |
|
وإذا منعه من تحقيق ما أراد مانع من نفسه، كخوفه من الله، وخشيته من العاقبة، وكان قادراً على الاسترسال في طلب مراده، وتحقيق ما أراد، فاستغفر ربه وأناب، فكأنَّه في هذه الحالة لم يصدر عنه شيء البتَّة، بل يثاب على تركه المعصية - وقد كان قادراً على فعلها - خوفاً من الباري جلّ وعلا. |
|
روى النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً عن ربه جلّ وعلا أنه قال: "إذا أراد عبدي أن يعْمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها له بمثِلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبع مائة"[9]. |
|
والحديث - والله أعلم - لم يفرق بين من أراد السيئة في المسجد الحرام، ومن أرادها خارجه، ولكن إن ترك فعل السيئة أو المعصية بعد تمكنه من فعلها، خوفاً من الله فإنَّه يثاب، ولا يؤاخذ بما همَّ به في غير المسجد الحرام. |
|
قال المحاسبي: "أما الهمّ الموضوع فهو التَروية إذا خطرت المعصية أيفعلها أم لا؟ فهو يميل بين الفعل والترك، فلا يُكْتَب عليه شيء حتى يصير إلى أحدهما، فإن صار إلى العَقْد زال عنه الهمّ. |
|
وإن هو صار من الهمِّ إلى الترك صار إلى الطاعة، وكتبت له حسنة، وإذا همّ بفعل حسنة من النفل كتبت له حسنة، فإذا عقد عليها كُتبت له عشراً، فإذا همَّ بحسنة من الفرض أيفعل أو لا يفعل؟ فليس ذلك من حسنة إنما الهمُّ بالحسنة هو الهمّ بالنفل"[10]. |
|
وقال الخطابي: "محل كتابة الحسنة على الترك أن يكون التارك قد قدر على الفعل ثم تركه، لأن الإنسان لا يُسمى تاركاً إلاّ مع القدرة، ويدخل فيه من حال بينه وبين حرصه على الفعل مانع، كأن يمشى إلى امرأة ليزني بها - مثلاً - فيجد الباب مغلقاً، ويتعسر فتحه، ومثله من تمكن من الزنا - مثلاً - فلم ينتشِر، أو طَرَقَه ما يخاف من أذاه عاجلاً[11]. والله أعلم. |
|
|
|
الفصل الأول |
|
الحدود والفروق بين الحرم والمسجد الحرام |
|
المبحث الأول: حدود مكة المكرمة، ومواقيت حرمها الأربعة |
|
من الشمال من طريق المدينة المنورة دون التنعيم[12]، عند بيوت نِفَار ثلاثة أميال. ومن الجنوب من طريق اليمن، طرف أضاة لَبَن على ستة أميال. وأضاة لبن، سميت كذلك لأن الجبل[13] المطل عليها يقال له: (لَبَن) بالتحريك، وقيل: بكسر اللام وإسكان الباء، (والأَضَاة) خَبْتٌ يجتمع سيل وادي مكة فيه، على وزن فتاة. ومن الغرب طريق جدة منقطع الأعشاش على عشرة أميال. و(الأعْشَاش) منطقة رملية تقع بين الحديبية وبين سلسلة جبال (المُرَيْر) و(الجوف)، ويخترقها طريق جدة القديم. وأنصاب الحرم قبل الحديبية[14] بكيل ونصف، ومن الجنوب الشرقي من طريق الطائف على طريق عرفة من بطن نمرة على أحد عشر ميلاً. ومن الشمال من طريق العراق على ثَنيَّة خَلٍّ بالمُقَطَّع[15]، على سبعة أميال. |
|
و(ثنيَّة خل) يقال لها أيضاً: (خلِّ الصِفَاح) نسبة إلى أرض الصِفاح، وهي أرض بيضاء واسعة تقع ضمن (المغْمس الأفيح)[16]. أقول: تُسمى اليوم: الشرائع السُفلى، أو قرية المجاهدين. |
|
ومن الشرق من طريق الجِعْرانة في شعب عبد الله بن خالد بن أُسيد[17]، على تسعة أميال. |
|
وعن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: نصب إبراهيم أنصاب الحرم، يُريه جبريل عليه السلام، ثم لم تُحرَّك حتى كان قُصَي فجددها، ثم لم تُحرَّك حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث عام الفتح تميم بن أسيد الخزاعي فجدّدها[18]، ثم لم تحرك حتى كان عمر بن الخطاب فبعث أربعة من قريش فجددوها: مخرمة بن نوفل، وسعيد بن يربوع، وحُويطب بن عبد العُزى، وأزهر بن عبد عوف، ثم جدَّدها معاوية، ثم أمر عبد الملك بتجديدها. وقيل: أن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض خاف على نفسه من الشياطين، فاستعاذ بالله، فأرسل الله تعالى ملائكة حَفَّوا بمكة من كل جانب، ووقفوا حواليها، فحرّم الله تعالى الحرم حيث وقفت الملائكة[19]. |
