طباعة

 توثيق النص

 

 

 
 التفسير الصحيح موسوعة الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
القسم الثاني
الأستاذ الدكتور حكمت بشير ياسين
كلية القرآن الكريم الجامعة الإسلامية- المدينة المنورة
 
 

إن الحمد للّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؟ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد:

فهذا القسم الثاني من التفسير الصحيح (موسوعة الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور) من بداية سورة البقرة إلى نهاية النصف الأول من الجزء الأول عند الآية رقم (74) من سورة البقرة.

 

سورة البقرة

فضائلها

أخرج مسلم بسنده عن معاوية (يعني: ابن سلام) عن زيد، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني أبو أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "إقرأوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، إقرأوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أوكأنهما غيابتان، أو كأنهما فرقان من طير صواب، تحاجان عن أصحابهما، إقرأوا سورة البقرة. فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة"، وقال معاوية: بلغني أن البطلة السحرة[1]

وأخرج أيضا بإسناده عن أبي هريرة، أن رسول الله عليه وسلم الله عليه وسلم قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر. إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة"[2]

وأخرج الشيخان بسنديهما عن أسيد بن حضير قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف وكان ابنه يحيى قريبا منها فأشفق أن تصيبه فلما اجتَّره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدّث النبي  الله عليه وسلم الله فقال: اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير، قال فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال وتدري ما ذاك ؟قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك. ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم[3] واللفظ للبخاري.

وقال الإمام أحمد: ثنا سليمان بن داؤد، قال: أخبرنا حسين قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرني عمرو بن حبيب بن هند الأسلمي عن عروة، عن عائشة أن النبي  صلى الله عليه وسلم قال: "من أخذ السبع  الأول فهو حبر"[4]. ذكره الهيثمي ثم قال: رواه أحمد والبزار، ورجال البزار رجال الصحيح غير حبيب بن هند الأسلمي وهو ثقة[5]

وأخرجه الحاكم من طريق إسماعيل بن جعفر به، وصححه ووافقه الذهبي[6] وقد خرّج هذا الحديث الشيخ محمد رزق طرهوني تخريجا وافيا وتوصل إلى تصحيحه أيضا[7]

سورة البقرة 1

قوله تعالى {الم}

قال الدارمي: حدثنا أبو عامر قبيصة أنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي الأحوص، عن عبداللّه قال: تعلموا هذا القرآن، فإنكم تؤجرون بتلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول بـ {الم}، ولكن بألف، ولام، وميم بكل حرف عشر حسنات[8]

وقد توقف في تفسير هذه الآية وغيرها من الحروف المقطعة جمع من العلماء كالخلفاء الراشدين رضوان اللّه عليهم وغيرهم من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه بين مرادها فيستحسن أن نقول الله أعلم بمرادها، ولكن ثبت عن بعض المفسرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم أنهم بينوا مرادها واختلفوا فيها وأسوق هنا ما ثبت عنهم من الأوجه الآتية:

الوجه الأول: أنها قسم أقسم اللّه به وهو من أسمائه:

قال الطبري: حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح، قال حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: هو قسم أقسم اللّه به، وهو من أسماء اللّه[9] وإسناده حسن. وأخرج الطبري من طريق يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا ابن علية قال حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة قال {الم} قسم[10] وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي سعيد الأشج عن ابن علية به[11]. ورجاله ثقات وإسناده صحيح.

الوجه الثاني: أنها فواتح يفتح اللّه بها القرآن.

قال الطبري: حدثنا أحمد بن حازم الغماري قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان عن مجاهد قال: {الم} فواتح[12]

ورجاله ثقات إلا أحمد بن حازم الغماري وهو أبو عمرو الكوفي صاحب المسند ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان متقنا. ت 276 هـ[13] هذا وقد رواه الطبري من طرق أخرى إلى مجاهد [14] وأبو نعيم هو الفضل بن دكين. فالإِسناد صحيح.

