|
|
|
معالم أصول التربية الإسلامية من خلال وصايا لقمان لابنه |
|
|
إعداد: د./ عبد الرحمن بن محمد عبد المحسن الأنصاري |
|
|
أستاذ مساعد بقسم التربية بكلية الدعوة وأصول الدين |
|
|
الجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة |
|
|
|
|
|
فصل تمهيدي |
|
|
- مقدمة الدراسة. |
|
|
- موضوع الدراسة. |
|
|
- هدف الدراسة. |
|
|
- أهمية الدراسة. |
|
|
- منهج الدراسة. |
|
|
مقدمة الدراسة: |
|
|
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. |
|
|
أما بعد: |
|
|
تظهر على الساحة التربوية بين آونة وأخرى العديد من الأفكار والنظريات التربوية التي تدعي اهتمامها بتربية الإنسان وتهذيبه مثل النظريات المثالية والوجودية والواقعية والبرجماتية وغيرها، وبالرغم من ملاءمة تلك النظريات لظروف واقعها إلى حد ما إلا أنه يمكن القول أن تلك النظريات تقف عاجزة أمام تحديات تربية الإنسان في كل عصر هذا من جهة ومن جهة أخرى أنها ليست عامة وشاملة لكل زمان ومكان. |
|
|
من هنا كانت حاجة الإنسان إلى تربية تهذب العناصر المطلوبة لشخصيته وهي عناصر طيبة تلتقي جميعها في نقطة واحدة هي الفضيلة والتي يمكن توضيحها بأنها كل فعل فعلته فأرضيت فيه ربك واطمأن إليه قلبك واستراح له ضميرك ونلت به حب الناس[1]. بهذه المواصفات يمكن إعداد الشخصية الإنسانية الخيرة الصالحة. |
|
|
يتقرر مما سبق أن الحاجة إلى التربية الإسلامية شديدة، لأن العقول البشرية لا تستطيع وحدها إدراك مصالحها الحقيقة التي تكفل لها سعادة الدارين الدنيا والآخرة، كما أنها لا تهدي وحدها إلى التمييز بين الخير والشر، والفضيلة والرذيلة فالإنسان ليس كامل الحواس والعقل ومن ثم فإن مداركه ومعارفه مهما وصلت إلى درجة عالية فإنها تبقى قاصرة ومحدودة. |
|
|
لذا ينبغي أن يكون الإسلام هو المصدر الأساسي الذي يستمد منه المجتمع فكره التربوي، وأهدافه التربوية، وأسس مناهجه وأساليب تدريسه وسائر عناصر العلمية التعليمية. |
|
|
قال تعالى: {و َأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[2]. |
|
|
يتضح من الآية الكريمة أنه لا سبيل إلى تلافي هذا النقص وذلك القصور إلا بتفهم أصول التربية الإسلامية من مصادرها الأصلية والرجوع إلى سير السلف الصالح رضوان الله تعالى عنهم للإقتداء بهم. |
|
|
ولما كانت التربية الإسلامية تقوم على الإيمان بالله ومراقبته والخضوع له وحده، والعمل الصالح والتواصي بالحق، وتحري العلم والمعرفة الصحيحة ونشرها بين الناس والتواصي بالصبر[3]. |
|
|
أصبحت التربية الإسلامية فريضة على جميع الآباء والأمهات والمربين والمعلمين، وهذه المسؤولية أمانة دينية يتوارثها الأجيال، جيل بعد جيل ليربوا الناشئة على أصولها وتحت ظلالها فلا سعادة ولا راحة ولا طمأنينة لهم إلا بتربية هذه النفوس وتلك الأجيال وفق ما شرعه الله لهم. |
|
|
إن القرآن الكريم هو كتاب الله الخالد الذي نزل به الروح الأمين بلسان عربي مبين على أشرف خلق الله وخاتم أنبياءه محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ويهديهم إلى الصراط المستقيم، بعد ما اشتبه عليهم الضلال والجهل بالعرفان وذلك رحمة من الله بعباده ورأفة منه عزوجل بخلقه. |
|
|
وقد استطاع القرآن الكريم بفضل الله ورحمته ثم بسر فصاحته وبلاغته أن يكوَّن من عرب الجزيرة أمة تحمل رسالة الإسلام وتنشيء حضارة وتصنع تاريخا[4] فتغيرت حياتهم فأصبحت من بعد ضعف قوة، ومن جهل إلى علم، ومن بعد فرقة وتناحر إلى ألفة وتآزر، ومن الذل والهوان إلى العزة والكرامة، ومن الضلالة إلى الرشاد، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}[5] |
|
|
ويتفرد القرآن الكريم بأسلوبه الرائع في بناء العقيدة الإسلامية في النفس الإِنسانية، لا يستخدم العقل وحده ولا العاطفة وحدها، بل يربي العقل والعاطفة معاً. يعمد إلى التدرج في مخاطبة العقل البشري من المحسوس إلى المجرد، ومن الحاضر إلى الغائب، تم ينتقل بعد ذلك إلى بيان حقيقة الموجد للمخلوقات وأنه هو المستحق للعبادة وحده دون سواه يقول الحق تبارك وتعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ}[6] |
|
|
وبالجملة فإن القرآن الكريم شامل لجميع متطلبات النفس الإِنسانية فيما تحتاجه من الأوامر والنواهي، وما يصلحها وما يصلح لها، وما يسعدها وما يشقيها، وما يهديها وما يظلها. وعليه يتقرر أن القرآن الكريم هو المنهج الكفيل بتربية الفرد تربية شاملة كاملة، كما أنه يربي الأسرة الفاضلة والمجتمع الفاضل. |