|
وأما عن المواقيت المكانية ففي الصحيحين عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة[20]، ولأهل الشام الجُحْفَة[21]، ولأهل نجد قَرْنَ المنازل[22]، ولأهل اليمن يَلَمْلَمْ[23]، وقال: "هنَّ لهن ولكل آتٍ عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة يُهِلون من مكة"[24]. |
|
قوله: "حتى أهل مكة يهلون من مكة"، قال المحب الطبري: هذا في الحج بالإجماع. |
|
أما العمرة فلا أعلم أحداً جعل مكة ميقاتاً للعمرة في حق المكيِّ، بل عليه أن يخرج من الحرم إلى أدنى الحِلِّ، لأمره صلى الله عليه وسلم عائشة أن تخرج إلى التنعيم[25] عندما أرادت العمرة بعد الحج. |
|
وعن ابن عمر قال: لما فُتح هذان المصران (البصرة والكوفة)، أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّ لأهل نجدٍ قَرْناً، وهو جَوْر عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرْناً شق علينا، قال: "فانظروا حْذوها من طريقكم" فحدّ لهم ذات عِرْق[26]. |
|
وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وقّت لأهل المشرق العقيق[27]، و(العقيق) قريب من ذات عرق، قبلها بمرحلة أو مرحلتين، وكل موضع شقَّه ماء السيل فوسَّعه فهو عقيق[28]. |
|
المبحث الثاني: حدود المسجد الحرام |
|
قال صلى الله عليه وسلم لقريش: "قفوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم"[29]. |
|
وعن أبي ذرٍ قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟، قال: "المسجد الحرام". |
|
قلت: ثم أَيّ؟. |
|
قال: "المسجد الأقصى". |
|
قلت: كم بينهما؟. |
|
قال: "أربعون سنة، ثم أين أدركتك الصلاة بَعْدُ فصلَّ فإن الفضل فيه"[30]. |
|
قال المحب الطبري: |
|
"إعلم أن المسجد الحرام كان صغيراً، ولم يكن عليه جدار، وإنما كانت الدور محدقة به، وبين الدور أبواب يدخل الناس من كل ناحية، فضاق على الناس المسجد فاشترى عمر بن الخطاب دوراً فهدمها، وأدخلها فيه، ثم أحاط عليه جداراً قصيراً، ثم وسع المسجد عثمان بن عفان فاشترى من قوم، ثم زاد ابن الزبير فيه، واشترى دوراً، وأدخلها فيه"[31]. |
|
لعل من الملاحظ أن حدود المسجد الحرام على مرِّ العصور لم تتسم مساحتها بالثبات، مما يحيط بالكعبة المشرفة من أروقة، وساحات، ومرافق، بل بالإتساع، والزيادة، والتضعيف خلال أزمنة مختلفة متفاوتة، وذلك لكثرة الوافدين إلى البيت، والآمّين له عاماً بعد عام من شتى صقاع الأرض، خاصة بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وما أعقب ذلك من فتوحات للبلدان المجاورة والبعيدة عن جزيرة العرب واتساع رقعة الإسلام، وكثرة من اعتنقه من الأمم الأخرى. |
|
وكان للكوارث التي حلت بالبيت الحرام، من اجتياح السيول وما نتج عنه من هدم، وغرق، وما أصابه من حريق عند إصابته بالمنجنيق، وتصدع لبعض أركانه، وجوانبه لتطاول العهد عليها، الدافع القوي لدى ولاة الأمر لإصلاحه، وترميمه، وحماية جوانبه من تكرار ما حلّ به من كوارث، وكان يواكب تلك الإصلاحات في الغالب إضافة مساحات جديدة إلى مساحته القديمة. |
|
وكان يتسابق الملوك، والخلفاء، والولاة على العناية بالمسجد الحرام لينالوا بذلك شرف خدمته، تقرباً إلى مولاهم جلّ وعلا. |
|
ويقول المؤرخون[32]: إن أولّ من قام بتوسعة المسجد الحرام هو: |
|
الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب: سنة سبع عشرة من الهجرة، فقد كانت مساحته في زمن قريش: ألفين ومائة وستة وعشرين متراً مربعاً، فبلغت بعد زيادة عمر رضي الله عنه: ثلاثة آلاف وسِتُّ مائة وثلاثة عشر متراً مربعاً. |
|