الوجه الثالث: أنها اسم من أسماء القرآن.

قال عبد الرزاق الصنعاني: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {الم}قال: اسم من أسماء القرآن[15] رجاله ثقات وإسناده صحيح، وأخرجه الطبري[16] وابن أبي حاتم[17] من طريق الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق به.

الوجه الرابع: أنها اسم من أسماء اللّه.

قال البيهقي: وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، ثنا دعلج بن أحمد، ثنا محمد بن سليمان، حدثنا عبيد اللّه بن موسى، ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن السدي قال: فواتح السور من أسماء الله عز وجل[18]وإسناده صحيح إلى السدي- وهو الكبير- فرجاله ثقات إلى السدي إلا محمد بن سليمان وهو ابن الحارث الباغندي اختلف فيه [19] ولكن قد روي من طرق أخرى إلى السدي[20]

سورة البقرة 2

قوله تعالى {ذلِكَ اْلْكِتَابُ}

قال الطبري: حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا ابن علية قال: أخبرنا خالد الحذاء عن عكرمة قال: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} هذا الكتاب[21] وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي سعيد الأشج عن ابن علية به[22].

وإسناده صحيح تقدم، وقد روي عن مجاهد والسدي وابن جريج نحوه[23] واستنادا على هذه الرواية يكون معنى الكتاب: القرآن لأن الإِشارة إليه، واختصاص ذلك بالإشارة للبعيد حكم عرفي لا وضعي، فإن العرب تعارض بين اسمي الإشارة، فيستعملون كلا منهما مكان الآخر، وهذا معروف في كلامهم، وفي التنزيل من ذلك آيات كثيرة. ومن جرى على أن ذلك إشارة للبعيد يقول: إنها صحت الإشارة بذلك، هنا إلى ما ليس ببعيد، لتعظيم المشار إليه، ذهابا إلى بعد درجته وعلو مرتبته ومنزلته في الهداية والشرف[24]

قوله تعالى{لا رَيْبَ فِيهِ}

قال عبد الرزاق الصنعاني: أخبرنا معمر عن قتادة {لا رَيْبَ فِيهِ} يقول: لاشك فيه[25].

ورجاله ثقات وإسناده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق به[26]

قال ابن أبى حاتم الرازي: ولا أعلم في هذا الحرف اختلافا بين الَمفسرين، منهم: ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وأبو العالية،والربيع بن أنس وقتادة، ومقاتل بن حيان، والسدي، وإسماعيل بن أبي خالد[27].

قوله تعالى {هُدَىً}

قال الطبري: حدثني أحمد بن حازم الغماري قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن بيان، عن الشعبي: {هُدَىً} قال: هدى من الضلالة[28] وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبيه عن أبي نعيم وعيسى بن جعفر عن سفيان، ومن طريق عبد الرزاق عن الثوري به[29] وسفيان هو الثوري وبيان هو ابن بشر الأحمسي، وأبو نعيم هو الفضل بن دكين. وإسناده صحيح.

قوله تعالى{لِلْمُتَّقِينَ}

قال ابن ماجه: حدثنا هشام بن عمار، ثنا يحيى بن حمزة، ثنا زيد بن واقد، ثنا مغيث بن سمي عن عبد الله بن عمرو، قال: قيل لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل ؟ قال: كل مخموم القلب، صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد[30]

قال البوصيري: هذا إسناد صحيح رواه البيهقي في سننه من هذا الوجه [31]. وصححه أيضاً الشيخ الألباني[32].

قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى أنبأ أبوغسان محمد بن عمرو زنيج، ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال فيما حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يقول الله سبحانه وبحمده  {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} أي الذين يحذرون من اللّه عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته بالتصديق  بما جاء منه[33]. وإسناده حسن تقدم.

قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا العباس بن الوليد ثنا يزيد بن زريع حدثني سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} من هم؟ نعتهم الله فأثبت نعتهم ووصفهم[34]. وإسناده صحيح تقدم.