|
|
لذلك كله كان – ومازال - القرآن وسيظل حتى يرث الله الأرض ومن عليها المصدر الأول للتشريع الإسلامي يستمد منه المسلمون عقيدتهم التي يؤمنون بها، ويجدون فيه معالجة لجميع جوانب حياتهم دنيا وآخره. |
|
|
ومما تجدر الإشارة إليه – هنا - أن منهاج التربية في القرآن جاء بناء على فهم حكيم لمتطلبات الطبيعية البشرية، ونظرة كلية في إطار المجتمع الذي يعيش فيه، وفي إطار مقدر الإنسان على اتباع الخير[7]. قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}[8]. |
|
|
وفي هذه الدراسة يستخلص الباحث بعون الله تعالى وتوفيقه أصول التربية الإسلامية للإنسان المسلم من خلال وصايا لقمان كما وردت في سورة لقمان. |
|
|
موضوع الدراسة: |
|
|
تعد وصايا لقمان الحكيم الواردة في سورة لقمان أنموذجا تربويا لأصول التربية المستقيمة، فقائلها رجل عرف بالحكمة، قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ…}[9]. |
|
|
لذا فإن وصاياه من الأهمية بمكان في التربية والتنشئة الحسنة، فهي نابعة من القلب، ومبناها والقناعة الصدق، والتجربة والمعرفة. |
|
|
من هنا كانت الحاجة ماسة للقيام بمثل هذه الدراسة ليتبين للقارئ من خلالها أصول التربية الإسلامية للإنسان كما جاءت في وصايا لقمان والمذكورة في سورة لقمان ويمكن تحديد المشكلة في السؤال الرئيسي التالي: |
|
|
ما معالم أصول التربية الإسلامية للإنسان المسلم في القرآن الكريم كما تظهر من خلال وصايا لقمان؟ |
|
|
ويتفرع من السؤال السابق الأسئلة الفرعية التالية: |
|
|
س 1: من هو لقمان الحكيم؟ |
|
|
س 2: ما الوصايا التي أوصى بها لقمان ابنه؟ |
|
|
س 3: ما جوانب التربية الإسلامية للإنسان التي يمكن الخروج بها من خلال تلك الوصايا؟ |
|
|
هدف الدراسة: |
|
|
تهدف هذه الدراسة الوقوف على المعالم الصحيحة لأصول التربية القويمة والتي تساعد الآباء والأمهات والمعلمين وكل من له عناية بشؤون التربية والتعليم على تربية الأجيال الناشئة تربية إسلامية صحيحة. |
|
|
أهمية الدراسة: |
|
|
تكمن أهمية الدراسة في استخلاص جوانب التربية الإِسلامية للإنسان من خلال وصايا لقمان الحكيم، وأن القيام بمثل هذا العمل يعد بمثابة أنموذجا مرجعياً لكل أب ومربّ مسلم يريد أن ينشئ أبناءه وتلاميذه التنشئة التي يريدها منهاج الإسلام التربوي. |
|
|
منهج الدراسة: |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
يستخدم الباحث في دراسته المنهج التحليلي الاستنباطي لاستخراج جوانب التربية الإسلامية من وصايا لقمان وذلك بإتباع ما يلي: |
|
|
1- قراءة الآيات الكريمة من كتاب الله عزوجل والمتضمن لتلك الوصايا الواردة في سورة لقمان من آية 13-19. |
|
|
2- استخدام كتب التفسير بهدف التعرف على تفسير الآيات المشار إليها سابقا. |
|
|
3- استنباط الجوانب التربية المتضمنة لتلك الوصايا. |
|
|
4- التوصل إلى تحديد معالم أصول التربية الإسلامية للإنسان المسلم كما تظهر من خلال الوصايا. |
|
الفصل الأول |
|
|
التعريف بلقمان الحكيم |
|
|
اسمه ونسبه: |
|
|
لقمان اسم أعجمي لا عربي[10] |
|
وقد اختلف في نسبه: |
|
|
فقيل هو لقمان بن باعوراء بن ناحور بن تارح وهو آزر أبو إبراهيم الخليل عليه السلام هكذا ذكره ابن إسحاق، وقيل هو لقمان بن عنقاء بن سرون وكان نوبيا من أهل من أهل إيلة ذكره السهيلي قال وهب: "كان ابن أخت أيوب عليه الصلاة والسلام"، وقال مقاتل ابن خالته، وقيل كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود عليه السلام وأخذ منه العلم، وكان يفتي قبل مبعثه، فلما بعث قطع الفتوى [11] وقيل أنه كان قاضيا في زمن داود عليه السلام [12] |
|
|
أوصافـه: |
|
|
قال ابن عباس: كان عبداً حبشياً[13] |
|
|
وقال قتادة: عن عبد الله بن الزبير قلت لجابر بن عبد الله:ما انتهى إليكم في شأن لقمان ؟ قال:كان قصيراً أفطس من النوبة[14][15] |
|
|
وقال مجاهد:كان لقمان عبداً أسود عظيم الشفتين, مشفق القدمين ,وفى رواية مصفح القدمين[16]. |
|
|
صفاته: |
|
|
كان لقمان من أخير الناس حكيما وفطينا، رقيق القلب، صادق الحديث، صاحب أمانة وعفة، وعقل وإصابة في القول، وكان رجلا سكيتا، طويل التفكر، عميق النظر لم ينم نهاراً قط، ولم يره أحد يبزق ولا يتنحنح، ولا يبول ولا يتغوط، ولا يغتسل، ولا يعبث ولا يضحك، وكان لا يعيد منطقا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها أي واحد[17]. |