ثم تلاه خليفته ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه: سنة ستة وعشرين من الهجرة، وأحدث زيادة في مساحة المسجد الحرام، قدرها: ثمان مائة وتسع وستون متراً. |
|
وتلاه عبد الله بن الزبير: سنة خمس وستين من الهجرة فأضاف إلى المساحة القديمة: ألفين وتسع مائة وثلاثة وثمانين متراً مربعاً. |
|
ثم أضاف الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك: سنة إحدى وتسعين من الهجرة إلى مساحة المسجد الحرام: ألفين وثمان مائة متراً مربعاً. |
|
وأما في العهد العباسي فقد أضاف الخليفة أبو جعفر المنصور: سنة سبع وثلاثين بعد المائة الأولى من الهجرة: خمسة آلاف ومئتين وواحداً وعشرين متراً مربعاً. |
|
وفي عهد الخليفة محمد المهدي: سنة إحدى وستين ومائة بلغت الزيادة: إثنى عشر ألفاً وخمس مائة واثني عشر متراً مربعاً. |
|
ثم أضاف المعتضد: سنة أربع وثمانين ومئتين من الهجرة: ألفاً وثلاث مائة وتسعاً وثلاثين متراً مربعاً. |
|
وأخيراً أضاف الخليفة المقتدر: سنة ست وثلاث مائة من الهجرة: سبع مائة وأربعة عشر متراً مربعاً. |
|
فبلغ ما أضيف إلى المسجد الحرام من زيادات منذ عهد عمر بن الخطاب إلى عهد الخليفة المقتدر، بالإضافة إلى ما كانت عليه مساحته أيام قريش قبل البعثة، أكثر من ثلاثين ألف متراً مربعاً. |
|
وبقيت مساحة المسجد الحرام ثابتة منذ عهد الخليفة العباسي المقتدر إلى عهد الحكم السعودي في دولته الثالثة، فقد شرع الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل يرحمه الله في مشروع كبير لتوسعة المسجد الحرام، وذلك سنة ثلاث وسبعين وثلاث مائة وألف من الهجرة، ووافاه الأجل في السنة نفسها - يرحمه الله - وتولى الأمر بعده ابنه الملك سعود يرحمه الله ومضى في تنفيذ وإتمام ما بدأه والده. |
|
ولما انتقلت الولاية للملك فيصل بعد أخيه - يرحمهما الله - واصل تنفيذ وإتمام توسعة المسجد الحرام على أكمل وجه، وأحسنه، وتم ذلك سنة ست وتسعين وثلاث مائة وألف، واستغرق تنفيذ المشروع عشرين عاماً. |
|
فبلغت مساحة المسجد الحرام بعد إتمام التوسعة في عهد الملك فيصل بن عبد العزيز - يرحمه الله -: إحدى وخمسين ومائة ألف مترٍ مربعٍ، وتعرف هذه التوسعة بالتوسعة السعودية الأولى. |
|
وفي العام التاسع بعد الأربع مائة والألف من الهجرة بدأت التوسعة السعودية الثانية، التي تعرف اليوم بتوسعة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، وتمت في العام الثاني عشر بعد الأربع مائة والألف من الهجرة، فأصبحت مساحة المسجد الحرام، مع ما يحيط به من ساحات تزيد على ثمان وعشرين وثلاث مائة ألف متر مربع[33]. |
|
وحول مسألة الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كما نص عليه قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء/1]، وقع ما يمكن أن نسميه إلتباساً في الفهم، حول المكان الذي أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم منه، وذلك لورود نوعين من الأحاديث: أكثرها تنص على أن الإسراء تم من المسجد الحرام[34]، والأخرى تنص على أنه صلى الله عليه وسلم كان في بيت أم هانئ[35] عندما آتاه الملائكة، وشقّ جبريل عليه السلام عن صدره، وبيت أم هانئ حينذاك كان خارج المسجد الحرام. |
|
وفي حديث لأنس بن مالك عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "فُرٍج عن سقف بيتي وأنا بمكة[36]…" وساق الحديث… وبيته كان في الشعب فأخذ الذين يقولون بأن مكة غير المسجد الحرام في مضاعفة المثوبة أو العقاب والأخذ بالإرادة قبل التنفيذ بالأحاديث الدّالة على أن الإسراء إنما كان من المسجد الحرام. |
|
وأخذ الذين قالوا: بأن لا فرق بين أرض مكة والمسجد الحرام في مضاعفة الثواب أو العقاب، والأخذ بالإرادة من الإنسان على فعل المعصية، قبل فعلها منه، إلى حديث أم هانئ عند الحاكم وغيره، وإلى حديث البخاري في كتاب الصلاة. |