وقد عدد اللّه تعالى أصنافا من المتقين في قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}[35].

سورة البقرة 3

قوله تعالى{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}

وقال سعيد بن منصور حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال كنا عند عبد الله بن مسعود جلوساً فذكرنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما سبقونا به فقال عبد الله: إن أمر محمد كان بيّناً لمن رآه والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيماناً أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} - إلى قوله - {الْمُفْلِحُونَ}[36]

قال الدارمي: أخبرنا أبو المغيرة قال: ثنا الأوزاعي ثنا أسيد بن عبد الرحمن، عن خالد بن دريك، عن ابن محيريز قالت: قلت لأبي جمعة رجل من الصحابة: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم، أحدثك حديثا جيدا، تغدينا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم  ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول اللّه، أحد خير منا؟ أسلمنا وجاهدنا معك، قال "نعم، قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني "[37]

وأخرجه ابن أبي حاتم[38] ، وابن مردوية[39] والحاكم وصححه ووافقه الذهبي [40] وأخرجه الواحدي [41]، كلهم من طريق الأعمش به.

قال الطبري: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زرِّ قال: {بِالْغَيْب}: القرآن[42] وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي سعيد الأشج عن أبي أحمد الزبيري به[43] . وإسناده حسن وعاصم هو ابن بهدلة بن أبي النجود معروف بالرواية عن زر بن حبيش وبرواية الثوري وابن عيينة عنه[44]

وقال الطبري: حدثنا بشر بن معاد العقدي، قال: حدثنا لزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب}، قال: آمنوا بالجنة والنار، والبعث بعد الموت، وبيوم القَيامة، وكل هذا غيب[45] وإسناده حسن.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، ثنا صفوان، ثنا الوليد، ثنا عثمان بن الأسود، عن عطاء بن أبي وباح في قول اللّه عز وجل {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب} فقال: من آمن باللّه فقد آمن بالغيب[46]

وصفوان هو ابن صالح معروف بالروايه عن الوليد بن مسلم وبرواية أبي زرعة الرازي عنه[47] ورجاله نّقات وإسناده صحيح.

وقال أيضا: حدثنا أبي، ثنا شهاب بن عباد، ثنا إبراهيم بن حميد عن إسماعيل بن أبي خالد {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب} قال: بغيب الإسلام[48]

وإسناده صحيح.

وذكر ابن كثير هذه الأقوال ثم قال: فكل هذه متقاربة في معنى واحد لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به[49]

قال مسلم في صحيحه: حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا وكيع عن كهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، وحدثنا عبيد اللّه بن معاذ العنبري، وهذا حديثه: حدثنا أبي. حدثنا كهمس عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول اللّه فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي. فقلت: أبا عبد الرحمن ! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر. وأن الأمر أنف. قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني. والذي يحلف به عبد الله بن عمر! لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شد يد سواد الشعر. لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد. حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه. ووضع كفيه على فخذيه. وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" قال: صدقت، فعجبنا له، يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإِيمان، قال: "أن تؤمن باللّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإِحسان، قال: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". قال: فأخبرني عن الساعة قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل " قال: فأخبرني عن أمارتها، قال: "أن تلد الأمة ربتها. وأن ترى الحفاة العراة، العالة، رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان قال ثم انطلق، فلبثت مليا، ثم قال لي: "يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: اللّه ورسوله أعلم، قال: جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم"[50]

وأخرجه البغوي من طريق يزيد بن هارون عن كهمس به ثم نقل عن الفراء أنه قال: فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الإسلام في هذا الحديث اسما لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإِيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإِسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد ، وجماعها الدين ولذلك قال: "ذلك جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم ". ثم ساق حديثا صحيحاً ليدلل على أن الأعمال من الإيمان[51]