|
|
وكان قد تزوج وولد له أولاد فماتوا فلم يبك عليهم، وكان يغشى السلطان، ويأتي الحكام لينظر ويتفكر ويعتبر فبذلك أوتي ما أوتي[18]. |
|
|
مهنته: |
|
|
قيلَ: أنه كان خياطاً، قاله سعيد بن المسيب. قال الأوزاعي: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنك أسود فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومهجع مولى عمر، ولقمان الحكيم كان أسود نوبياً ذا مشافر[19]. |
|
|
وقيل: كان يحتطب كل يوم لمولاه حزمة حطب، وقال لرجل ينظر إليه: إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض، وقيل: كان راعياً قاله عبد الرحمن بن زيد ابن جابر. |
|
|
وقال خالد الربعي: كان لقمان عبداً حبشياً نجاراً فقال له سيده: أذبح لي شاة، وأتني بأطيب مضغتين فيها فأتاه باللسان والقلب، فقال له: ما كان فيها شيء أطيب من هذين فسكت، ثم أمره بذبح شاة أخرى ثم قال له: ألق بأخبث مضغتين فيها فألقى اللسان والقلب،فقال له أمرتك بأن تأتيني بأطيب مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي أخبثها فألقيت اللسان والقلب؟ فقال له: إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا أخبثا[20]. |
|
هل كان لقمان نبيا أم حكيما؟ |
|
|
اختلف السلف في لقمان: هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة ؟ على قولين: |
|
|
فقال جمهور أقل التأويل: أنه كان وليا ولم يكن نبيا. |
|
|
وقال عكرمة والشعبي بنبوته. |
|
|
والصواب أنه كان رجلا حكيما بحكمة الله تعالى - وهي الصواب في المعتقدات، والفقه في الدين والعقل - قاضيا في بني إسرائيل قاله ابن عباس وغيره[21]. |
|
|
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبداً كثير التفكر حسن اليقين,أحب الله تعالى فأحبه فمن الله عليه بالحكمة,وخيره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق,فقال:رب إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاد,وإن عزمت علي فسمعاً وطاعة فإنك ستعصمني" ذكره ابن عطية وزاداه الثعلبي: فقالت له الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا لقمان؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه المظلوم من كل مكان، إن يعن فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكون في الدنيا ذليلا فذلك خير من أن يكون فيها شريفا، ومن يختر الدنيا على الآخرة نفته الدنيا ولا يصيب الآخرة، فعجبت الملائكة من حسن منطقه! فنام نومة فأعطي الحكمة، فانتبه يتكلم بها، ثم نودي داود بعده فقبلها - يعني الخلافة - ولم يشترط ما اشترطه لقمان، فهوى في الخطيئة غير مرة، كل ذلك يعفو الله عنه. وكان لقمان يؤازره بحكمته؛ فقال له داود: طوبى لك يا لقمان! أعطيت الحكمة وصرف عنك البلاء، وأعطى داود الخلافة وابتلي بالبلاء والفتنة[22] |
|
|
ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: لقمان لم يكن نبياً ولا ملكاً ولكن كان راعياً أسود، فرزقه الله العتق ورضي قوله ووصيته فقص أمره في القرآن لتمسكوا بوصيته[23]. |
|
|
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَة} أي الفقه في الإسلام، قال قتادة: ولم يكن نبياً ولم يوح إليه[24] وعن مجاهد أنه قال: كان لقمان رجلاً صالحاً ولم يكن نبيا[25] |
|
|
وروى ابن كثير عن قتادة أنه قال: "خيّر الله تعالى لقمان بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة على النبوة فأتاه جبريل عليه السلام وهو نائم فذرَّ عليه الحكمة فأصبح وهو ينطق بها". قال سعيد: سمعت قتادة يقول: "قيل للقمان كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيّرك ربك؟ فقال: أنه لو أرسل إليّ بالنبوة عزمة لرجوت فيه الفوز منه ولكنت أرجو أن أقوم بها ولكن خيّرنيى فخفت أن أضعف عن النبوة فكانت الحكمة أحب إلي وهذا فيه نظر لأن سعيد بن بشير يروي عن قتادة وقد تكلموا فيه"[26]. |
|
|
وكما ذكرت سابقا أن المشهور عن الجمهور أنه كان رجلا حكيما ولم يكن نبيا وهو قول الأكثرين[27]. |
|
|
وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى والله أعلم. |
|
|
الفصل الثاني |
|
|
وفيه المباحث التالية: |
|
|