|
قال ابن حجر: "وإن كان مختلفاً في (الحطيم) هل هو الحِجْرُ، أم لا؟ لكن المراد بيان البقعة التي وقع ذلك فيها، ومعلوم أنها لم تتعدد، لأن القصة متحدة لاتحاد مخرجها. |
|
وقد تقدم في أول بدء الخلق[37] بلفظ: "بينا أنا عند البيت" وهو أعم، ووقع في رواية الزهري عن أنس عن أبي ذر[38]: "فُرج سقف بيتي وأنا بمكة"، وفي رواية الواقدي[39] بأسانيده أنه - صلى الله عليه وسلم - أُسري به من شعب أبي طالب، وفي حديث أم هانئ عند الطبراني: أنه - صلى الله عليه وسلم - بات في بيتها، قالت: "ففقدته من الليل، فقال: لها "إن جبريل أتاني". |
|
والجمع بين هذه الأقوال أنه - صلى الله عليه وسلم - نام في بيت أم هانئ، وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيته صلى الله عليه وسلم، - وأضاف البيت إليه لكونه كان يسكنه - فنزل منه الملك، فأخرجه من البيت إلى المسجد، فكان مضطجعاً، وبه أثر النعاس، ثم أخرجه الملك إلى باب المسجد فأركبه البراق. |
|
وقد وقع في مراسيل الحسن عند ابن اسحاق: أن جبريل أتاه فأخرجه إلى المسجد، فأركبه البراق، وهو يؤيد هذا الجمع[40]. |
|
المبحث الثالث: الفرق في الاسم والوصف بين أرض مكة المكرمة، وأرض المسجد الحرام مما ذكر في القرآن الكريم |
|
أولاً - مكة المكرمة: |
|
تقع في الجهة الغربية من شبه الجزيرة العربية، غربي مدينة الطائف، وشرقي مدينة جدة، وجنوبي المدينة المنورة، وهضبة نجد. وبطن مكة ليس فيه ماء، ولم يكن لأحد فيه قرار. بدأت أهميتها للمسلمين بلداً مقدساً منذ أن أسكن فيها إبراهيم إبنه إسماعيل - عليهما السلام - مع أمه (هاجر) بأمر من الله. وقول الله تبارك وتعالى على لسان إبراهيم - بعد أن ترك أهله وأراد العودة إلى الشام: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم 37]. |
|
فقوله تعالى: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} وصف مميز لطبيعة أرض مكة المكرمة الجغرافية، فالوادي ممر تجري فيه سيول الأمطار، وكونه (غير ذي زرع) دليل على عدم صلاح تربة جانبيه للزرع، ولوجود الصخور والأحجار المتناثرة فوقه، ولعدم ملائمة جوه الحار الجاف لانبات كثير من أنواع الشجر، والزروع التي تحتاج إلى رطوبة الجو، وغزارة المياه لكي تنمو وتعطي ثمارها. فالموقع الذي اختاره الخليل عليه السلام لأهله لا يختاره إنسان بإرادته ومعرفته البشرية، لخلوه في الظاهر من أكثر عناصر الحياة أهمية للإنسان وهما: الماء والغذاء. مما يدل على أن الله جل وعلا بعلمه وحكمته، اختار له ذلك المكان ليترك أهله، ويعود من حيث أتى وهو مطمئن على مصيرهم لثقته برعاية الله لهم، وله معاً. |
|
لذلك عندما أوقفته (هاجر) وسألته: إن كان الله هو الذي أمره بتركهم في هذا المكان المقفر، أجاب: نعم. قالت: إن الله لن يضيعنا[41]. |
|
وأنبط الله ماء زمزم، حيث وضع الفتى - عليه السلام - جرى ماءً غَدَقاً، فرحت به الأم المتعبة، فأخذت تحوطه بيديها كي لا يضيع في التراب، شفقة منها، ولهفة عليه. فسقت، وأسقت واطمأنت، و خلتْ. |
|
ومر بهما نفر من جرهم، اعتادوا اجتياز هذا الوادي المقفر، ولم يعهدوا فيه ماء، ولا طيراً تحوم حوله. وقد شدهم رؤية طير فوقهم صافات ويقبضن، فبعثوا بأحدهم يستجلي الأمر، حتى إذا وقف على هاجر، ورأى الماء عندها، سألها المشاركة فيه، فأبت عليهم ذلك إلا أن يكون أمر الماء إليها، فوافق ذلك هوى في نفوسهم، وهوت أفئدتهم إليها فحطوا عن رحالهم، وأقاموا مشكِّلين بذلك النواة الأولى لمجتمع مكة المكرمة، مما مكن إسماعيل عليه السلام عند نشأته، وفي نشأته من تعلم لغتهم، وفنونهم في الفروسية، حتى إذا شب عن الطوق زوجوه منهم. |
|
وأخذ الخليل عليه السلام يعاود زيارة تركته في ذلك المكان، مرة بعد مرة: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [البقرة 26]. |