قال الطبري: حدثني محمد بن عمرو بن العباس، الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، قال: حدثنا عيسى بن ميمون المكي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين وآيتان في نعت الكافرين وثلاث عشرة في المنافقين[52] ورجاله ثقات وإسناده صحيح تقدم وأخرجه الثوري بلفظه[53] وأخرجه آدم في تفسيره عن ورقاء عن ابن أبي نجيح به[54]. وأخرجه الواحدي من طريق شبل عن ابن أبي نجيح به[55]

قوله تعالى {وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ}

قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى، أنبأ أبو غسان محمد بن عمرو زنيج، ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: فيما حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرعن ابن عباس: يقول الله سبحانه وبحمده {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ} يقيمون الصلاة بفرضها[56] وإسناده حسن تقدم.

قوله تعالى{وَممَّا رَزَقنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}

وبالإسناد الحسن المتقدم الذي رواه ابن أبي حاتم إلى ابن عباس {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}يؤتون الزكاة احتسابا بها[57]

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى أنبأ العباس بن الوليد ثنا يزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}، فأنفقوا مما أعطاكم اللّه، فإنما هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم أوشكت أن تفارقها[58] ورجاله ثقات وإسناده صحيح.

وقال الطبري: حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} قال: زكاة أموا لهم[59] وسنده حسن.

سورة البقرة 4

قوله تعالى {وآلَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِمَاَ أُنزِلَ إلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ من قَبْلِكَ} روى الطبري[60] وابن أبي حاتم[61] بالإِسناد المتقدم عن ابن إسحاق... عن ابن عباس {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} أي يصدقونك بما جئت من اللّه وما جاء به من قبلك من المرسلين ، لا يفرقون بينهم ولا يجحدون بما جاؤهم به من ربهم.

وروى ابن أبي حاتم بالإسناد المتقدم عن قتادة قوله {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} فآمنوا بالفرقان وبالكتب التي قد خلت قبله من التوراة والزبور و الإِنجيل[62]

قوله تعالى {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}

قال عبد الرحمن بن يزيد بن رستة الحافظ في كتاب (الإيمان): ثنا أبو زهير عبد الرحمن بن مغراء، أخبرنا الأعمش، عن أبي ظبيان ح ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان عن علقمة عن عبداللّه قال: الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله.

رواه الحافظ ابن حجر بإسناده إلى ابن رستة به، ثم قال: وهذا موقوف صحيح[63] وصححه العيني[64]

وأخرجه ابن أبي خيثمة في التاريخ[65] والحاكم كلاهما من، طريق الأعمش به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي[66]

روى الطبري وابن أبي حاتم بالإسناد الحسن المتقدم إلى ابن عباس {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} أي: بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، أي لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان قبلك ويكفرون بما جاءك من ربك[67]

سورة البقرة 5

قوله تعالى {أُولَئِكَ عَلى هُدىً مِن رَّبِهمْ}

روى الطبري وابن أبي حاتم بالإسناد الحسن المتقدم إلى ابن عباس قال: {أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ} أي على نور من ربهم، واستقامة على ما جاءهم[68]

قوله تعالى{وأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}

روى الطبري وابن أبي حاتم بالإسناد الحسن المتقدم إلى ابن عباس: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا[69]

قال ابن أبي حاتم: أخبرنا موسى بن هارون الطوسي فيما كتب إلي ثنا الحسن بن محمد المروذي، ثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة {أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} قال: قوم استحقوا الهدى والفلاح بحق، فأحقه اللّه لهم، وهذا نعت أهل الإيمان[70]

ورجاله ثقات وإسناده.

سورة البقرة 6

قوله تعالى{إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}

أخرج الطبر ي بسنده عن طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله جل ثناؤه أنه لا يؤمن إلا من سبق له من اللّه السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول[71].

وإسناده حسن.