المبحث الأولى: وصايا لقمان لابنه. |
|
|
المبحث الثاني: الجوانب التربوية لوصايا لقمان. |
|
|
المبحث الثالث: معالم أصول التربية الإسلامية من خلال وصايا لقمان. |
|
المبحث الأول |
|
وصايا لقمان لابنه |
|
|
يتناول هذا المبحث بيان الوصايا القيمة التي أوصى بها لقمان ابنه كي يتضح لنا أهميتها في تربية الأبناء على أسسها القويمة كما حددها – لقمان - لابنه، ذلك الأب الرحيم الذي أتاه الله الحكمة فهو ينظر إلى ابنه نظرة شفقة وعطف، حتى لا يقع في مهاوي الزيغ والضلال، ولهذا كانت وصاياه من الأهمية بمكان، وقد بينها لنا القرآن الكريم بأسلوبه ومعانيه المعجزة الخالدة، فكانت وصاياه أنموذجا يتوافر فيه الإخلاص والصواب، وعلى الأباء أن يسلكوا مسلكه في تنشئة أبنائهم تنشئة إسلامية صحيحة وفق ما تعرضه الآيات الكريمة من كتاب الله عزوجل والتي ذكرت بها وصايا لقمان. قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ. وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ . وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ . يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ. يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ. وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}[28]. |
|
|
من خلال العرض السابق للآيات الكريمة يمكن توضيح الوصايا في النقاط التالية: |
|
|
الوصية الأولى: |
|
|
توحيد الله وإفراده بالعبادة لله وحده لا شريك له في ذلك فهو المستحق للعبادة وحده - سبحانه وتعالى - {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }. |
|
|
الوصية الثانية: |
|
|
برَّ الأبناء لآبائهم {وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْه...} الآية. |
|
|
الوصية الثالثة: |
|
|
أن يراقب العبد الله سبحانه وتعالى في حركاته وسكناته وجميع أعماله، فالله عزوجل لا تخفى عليه خافية لا في الأرض ولا في السماء {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ...} الآية. |
|
|
الوصية الرابعة: |
|
|
الأمر بإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على تحمل المشاق في سبيل ذلك {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ...} الآية. |
|
|
الوصية الخامسة: |
|
|
التواضع لعباد الله والإقبال عليهم بوجه طليق والابتعاد عن مظاهر الكبر والغرور، وخفض الصوت أثناء الحديث معهم وعدم رفعه {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ….}الآية {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِك……} الآية |
|
|
تلك هي وصايا لقمان الحكيم لابنه ذكرها لنا القرآن الكريم للتفكر والاعتبار فهل من مدَّكر، قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}[29] |
|
|
المبحث الثاني |
|
|
الجوانب التربوية لوصايا لقمان |
|
|
في هذا البحث نتناول جوانب التربية الإسلامية المتضمنة لوصايا لقمان لابنه وفيما يلي بيان ذلك: |
|
|
أولا: الدعوة إلى غرس عقيدة التوحيد: |
|
|
إن المتدبر لكتاب الله سبحانه وتعالى والمتأمل في آياته البينات يتضح له تميز المنهاج الرباني بمفاهيم تربوية لا يجد لها مثيلا في المناهج والنظم والنظريات التربوية البشرية تستهدف تلك المفاهيم الربانية خير الإنسان في الدنيا والآخرة جميعاً، وينطلق المنهاج الرباني نحو بناء القيم الإسلامية التي تتظافر للوصول بالإنسان إلى الصلاح والإصلاح وشجب كل صور الفساد في النفس والمجتمع لتحقق له بذلك كماله الإنساني. |
|
|
إن المنهاج الرباني واضح في أهدافه وغاياته ليتمكن المسلم من اتباع هديه، وهو مؤمن بمقاصده العظيمة، وموقن بالخير الذي يعود عليه نتيجة التمسك به والعمل بأوامره واجتناب نواهيه، ومن هنا فإن منهاج التربية الإسلامية يركز على غرس الحق والعدل والإحسان والإخاء والمساواة والعفو والرحمة والمعروف والاستقامة والصبر... وغير ذلك من أفعال الخير وصالح الأعمال. |
|
|
والأسرة المسلمة هي المدرسة الأولى التي تقوم بتوجيه وتربية الأبناء تربية صالحة. |
|
|
فالأبناء أمانة في أعناقهم يسألون عنهم أمام الله تعالى، قال الله عز وجل: |
|
|
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}[30] |
|
|
وبناء على ما سبق وجب على الآباء أن يوضحوا لأبنائهم معالم التربية الصحيحة، ويبينوا لهم الصالح من الضار، والحق من الباطل، فإن غفلوا أو قصروا في أداء ذلك نشأ أبناؤهم نشأة لا تحمد عقباها ولا يرجى خيرها وكان الإثم على الآباء أولا. |