|
ولم تزل أرض مكة حرماً آمناً منذ خلق الله السموات والأرض. وإنما سأل الخليل عليه السلام ربه تبارك وتعالى أن يجعلها آمنة من الجدب والقحط، وأن يرزق أهلها من الثمرات[42]. |
|
ثم يمضي الله - جل وعلا - في مشيئته، تحقيقاً، وتثبيتاً، فيأمر خليله وابنه إسماعيل، عليهما السلام - برفع قواعد بيته المندثرة، وبنائِه للمرة الثالثة بعد بناء الملائكة، وآدم عليه السلام. قال تعالى يصف فعلهما: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة 127]. |
|
وكان ذلك كما بينه الله تعالى في كتابه: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران 97]. |
|
فالأمن لمن دخله، عرض مغر لأولئك الذين يعيشون الخوف في مجتمعاتهم لا يأمنون على شيء مما يملكون. فإذا اجتاز حدود الحرم إليه استشعر الأمن لنفسه من نفسه، فإن وجد من يعكر صفو ذلك الأمن في المسجد الحرام فذلك من الإلحاد والظلم فيه، عندها يذقه الله من عذاب أليم. |
|
ويأمر الله جل وعلا خليله عليه السلام، بدعوة الناس إلى حج بيته الحرام طلباً لمغفرته {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج /29]. |
|
ومنذ ذلك النداء الخالد أصبح لمكة المكرمة - قرية المسجد الحرام - مكانة قدسية راسخة في عقول العباد، ونفوسهم على مدى العصور والأزمان، يؤمون كعبتها بقدر كبير من الخشوع، والتعظيم، حتى إذا أشرق نور الإسلام، وبعث الله محمداً بالفرقان، أكد - تعالى - وجوب قصد البيت الحرام على كل مسلم مرة في العمر، عند استطاعته ذلك: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران/97]. |
|
وأقسم تعالى في كتابه العزيز بالبلد الأمين: {لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد/1-2]. وقال تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} [التين/1-3]. |
|
وورد في القرآن الكريم ذكرها في أكثر من آية، وبأكثر من اسم، فهي (البلد)، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنا} [إبراهيم/35]. |
|
وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنا} [البقرة/126]. |
|
والبلد في اللغة: صدر القُرى. |
|
وهي (البلدة) في قوله تعالى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} [النمل/91]. |
|
وهي (أم القرى) في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى/7]. |
|
وهي (بكة) في قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران/96]. |
|
وقال عكرمة، ومقاتل بن حيَّان: |
|
البيت وما حوله (بكَّة) وما وراء ذلك (مكة)[43]. |
|
وهي (القرية) في قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ} [محمد/13]. |
|
والقرية: اسم لما يجمع جماعة من الناس، من قولهم: قريت الماء في الحوض إذا جمعته فيه. وهي خير وأحب الأرضين إلى الله قال صلى الله عليه وسلم: "والله إنك لخير أرض الله، وأحبُّ أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت"[44]. |
|
وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة إلى الغار وأتاه التَفَتَ إلى مكة، وقال: "أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إليَّ، ولولا أن المشركين أخرجوني لم أخرج منك"[45]. |
|
وهي (مكة) كما في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ} [الفتح/24]. |
|
وهي (الحرم) في قوله تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [القصص/57]. |
|
وفي قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت/67]. |
|