وروى الطبري[72] وابن أبي حاتم[73] بالإِسناد الحسن المتقدم عن محمد ابن إسحاق.... عن ابن عباس {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي بما أنزل إليك وإن قالوا: إنا قد آمنا بما جاءنا من قبلك،ِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} أي أنهم قدكَفروا بما عندهم من ذكرك وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم مما جاءهم غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارا وتحذيرا، وقد كفروا بما عندهم من علمك.

سورة البقرة 7

قوله تعالى{خَتَم اللّه عَلَى قُلُوبِهِمْ}

أخرج مسلم بسنده عن حذيفة، قال " كنا عند عمر. فقال: أيكم سمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم  يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟قالوا: أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة. ولكن أيكم سمع النبي-صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا، قال: أنت، لله أبوك! قال حذيفة:

سمعت رسوله اللّه صلى الله عليه وسلم يقول "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا؟ فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكته بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة مادامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا [74]، كالكوز مُجَخِّيا [75] لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه " قال حذيفة: وحدثته، أن بينك وبينها بابا مغلقا يوشك أن يكسر. قال عمر: أكسراً، لا أبالك! فلو أنه فتح لعله كان يعاد. قلت: لا. بل يكسر. وحدثته، أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت. حديثا ليس بالأغاليط. قال أبو خالد: فقلت لسعد: يا أبا مالك! ما أسود مربادا؟ قال: شدة البياض في سواد. قال، قلت: فما الكوز مجخيا ؟ قال: منكوسا[76].

وذكره ابن كثير في التفسير مختصرا[77]

قال الإمام أحمد: حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، و إن زاد زادت، حتى يعلو قلبه ذلك الرين الذي ذكر اللّه عز وجل في القرآن: {كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}[78]

أخرجه الترمذي[79] وابن ماجة[80] من طريق محمد بن عجلان به، وقال الترمذي حسن صحيح، وأخرجه الطبري[81] والحاكم[82] من طريق صفوان بن عيسى به، وصححه الحاكم وسكت عنه الذهبي، وصححه الألباني[83] وأحمد شاكر[84].

وقال الطبري: فأخبر صلى الله عليه وسلم  أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل اللّه عز وجل والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر منها مخلص، فذلك هو الطبع. والختم الذي ذكره الله تبارك وتعالى في قوله: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِم}، نظير الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف، التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف اللّه أنه ختم على قلوبهم، إلا بعد فضه خاتمه وحله رباطه عنها[85]

وأخرج الطبري[86] وابن أبي حاتم[87] بإسناديهما عن محمد بن إسحاق بسنده الحسن عن ابن عباس {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} أي عن الهدى أن يصيبوه أبدا بغير ما كذبوك به من الحق الذي جاءك من ربك، حتى يؤمنوا به، وإن آمنوا بكل ما كان قبلك.

وأخرج ابن أبي حاتم بالإسناد الصحيح من طريق شيبان عن قتادة قال: استحوذ عليهم الشيطان إذا أطاعوه فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة فهم لا يبصرون هدى ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون[88].

قوله تعالى {وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أبْصَارِهِمْ}

قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله: لا يخفى أن الواو في قوله: {وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ} محتملة في الحرفين أن تكون عاطفة على ما قبلها، وأن تكون استئنافية. ولم يبين ذلك هنا، ولكن بين في موضع آخر أن قوله {وَعَلَى سَمْعِهِمْ}  معطوف على قوله {عَلَى قُلُوبِهِمْ} وأن قوله {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ} استئناف والجار والمجرور خبر المبتدأ الذي هو{غِشَاوَةٌ} وسوغ الابتداء بالنكرة فيه اعتمادهما على الجار والمجرور قبلها. ولذلك يجب تقديم هذا الخبر، لأنه هو الذي سوغ الابتداء بالمبتدأ.... فتحصل أن الختم على القلوب والأسماع، وأن الغشاوة على الأبصار وذلك في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً}[89] . فإن قيل: قد يكون الطبع على الأبصار أيضا. كما في قوله تعالى في سورة النحل