|
|
فالأبوان هما المسؤولان في الدرجة الأولى عن انحراف أبنائهم خلقياً واجتماعياً وعقدياً، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء"[31] وفي هذا دلالة واضحة على أن المولود يولد على فطرة الإِسلام، لكن تأثير الأبوين وأسلوب تربيتهما هما اللذان يوجهان عقيدة هذا الطفل نحو اليهودية أو النصرانية أو غيرهما. ومن هنا كانت مهمة الأبوين في التربية من الأهمية بمكان فالطفل يحاكي أبويه في جميع سلوكهما ومعتقداتهما وأخلاقهما. |
|
|
فأول واجب يجب على الأبوين القيام به والاهتمام بأمره دون كلل، هو غرس عقيدة التوحيد في نفس الطفل وتوجيه عواطفه نحو حب الله ورسوله وإخباره بأن الله يجب أن يكون أحب إليه من أمه وأبيه ونفسه، والإِيمان بالله الذي لا إله غيره وبملائكته ورسله، وتوحيد الله في الألوهية والربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية لأن الإيمان بالله هو الموجه لسلوك الإنسان والدافع له إلى اتجاه الخير، والنصير له من حيث العناية والرعاية والتوفيق، كما أنه الذي يصرفه عن طريق الشر ويجعله متحلياً بالفضائل وحسن الخلق[32] والمقصود بالإيمان أي الإِيمان بما أوجب الله تعالى في قوله: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِه}[33]. وكذلك قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ}[34]. |
|
|
وأما السنة فقد ذكرت أركان الإيمان مجتمعة في حديث جبريل عليه السلام، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد! أخبرني عن الإِسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإِسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" الحديث[35]. |
|
|
إن الإيمان بالله هو الموجه للسلوك والضابط له والمتصل اتصالا وثيقاً بالأعمال الصادرة من الإِنسان فإن التربية الإِسلامية تربط دائما بين العمل والسلوك ثم بين العمل الصادر من هذا الإيمان وبين الجزاء، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً}[36]. |
|
|
ويقول تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[37]. |
|
|
وهناك آيات كثيرة تقرن الإيمان بالعمل، فالإيمان الحق هو الإيمان الذي يصدر عنه السلوك وينبع منه العمل الصالح ويخرج منه الخلق الكريم، فحسن الخلق والإخاء والمودة واجتناب الكبائر والتمسك بالفضائل يجب أن تصدر عن هذه العقيدة[38] |
|
|
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له " [39]. |
|
|
ويقول صلى الله عليه وسلم في سلوك المؤمن نحو جاره ونحو نفسه: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره "[40]. |
|
|
كما يتحدث عن أثر الإيمان في تجنب الرذائل وارتباط الإيمان بالسلوك ساعة فعل العمل كما جاء في الحديث الشريف: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن" الحديث[41]. |
|
وكما ورد في الحديث الآخر "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه أو قال لجاره ما يحب لنفسه"[42]. |
|
|
فالعقيدة لابد أن تنعكس على الإنسان وسلوكه فإذا آمن إيمانا يقينياً بالله سبحانه وبعلمه ومراقبته الدائمة لعبده كان هذا الإيمان محدداً لسلوك المسلم كفرد وسلوك الجماعة كأمة مسلمة. فالعقيدة لابد أن تترجم في حياة الفرد الذي يعلم بأن الله يطلع على سره ونجواه وأن أفعاله مكتوبة وهو محاسب عليها، ولابد أن تترجم في حياة الجماعة فتبني نظام حياتها وفق هذه العقيدة التي آمنت بها[43]من كل ما سبق يتقرر أنه لا سعادة لهذه النفس الإِنسانية ولا استقامة لها إلا إذا ارتبطت كافة جوانبها بعقيدة التوحيد، ومن هنا يجب على المربي المسلم أن يربط كل جوانب التربية بهذا الأصل الاعتقادي لما له من أهمية كبرى في حياة الإنسان النفسية، وتوحد نوازعه وتفكيره وأهدافه وتجعل كل عواطفه، وسلوكه وعاداته قوى متضافرة متعاونة ترمي كلها إلى تحقيق هدف واحد هو الخضوع لله وحده والشعور بألوهيته وحاكميته ورحمته وعلمه لما في النفوس وقدرته وسائر صفاته[44]. |
|
|
ثانيا: بر الوالدين: |
|
|
إن عطف الآباء على الأبناء من أبرز صور الرحمة، وهو يفرض على الأبناء أن يقابلوا رحمة والديهم لهم بأن يرعوهم-كباراً فيخفضوا لهم جناح الذل من الرحمة، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة بهم. |
|
|
إن عطف الوالدين على أولادهم عطاء لا يقدر بثمن ولا ينتظر منه العوض، إنه فطرة فطر الله الوالدين عليها، ولذلك كان برهما من أعظم الواجبات وفي مقدمة الصلات الاجتماعية، كما كان عقوقهما من الكبائر المقاربة للشرك بالله، ولهذا ورد الأمر بالإحسان إليهما في مواضع كثيرة من كتاب الله عز وجل عقب الأمر بعبادة الله وحده، والنهي عن الإشراك به. |
|
|
فمن ذلك قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناًً..} الآية [45] |
|
|
ففي الآية الكريمة يأمر الله تعالى بعبادته وينهى عن الشرك به ثم يتبعه الأمر بالإحسان للوالدين وبرهما لما لهما من الفضل على الابن منذ أن كان نطفة في رحم أمه حتى صار كبيراً يعتمد على نفسه. |
|
|
ويعرض لقمان الحكيم في وصيته لابنه العلاقة بين الوالدين والأولاد في أسلوب رقيق، وفي صورة موحية بالعطف والرقة، ومع هذا فإن رابطة العقيدة مقدمة على تلك العلاقة الوثيقة[46]. |
|
|
ولهذا كان شكر الوالدين بعد شكر الله عز وجل لأنه المنعم الأول[47]. |
|
|
ووصية الإنسان بوالديه تتمثل في طاعتهما مما لا يكون شركا ومعصية لله تعالى[48]. وبمعنى آخر أن طاعة الوالدين لا تكون في ركوب كبيرة، ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات[49]. |
|
|
مما سبق يمكن القول أن علاقة الأبناء بالوالدين يجب أن تكون علاقة قوية مبنية على التقدير والاحترام ذلك أن فضلهم على أبنائهم لا يدرك مداه ولا يستطيع أحد أن يقدره، ومن هنا كان توصية الأبناء بآبائهم تتكرر في القرآن الكريم، والسنة المطهرة لما في ذلك من حاجة لتذكيرهم بواجب الجيل الذي نفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف، ولهذا يجيء الأمر بالإِحسان إلى الوالدين في صورة قضاء من الله يحمل معنى الأمر المؤكد بعد الأمر المؤكد بعبادة الله، قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [50]. |
|
|
وفي قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} ما يفيد أن أول مرتبة من مراتب الرعاية والأدب ألا يَنِدَّ من الولد ما يدل على الضجر والضيق، وما يمشي بالإِهانة وسوء الأدب...{وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} وهي مرتبة أعلى إيجابية أن يكون كلامه لهما بالإكرام والاحترام. |
|
|
{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} وهنا يشف التعبير ويلطف، ويبلغ شغاف القلب وحنايا الوجدان فهي الرحمة ترق وتلطف حتى وكأنها الذل الذي لا يرفع عينا ولا يرفض أمراً وكأنما للذل جناح يخفضه إيذاناً بالسلام و الاستسلام. |
|
|
{وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} فهي الذكرى الحانية ذكرى الطفولة الضعيفة يرعاها الولدان، وهما اليوم في مثلها من الضعف والحاجة إلى الرعاية والحنان[51]. |
|
|
ومما لاشك فيه أن الإنسان لا يفي والديه حقهما عليه مهما أحسن إليهما، لأنهما كانا يحسنان إليه حينما كان صغيراً وهما يتمنيان له كل خير ويخشيان عليه من كل سوء ويسألان الله له السلامة وطول العمر، ويهون عليهما من أجله كل بذل مهما عظم ويسهران على راحته دون أن يشعر بأي تضجر من مطالبه، ويحزنان عليه إذا آلمه أي شيء، أما الولد فإذا قام بما يجب عليه من الإحسان لوالديه فإن مشاعره النفسية نحوهما لا تصل إلى مثل مشاعر أنفسهما التي كانت نحوه ولا تصل إلى مثل مشاعره هو نحو أولاده إلا في حالات نادرة جداً[52]. |
|
|
ويتحقق حق الوالدين على الأولاد بطاعتهما ماداما يأمران بالخير، فإن أمرا بمعصية الله فلا تجوز طاعتهما، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولكن لا يسقط حقهما في المعاملة الطيبة والصحبة الكريمة[53]. |
|
|
فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها قالت: "قدمت أمي وهي مشركة - في عهد قريش ومدتهم إذ عاهدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أبيها، فاستفتيت النبي فقلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، قال: "نعم، صلي أمك"[54]. |
|
|
وفي حديث آخر: أتتني
أمي راغبة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم،
آصلها؟ قال: نعم…
[55]الحديث. |
|
|
من الحديثين السابقين يتبين أن حق الأبوين قائم ولو كانا الكافرين، وعلى الابن يحسن صحبتهما دون أن يطيعهما في معصية الله عز وجل، فطاعة الله لا تقدم عليها طاعة لأحد مهما كان ذا حق[56]. |
|
|
من البيان السابق للوصية الثانية والتي تتعلق ببر الوالدين يتقرر أن من أول الواجبات التي يجب على الطفل المسلم أن يتعلمها الشكر للوالدين ويكون هذا بعد الإِيمان بالله سبحانه وتعالى وحده والشكر له، ولهذا جعل لقمان شكر الوالدين بعد شكر الله عز وجل والإيمان به اعترافاً بحقوقهما ووفاء بمعروفهما. |
|
|
ثالثًا: التربية على الإِيمان بقدرة الله عز وجل: |
|
|
قال تعالى: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}[57]. |
|
|
في الآية الكريمة يعلم لقمان ابنه مدى قدرة الله تعالى، حيث قيل: إن الحس لا يدرك للخردلة ثقلا، إذ لا ترجح ميزاناً. أي لو كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع جاء الله بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه، أي لا تهتم للرزق حتى تشتغل به عن أداء الفرائض، وعن إتباع سبيل من أناب إليّ[58]. |
|
|
والآية الكريمة السابقة توجه الإنسان إلى قدرة الله الواسعة وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا، فسبحانه وتعالى لا شريك له. وهناك آيات بينات من كتاب الله عز وجل تدل على سعة علم الله وقدرته العظيمة فمن ذلك قوله تعالى:{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}[59]. |
|
|
وقوله تعالى: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }[60]. |
|
|
وكان توجيه لقمان لابنه بقدرة الله سبحانه وتعالى وإطلاعه على سعة علمه عزوجل عندما قال ابن لقمان لأبيه: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ فقال لقمان: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ...} فمازال ابن لقمان يضطرب حتى مات[61]. |
|
|
وفي قوله تعالى: {حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَل}[62]، إشارة إلى دقة الحساب وعدالة الميزان ما يبلغه هذا التعبير المصور حبة من خردل، صغيرة ضائعة لا وزن لها ولا قيمة {فَتَكُنْ فِي صَخْرَة} أي صلبة محشورة فيها لا تظهر ولا يتوصل إليها {أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ...} في ذلك الكيان الهائل الشاسع الذي يبدو فيه النجم الكبير ذو الجرم العظيم نقطة سابحة أو ذرة تائهة {أَو ْفِي الأَرْض} ضائعة في ثراها وحصاها لا تبين {يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} فعلمه يلاحقها وقدرته لا تفلتها[63]. ويراد من ذلك الأعمال، المعاصي و الطاعات، أي إنْ تك الحسنة أو الخطيئة مثقال حبة يأت بها الله، أي لا تفوت الإنسان المقدر وقوعها منه، وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة الترجية والتخويف[64]. |
|
|
ويدرك الإنسان من معرفته لقدرة الله عز وجل مراقبة الله الدائمة له في كل تصرف، مراقبة الله له في الصغيرة والكبيرة، وفي الجهر والخفاء. |
|
|
ولذا فهو يراقب الله وهم يعمل... فلا يعمل شيئاً بغير إخلاص، لا يعمل شيئاً يقصد الشر... لا يعمل مستهتراً ولا مستهينا بالعواقب، ولا يعمل شيئا لغير الله، فالله سبحانه وتعالى يحاسبه على النية بعد العمل وعلى الإخلاص فيه. |
|
|
فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرىء ما نوى... "[65]. |
|
|
هذا والله لا يقبل أن يكون شيء من العمل لغير وجهه. |
|
|
فعن أبي أمامة الباهلي قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ماله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا شيء له". فأعادها ثلاث مرات يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاشيء له. ثم قال: إن الله لا يقبل من العبد إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه"[66]. |
|
|
وكذلك يراقبه وهو يفكر ويحس... فالله يعلم السر وما أخفى من السر الهاجسة في باطن النفس لم يطلع عليها أحد لأنها مطمورة في الأعماق يراقبه فلا يحس بإحساس غير نظيف، يراقبه فينظف مشاعره أولا بأول لا يحسد ولا يحقد، ولا يكره للناس الخير، ولا يتمنى أن يحرمهما منه ويستحوذ هو عليه، ولا يشتهى الشهوات الباطلة والمتاع الدنس، وحين توجد في القلب هذه الحساسية المرهفة تجاه الله، لتستقيم النفس ويستقيم المجتمع وتستقيم جميع الأمور، ويعيش المجتمع نظيفاً من الجريمة، نظيـفاً من الدنس، نظيفاً من الأحقاد لأنه لا يتعامل في الحقيقة بعضه مع بعض وإنما يتعامل أولا مع الله[67]. وبناء على ما سبق ذكره ينبغي على الآباء والأمهات وكذلك العاملين في مجال التربية والتعليم أن يغرسوا في قلوب أبنائهم وتلاميذهم مراقبة الله تعالى في أعمالهم وسائر أحوالهم، لتصبح هذه المراقبة الإلهية سلوكا لازماً لهم في كل تصرفاتهم ويتم ذلك بترويض الولد على مراقبة الله وهو يعمل فيتعلم الإخلاص لله عز وجل في كل أقواله وأعماله وسائر تصرفاته ويكون ممن شملهم القرآن بقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ...}[68]. |
|
|
وكذلك ترويضه على مراقبة الله وهو يفكر ليتعلم الأفكار التي تقربه من خالقه العظيم والتي بها ينفع نفسه ومجتمعه والناس أجمعين. |
|
|
وأيضاً ترويضه على مراقبة الله وهو يحس. فيتعلم كل إحساس نظيف وليتربى على كل شعور طاهر.. وهذا النمط من التربية والمراقبة قد وجه إليه المربي الأول عليه الصلاة والسلام في إجابته السائل عن الإحسان: " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " [69]. |
|
|
وهذه الظاهرة من الترويض والتعليم كانت ديدن السلف الصالح في ترويضهم لأولادهم وتأديبهم عليها[70]. |
|
|
وحينما ينهج المربون في تربية الأولاد هذا النهج ويسير الآباء والأمهات في تأديب الأبناء على هذه القواعد يستطيعون بإذن الله تعالى في فترة يسيرة من الزمن أن يكوّنوا جيلاً مسلماً مؤمناً بالله معتزاً بدينه، مفتخراً بتاريخه وأمجاده، ويستطيعون كذلك أن يكوّنوا مجتمعاً نظيفاً من الإلحاد والميوعة والحقد، ونظيفاً من الجريمة[71]. |
|
|
رابعًا: التوجه إلى الله تعالى بالصلاة، والتوجه إلى الناس بالدعوة إليه تعالى والصبر في سبيل الدعوة ومتاعبها: |
|
|
أ- الأمر بإقامة الصلاة: |
|
|
يقول لقمان لابنه كما ورد في قول الحق تبارك وتعالى: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ}[72]. |
|
|
فرض الله سبحانه وتعالى على عباده عبادات لها أثرها في تهذيب سلوك الإنسان، وإصلاح القلوب ومن هذه العبادات الصلاة، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام وعموده الذي لا يقوم إلا به فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله" الحديث[73]. |
|
|
والصلاة هي أول ما أوجبه الله تعالى على عباده من العبادات، وفد فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به من مكة إلى المسجد الأقصى ثم عرج به إلى السماء، يقول أنس رضي الله عنه: "فرضت الصلاة على النبي ليلة أسرى به خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمساً ثم نودي يا محمد: إنه لا يبدل القول لدىّ، وإن لك بهذه الخمس خمسين"[74]. |
|
|
وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة وقد ثبت عن رسول الله عليه السلام أنه قال: "إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر... " الحديث[75]. |
|
|
وقد بلغ من عناية الإسلام بالصلاة أن أمر بالمحافظة عليها في الحضر والسفر، والأمن والخوف قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}[76]. |
|
|
إن المتمعن بالعبادات التي فرضها الله سبحانه وتعالى - على الناس - عموماً، والصلاة خصوصاً يدرك أثرها التربوي في إشراقة النفوس، وطمأنينة القلوب، وإصلاح الفرد والجماعة، ومن هذه الآثار التربوية ما يلي: |
|
|
1- إقامة الصلاة دليل على صدق الإيمان، وعلى تقوى الله، وعلى ما يتمتع به صاحبها من بره بعهده وقيامه على الحق وإخلاصه لله، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}[77][78]. |
|
|
2- الصلاة منهج متناسق لتربية الرفد والمجتمع يصل بهما إلى قمة السمو الأخلاقي، قال تعالى:{اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ... } الآية[79][80]. |
|
|
3- الصلاة تمد المؤمن بقوة روحية تعينه على مواجهة المشقات والمكاره في الحياة الدنيا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[81]. |
|
|
4- الصلاة غذاء روحي للمؤمن يعينه على مقاومة الجزع والهلع عند مسه الضر، والمنع عند الخير والتغلب على جوانب الضعف الإنساني، قال تعالى: {إِنَّ الأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ}[82]. |
|
|
5- إن الصلاة سبب لمحو الخطايا وغفران الذنوب فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أرأيتم لو أن نهراً على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمساً ما تقول ذلك يبقى من دَرَنِه؟ قالوا: لا يبقى من دَرَنِه |