قال ابن كثير: "أخبر الله عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدى، حيث قالوا لرسوله: {إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} أي: نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى، وخالفنا من حولنا مِن أحياء العرب المشركين أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطفونا أينما كنا، قال الله تعالى مجيباً لهم: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً} يعني هذا الذي اعتذروا به كذب وباطل، لأن الله تعالى جعلهم في بلد آمن، وحَرَمٍ معظَّم، آمِن منذ وضع، فكيف يكون هذا الحرم آمِناً لهم في حال كفرهم، وشركهم، ولا يكون آمناً لهم وقد أسلموا، وتابعوا الحق[46]؟ |
|
قال الأزهري: "فإن قيل: كيف يكون حرماً آمناً وقد أخيفوا، وقُتِلوا في الحرم؟، فالجواب بأن الله عز وجل جعله حَرَماً آمناً أمراً، وتعَبُّداً لهم بذلك لاإجباراً فمن آمن بذلك كفّ عما نُهي عنه اتباعاً، وانتهاءً إلى ما أمر به، ومن ألحد وأنكر أَمْرَ الحرمِ وحُرمَتَهُ فهو كافر مباح الدم، ومن أقرَّ وركب النهي فهو فاسق[47]. |
|
ثانياً: المسجد الحرام |
|
نصت أكثر آيات الكتاب الكريم على تسميته بالمسجد الحرام، كما في سورة: |
|
البقرة الآيات: ( 144، 149، 150، 191، 196، 217 ) |
|
والتوبة الآيات: ( 2، 7، 19، 27 ) |
|
والأنفال الآية: ( 34 ) |
|
والإسراء الآية: ( 1 ) |
|
والحج الآية: ( 25 ) |
|
والفتح الآيتان: ( 25، 27 ) |
|
و(الحرام) ضد (الحلال)، و(أحرم) الرجل بالحج والعمرة لأَنَّه يَحْرُمُ عليه ما كان حلالاً من قبل كالصيد، والنساء. |
|
و(المسجد الحرام) عَلَمٌ على المسجد الذي بداخله الكعبة المشرفة، بيت الله. وكذلك (البيت الحرام)[48]، و(بيتك المحرم)[49]، و(البيت العتيق)[50]، و(البيت)[51]، و(البيت المعمور)[52] و(بيتي)[53]. |
|
عند تتبع الآيات الواردة في الكتاب الكريم التي تصف مكة المكرمة، والأخرى التي تصف بيت الله المسجد الحرام، يظهر بجلاء الفرق بين الموضعين، فمكة المكرمة قرية تضم الدور، والشوارع، والميادين، والشجر، والحجر، وكل ما يحتاجه الإنسان من مرافق كالأسواق، والمساجد، والسجون، والشُرَط، وأصحاب الحرف، كالحدادين، والنجارين، والبُناة، والخبَّازين، والتُجار، إلى غير ذلك من الأمور التي تكون في القُرى، والمدن العامرة بالسكان. |
|
والمسجد الحرام: الذي يضم في جنباته الكعبة المشرفة، ومقام إبراهيم، وحجر إسماعيل عليهما السلام، وبئر زمزم، والركن اليماني، والحجر الأسود، وما يحيط بكل ذلك من ساحات، وأروقة، وما ينتظم فيها من صفوف المصلين خلف إمام واحد مهما اتَّسعت دائرة المصلِّين حول البيت المعمور، وما استحدث ويستحدث من ساحات حول المسجد الحرام تكتظ بالمصلين عند كثرة الآمِّين للمسجد الحرام في موسم الحج والعمرة وغيرهما. |
|
فإذا اتصلت الصفوف من هناك إلى حيث من يؤم المصلين فهو من المسجد الحرام، عيناً، وحكماً. |
|
بعد ذلك ندرك أن لكل منهما وصفاً قائماً بذاته، وخصوصيته ثابتة لا تجوز على أحدهما بدل الآخر، أو يشتركان فيه. |
|
جاء في الأثر عن ابن عمر قوله: إن الله - عز وجل - اختار الكلام فاختار القرآن، واختار البلاد فاختار الحرم، واختار الحرم فاختار المسجد، واختار المسجد فاختار موضع البيت[54]. |
|
والكعبة من المسجد قِبْلة المسلمين أينما وجدوا، وحيث ما حلوا تنفيذاً لقوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة/144]، وقوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة/150]. |
|
قال الإمام الشافعي: (شطره) جهته في كلام العرب، وكذلك (تلقاءه) أي: استقبل تلقاءه، وجهته. |
|
قال خفاف بن نُدْبَة[55]: |
|
ألا مَن مُبْلغٍ عمراً رسُولاً وما تُغْنى الرسالةَ شطْر عمْرو |
|
وهذا كله مع غيره من أشعارهم يُبيِّن أن شطر الشيء: قصدَ عين الشيء، إذا كان مُعَايناً فبالصواب، وإذا كان مُغيَّباً، فبالإجتهاد بالتوجه إليه، وذلك أكثر ما يمكنه فيه[56]. |
|
إذاً كلما كان المسلم يرى الكعبة بعينه المجرّدة، فلا يجزئه عند الصلاة إلاّ استقبال عينها، كما لو كان قذيفة أُطلقت من مَدْفَعٍ نحو الكعبة، وكلما بَعُدَ عن مركز البيت الحرام اتسعت جهة القبلة إليه، كوضع (الفرجار) يكون طرفاه مُتطَاَبِقين، ثم يأخذ كل طرف يبتعد عن مركز الدائرة حتى تصل الزاوية بينهما إلى (180ْ) درجة. |
|
فمن صلّى في المسجد الحرام استقبل عين الكعبة، ومن كان بمكة استقبل جهة المسجد الحرام، ومن كان خارجها استقبل جهتها، ومن كان خارج جزيرة العرب اتجه نحو جزيرة العرب[57]. |
|
والكعبة البيت الحرام منذ إنشائها إلى أن ترك إبراهيم الخليل عليه السلام بعض أهله في موضع قرب البيت العتيق، لم يستقر حولها من السكان أحد - والله أعلم - وبعد دعوة إبراهيم ربه بأن يجعل {أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}، وبعد أن نبع زمزم، وأعاد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بناء الكعبة، تقاطر الناس نحو مكة وازداد تقاطرهم بعد أذان الخليل فيهم بالحج بأمر من الله: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج/27]. |
|
ومع كثرة الوافدين إلى المسجد الحرام أصبح من الضروري أن يجد هؤلاء الوافدون أماكن لطعامهم، وشرابهم، وقضاء حاجاتهم، ونومهم وسائر حاجاتهم الأخرى خارج المسجد الحرام الذي لا تجوز فيه إلاّ أمور العبادة من صلاة، وذكر، وتلاوة قرآن، وطواف[58]، ولقوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة/125]. |
|
فانتشرت حول المسجد الحرام الأماكن الخاصة، والعامة، والدور، والأزقة، والمرافق العامة والخاصة، وهذا مما جعله الله تعالى للإنسان في الأرض، وأمتنَّ به عليه، قال جلّ ذكره: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً…} [النحل/80]، تأوون إليها وتستترون بها، وتنتفعون، مما شكَّل حول المسجد الحرام من جهاته المختلفة ما يشبه القرية المأهولة بالسكان الذين هوت أنفسهم إلى بيت الله الحرام، فآثروا الجوار بالاستقرار فعُرفوا بعد ذلك بأهل الله[59]، فأصبح للقرية حُرمة مستمدة من حُرمة البيت الحرام، أكَّد ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة إذ قال: "إن هذا البلد حرّمهُ الله تعالى يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام بحُرمة الله عز وجل إلى يوم القيامة…"[60]. |
|
وهو ما يدل على أن هذه البقعة من الأرض محرمة عند الله منذ خلق السموات والأرض، فكان من الأسباب والمسببات بعد ذلك ما جعل من تلك البقعة المباركة موضعاً لبيته الحرام: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين…} [آل عمران/96]. |
|
ثم أن الله تبارك وتعالى جعل البيت موضعاً يُرجع إليه مرة بعد أخرى قال جلّ ذكره: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً…} [البقرة/125]. |
|
و(ثاب) الناس: اجتمعوا، وجاءوا[61]. |
|
وشعر كل من جاور المسجد الحرام - أو هكذا يجب أن يكون - بحرمته، وعظمته، ورضي العيش بمكة - قرية المسجد الحرام - كل من عايش في نفسه حب الخير، وكراهة المعصية، وكان للعبادة في حياته الجانب الأهم. |
|
ومنهم من أخذ على نفسه ترويضها على الطاعة، متأثراً بمن حوله في المجتمع، فأصبح الطابع المميز لأكثر سكان مكة المكرمة الرغبة في الطاعة، والإستزادة من فعل الخيرات، مما أكسبهم محبة غيرهم من الوافدين عليهم، أو بلغته أخبارهم، فأصبح مجتمع مكة مجتمعاً آمناً كما قال تعالى ممتنا، ومُبكِّتاً لبعض أهله الذين كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم حينذاك، معللين ذلك بخوفهم من جيرانهم اليهود والنصارى أن يتخطفوهم إذا آمنوا، واتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم، ويمنعوا عنهم تجارتهم. وهي حجة واهية فالأمن لجيران المسجد الحرام أمر واقع، وملموس منذ عهد إبراهيم عليه السلام، وكان محفوظاً بحفظ الله له رغم ما أدخله بعض العرب فيه من عبادة الأوثان، فهل يأمنون وهم مشركون، ويخافون إذا هم آمنوا؟! |
|
إنها دعوى باطلة، قال تعالى: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [القصص/57]. |
|
وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} [العنكبوت/67]. |
|
وقال تعالى: {لإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش/1-4]. |
|
وإذا أسقطنا الأفعال المشينة التي خالف فيها مجتمع مكة القديم، أوامر الله بطاعته، وتوحيده، واجتناب نواهيه، وسببه ما طرأ على أهلها من شرك، ووثنية، فإنا نجده مجتمعاً يجنح أهله ويحرصون على فعل الخير، وإشاعته حفاظاً على مصالحهم، ومكانتهم المقدسة عند جيرانهم لكونهم جيران بيت الله الحرام. |
|
فقد تحالف أهله في وقت من الأوقات على نصرة المظلوم، وكفّ يد الظالم، على شكل معاهدة ومُعاقدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، مثل: حلف المُطيِّبين، وحلف الفضول، وأنشأوا دار الندوة. |
|
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "شهدت حلف المُطَّيَّبين مع عمومتي، وأنا غلام، فما أُحب أن لي حٌمر النَّعم وأني أنكثه"[62]، وكان بنو هاشم، وبنو زهرة، وتيمٌ قد اجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان في الجاهلية، وجعلوا طيباً في جَفنة وغمسوا أيديهم فيه، وتحالفوا على التناصر، والأخذ للمظلوم من الظالم، فسموا المطيِّبين[63]. |
|
وكذا حلْف الفضول عندما تداعت قبائل من قريش: بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العُزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مُرة، فتعاقدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلاّ قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى تُردُّ عليه مظلمته[64]. |
|
وأما دار الندوة فهي الدار التي كانوا يجتمعون فيها للتشاور[65]. وكان بينهم من تكفل برفادة الحجيج وآخر بسقايته قال السهيلي: "كانت الرفادة خرْجاً تُخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قُصي بن كِلاب فيصنع به طعاماً للحاجِّ فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد، وخطب فيهم قائلاً: يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته، وأهل الحرم، وإن الحاج ضيف الله، وزوّار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة"[66]. |
|
وقال أبو طالب: |
|
وكُنَّا قديماً لا نُقِرُّ ظُلامةً |
|
إذا ما ثنوا صُعْر الخدود نُقِيمها[67] |
|
وهم بذلك قد استشعروا حرمة المكان من حرمة الجوار. |
|
وحتى عندما أشرك من أشرك من أهل مكة لم يسقطوا من حسابهم تلك المهابة لبيت الله الحرام، وما وضعه بعضهم من أصنام حول الكعبة، إنما هو وسيلة - بزعمهم - تقربهم إلى رب البيت، كما أشار قوله تعالى: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر/3]. |
|
المبحث الرابع: حاضروا المسجد الحرام |
|
قال الله تعالى: {.. ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي} [البقرة/196]. |
|
(حاضري) مادتها (حَضَر)، و(الحَضَر) بفتحتين خلاف البدو، وهم الذين يسكنون القُرى، والمدن، والأرياف، لا يبرحونها إلاَّ ليعودوا إليها، والبدو لايستقرون في مكان إلاّ بقدر ما يجدون الماء والكلأ ثم يرحلون إلى أماكن أخرى طلباً لهما، فالتنقل من سمات حياتهم. |
|
وفلانٌ (حاضر) بموضع كذا، أي: مقيم به[68]. |
|
و(حاضروا المسجد الحرام) هم الناس من الحَضَر الذين تقع مساكنهم داخل حدود الحرم إلى المسجد الحرام، "ممن هو حوله ممن بينه، وبينه من المسافة مالا تقصر إليه الصلوات"[69]. |
|
وقد جاء ذكر حاضري المسجد الحرام في قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُو |