طباعة

 توثيق النص

 

 

 

مُعْطِيَةُ الأمَان مِن حِنْثِ الأيمان

تأليف: عبد الحي ابن العماد الحنبلي

حقَّقَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ: الدكتور عبد الكريم بن صنُيْتَان العمري

أستاذ مشارك بكلية الشريعة

بالجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة

 

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسّلم تسليما كثيرا.

أما بعد: فإنّ مذهب الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - يعتبر من أكثر المذاهب الفقهية التيِ خُدِمت في مجال التأليف والتصنيف، فلقد اعتنى الحنابلة بمذهبهم عنايةً فائقة، وأوْلَوه اهتماماً خاصاً وفريداً في هذا الشأن، ابتداءً من تلاميذ الإمام الذين دوّنوا عنه كثيراً من المسائل الفقهية التي أخذوها عنه مباشرة، فأفردوها بمصنفات مستقلة عرفت بـ (المسائل)، حتى وصلت إلينا مهذبة منقحة، كمسائل ولديه عبد الله وصالح، ومسائل أبي داود، وابن هانئ وغيرهم، ثم دوَّن المجتهدون في المذهب- بعد ذلك- مصنفاتٍ أخرى مستقلة على طريقة الفقهاء، شملتْ جميع أبواب الفقه، وذلك بذكر أقوال الإمام في المسألة، ونقل الروايات المتعددة عنه، وذكر الصحيح المعتمد منها، مع النص على أقوال مجتهدي المذهب في بقية المسائل الأخرى التي لم يُنقل فيها عن الإمام قول.

فكان نتيجة لذلك أن دوّنت في المذهب المصنفاتِ المطولةَ والمختصرةَ على اختلاف طريقتها، فمنها ما اقتصر فيه مصنفوه على ذكر الأقوال وأدلتها في المذهب فقط، ومنها ما شمل غيرَه من المذاهب الفقهية الأخرى، مع الإشارة إلى أقوال الصحابة والتابعين وغيرهم من الفقهاء المبرّزين.

فكثُرت المصنفات في مذهب الحنابلة وتفاوتت بين الاختصار والتوسع ابتداءً من زمن الإمام أحمد- رحمه الله- إلى يومنا هذا.

واشتهرتْ مصنفاتهم ونالت قَصَبَ السَّبْقِ، واحتلت مكانة مرموقةً بين كتب المذاهب الأخرى كمؤلفات ابن قدامة رحمه الله تعالى، ومؤلفات شيخ الإسلام ابن تيميه، وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى.

لذلك اهتم علماءُ الحنابلةِ بمؤلفات متقدميهم، وعملوا على نشرِها وإظهارِها، وتقديمها للقارئ للاستفادة منها، والاعتماد عليها في معرفة أقوال الإمام، والنظرِ في آراء مجتهدي المذهب في كثيرٍ من المسائل التي يحتاج إليها الباحث.

وكان من بين متأخّري فقهاء الحنابلة الذين أسهموا إسهاما بـارزاً في تدوين فقه الإمـام أحمد- رحمه الله تعالى- الفقيه والمؤرخ الشهير عبد الحي بن أحمد بن محمد ابن العماد الحنبلي المتوفى سنة (1089هـ)، والذي اشتهر من خلال كتابه (شذرات الذهب).

حيث صنف كتاباً خاصاً في مسائل الأيمان والطلاق، دوّن فيه أهم المسائل الفقهية في هذين البابين، وحرّرها على مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو كتابه هذا الذي أقدمه إليك أيها القارئ الكريم، وعنوانه: (مُعْطِية الأمان من حِنْثِ الأيمان) ولم يقتصر فيه ابن العماد- رحمه الله- على ذكر مذهب الحنابلة فقط، بل أورد فيه أقوال الأئمةِ الثلاثةِ الآخرين، مع ذكر الأدلة في غالب المسائل التي دونها في كتابه هذا، وعرّج على ذكر أقوال الصحابة والتابعين وغيرهم من الفقهاء المشهورين.

وهو كتاب جامع لأهم المسائل الفقهية، والفرعيان الجزئية في كتابي الأيمان والطلاق، حرره ابن العماد بأسلوب سهل، وعبارات جزلة دقيقة، يَسْهُلُ على القارئ فهمها، ويجد فيه الباحث بغيتَه من المسائل المتعلقة بهذين البابين.

لذا أحببت أن أسهم إسهاماً متواضعاً في إخراج هذا الكتاب إلى حيّز الوجود، ليستفيد منه طلاب العلم، وليكون إضافة جديدةً ونافعةً إلى قائمة مصادر كتب الفقه الحنبلي التي تزخر بها المكتبة الإسلامية.

والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقنا حسن النية في القول والعمل، وأن لا يؤاخذنا بزلاتِ اللّسان، وسقطاتِ الكلام، وأن يوفقنا لما فيه الخير والفلاح في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وكتبه أفقر العباد إلى الملك الجوَاد أبو وائل: عبد الكريم بن صنيتان العمري

أستاذ مشارك بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

 

القسم الدراسي

أولاً: دراسة حياة المصنف

ترجمة المصنف

مصادر ترجمته:

- خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر: 2/ 340-341.

- نفحات الأسرار المكية ورشحات الأفكار الذهبية: 61/ ب-63/ أ (خ).

- النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل: 240-249.

- السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة: 192-194.

- إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون: 2/42، 570.

- هدية العارفين، أسماء المؤلفين وآثار المصنفين: 1/508.

- الدر المنضّد في أسماء كتب مذهب الإمام أحمد: 59.

- المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل: 443.

- الفكر السّامي في تاريخ الفقه الإسلامي: 2/ 370.

- مختصر طبقات الحنابلة: 124- ه 12.

- المختصر من كتاب نشر النور والزهر: لعبد الله مرداد 195-196.

- الأعلام: 3/290.

- معجم المؤلفين 5/107.

اسمه ونسبه:

هو العالم، الأديب، المؤرخ، الفقيه، أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد ابن العماد، الدمشقي، العَكْري[1]، الحنبلي[2].

ولادته ونشأته العلمية:

ولد المصنّف- ابن العماد الحنبلي- بمدينة دمشق، يوم الأربعاء، الثامن من شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وألف من الهجرة النبوية [3].

وكانت دمشق- إذ ذاك- تزخر بأفذاد العلماء، وكبار المشايخ، الذين كان لهم نشاطٌ كبيرٌ في نشر العلوم والمعارف، وذلك بإقامة الحلقات الدراسية في المساجد، والمدارس التي انتشرت بكثرة في تلك الفترة.

فنشأ المصنف وترعرع بها، وأولع بطلب العلم منذ صغره، فابتدأ بحفظ القرآن الكريم، ثم شمَّر عن ساعد الجد والاجتهاد، وانخرط في تلك المدارس، فلازم كبار علماء دمشق واستفاد منهم، وقرأ عليهم الفقه وغيره[4]. ولمَّا نبغ وارتوى عُودُه، أجازه كبار علماء دمشق، ثم واصل مسيرته العلمية، فرحل إلى القاهرة[5]، وأقام بها، وأخذ عن أبرز مشايخها، ولما رأى في نفسه القدرة على الجلوس مجالس العلماء، وإمكان بثه للعلم ونشره له، بدأ في ذلك، فأنشأ لنفسه حلقاتٍ علميةً دَرَّسَ فيها أنواع العلوم من فقه، ونحو، وصرف، وغير ذلك، فعمد إليه الطلبة من كل مكان، ولازموه واستفادوا منه، وكان لا يمل ولا يفتر من المذاكرة والاشتغال بالتدريس والتعليم.

وبالإِضافة إلى انشغاله بالتدريس، كان يقوم بنسخِ الكثير من الكتب العلمية المفيدة بخطه، الذي وصفه معاصروه بأنه كان خطاً جميلاً بديعاً.

يقول عنه تلميذه المحبي: [6]

"وكتب الكثير بخطه الحسن المضبوط، وكان خطّه حسناً بيّن الضبط حلو الأسلوب".

وكان المصنف- أيضاً - من الأدباء البارزين في ذلك الوقت، وكان يميل  إلى نظم الشعر، ونسب إليه بعض الأبيات[7].

وبالجملة فقد كان يتمتع بذاكرةٍ عجيبة- كما وصفه معاصروه- وفِكرٍ وقَّاد، وكان شخصيةً علميةً شهيرة، واستطاع- بما وهبه الله من ذكاء - أن يظهر نفسه في ذلك الوقت، وأن يكون من الأعلام البارزين الموصوفين بالذكاء والفطنة، والقدرة الفائقة على التحرير والتصنيف والكتابة، ويتضح ذلك كله من خلال قراءة مصنفاته وآثاره العلمية.

شيوخـه:

1- أحمد بن أحمد بن سلامة القليوبي، الشافعي، أشهر فقهاء الشافعية في القرن الحادي عشر، كان عارفاً بالميقات، والحساب، والطب، وله العديد من المصنفات، منها: (مناسك الحج -خ)[8]، و (الهداية من الضلالة في معرفة الوقت والقبلة من غير آلة- ط)، (التذكرة في الطب)، النبذة اللطيفة في بيان مقاصد الحجاز ومعالمه الشريفة) وغير ذلك، مات سنة (1069هـ) وقيل غير ذلك .[9]

 2- أيوب بن أحمد بن أيوب الحنفي، الخلوتي، الصالحي، ولد بدمشق سنة (994 هـ) واشتغل بأنواع العلوم، ومات بدمشق سنة (1071 هـ)[10].

3- رجب بن حسين بن علوان الحموي، الشافعي، كان متمكناً في العلوم الرياضية كالحساب والفلك، ماهراً بالفرائض، مات بدمشق سنة (1087 هـ)[11].

4- سلطان بن أحمد بن سلامة المزاحي، الأزهري، الشافعي، من كبار الفقهاء والقراء، وكان عابداً ورعاً، ولد سنة (985هـ)، صنّف الكثير من الكتب، منها: (حاشية على شرح المنهج)، (مؤلف في القراءات)، مات بالقاهرة سنة (1075 هـ)[12].

5- عبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر البعلي، الأزهري، الحنبلي، مفتي الحنابلة بدمشق، كان عالماً بالفقه والحديث والقراءات، ولد سنة (1005هـ)، من مصنفاته: (العين والأثر في عقائد أهل الأثر)، (رياض أهل الجنة في آثار أهل السنة)، (شرح صحيح البخاري) وغير ذلك، مات بدمشق سنة 1071هـ)[13].

6- علي بن إبراهيم بن علي القبردي، أبو الحـسن الصـالحي الدمشقي الـشافعي، ولـد سنة (984 هـ)، أحد العلماء المشهورين المحققين في شتى الفنون، تولى التدريس والإفتاء بالجامع الأموي بدمشق، وكُفَّ بصرهُ في آخر حياته، ومات سنـة (1060هـ).[14]

7- علي بن علي، نـور الدين الشّبْرامَلّسي. الشـافعي، من فقـهاء الشافعية بمصـر، ولد سنة (997 هـ)، كان دقيق الفهم، جيّد النظر، له العديد من المصنفات منها: (حاشية على نهاية المحتاج)[15]، (حاشية على شرح الورقات) في أصول الفقه، (حاشية على المواهب اللدنية للقسطلاني)، مات بالقاهرة سنة (1087 هـ)[16].

8- محمد بن بدر الدين بن عبد القادر بن محمد، أبو عبد الله شمس الدينِ البلباني، البعلي، الحنبلي، أحد كبار فقهاء الحنابلة بالشام، كان عابداً زاهداً، يدرس الفقه على المذاهب الأربعة، له العديد من المصنفات، منها: (كافي المبتدئ من الطلاب) مطبوع مع شرحه (الروض النّدي)، و(أخصر المختصرات) مطبوع مع شرحه (كشف المخدرات) و (عقيدة التوحيد)، و(بغية المستفيد في التجويد) مات بدمشق سنة (1083 هـ)[17].

9- محمد بن علاء الدين البابلي، شمس الدين الشافعي، أحد الأعلام في الحديث والفقه، وهو من أحفظ أهل عصره لمتون الأحاديث، ومن أعرف الناس بالجرح والتعديل وكان زاهداً ورعاً، من مصنفاته: (الجهاد وفضائله)، مات بالقاهرة سنة (1077 هـ)[18].

10- محمد بن كمال الدين بن محمد بن حسين الحنفي، من علماء التفسير، والحديث، والأدب، كان عارفاً بفقه الحنفية، من مصنفاته: (حاشية على شرح الألفية لابن الناظم)، (التحريرات على الهداية)، (البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف- ط)، مات بدمشق سنة (1085 هـ)[19].

تلاميذه:

لم يذكر المترجمون له عدد تلاميذه، ولا أسماءهم، مما دعاني إلى القيام بقراءة واستقراء لتراجم المعاصرين له، واللاحقين بعده، فاستعرضت كتب التراجم للفترة التي عاش بها، ومصنفات القرن الثاني عشر التي اهتمت بالحوادث التاريخية وتدوين سيرة العلماء والمبرزين في تلك الفترة الزمنية، فكان أن خَرجتُ بأسماءِ عددٍ من تلاميذه، وهم:

1- إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن عبد الكريم السّفَرْجلاني، الشافعي، ولد سنة (1055 هـ)، كان أديباً شاعراً، برع في الرياضيات، وله ديوان شعر، مات بدمشق سنة (1112 هـ)[20].

2- سَعْدِي بن عبد الرحمن بن محمد الحنفي، الدمشقي، محدّث من أهل الشام، كان ماهراً بالفرائض، عارفا بعلم الهندسة، والحساب، والمساحة، مات بدمشق سنة (1132 هـ)[21].

3- عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الذهبي، الدمشقي، المعروف بابن شاشة، أديب من أهل دمشق، من مصنفاته: (نفحات الأسرار المكية ورشحات الأفكار الذهبية) و(الفوائد المكية والروائح المسكية) ولكلٍ منهما نسخة في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة، مات بدمشق سنة (1128هـ) [22].

4-  عبد الرحيـم بن مصطفى بن أحمد الشافعي الدمشقي، له عناية بالتاريخ والتراجم، وكان خطيباً واعظاً، له كتاب (المنتخب) اختصر به كتاب شيخه (شذرات الذهـب)، مات بدمشـق سنة  (1160 هـ) [23].

5- عثمان بن أحمد بن سعيد بن عثمان النجدي، من فقهاء الحنابلة، ولد في بلدة (العيينة) قرب الرياض، ورحل إلى دمشق فأخذ عن علمائها، من مصنفاته: (هداية الراغب في شرح عمدة الطالب- ط)، و(حاشية على منتهى الإيرادات)، (نجاة الخلف في اعتقاد السلف)، ( قطع النزاع في تحريم الرضاع خ) [24]، مات بالقاهرة سنة (1097هـ) [25].

6- عبد القادر بن أحمد بن علي بن ميمي البصري، الحنفي، كان فقيهاً، أديباً، فاضلاً، من مصنفاته: (يتيمة العصر في المدّ والجزع) و (رسالة في المنطق)، وأخرى في (العروض)، مات بالبصرة سنة (1085 هـ) [26].

7- محمد أمين بن فضل الله بن محب الله المحبّي، الحموي، الحنفي، المؤرخ الشهير، ولد بدمشق سنة (1061هـ)، وقرأ على علمائها، وبرع في فنونٍ كثيرة، واعتنى بتراجم أهل عصره، فصنف كتابه: (خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر )، وله أيضاً: (نفحة الريحانة) خصصه لتراجم الأدباء، (قصد السبيل بما في اللغة من الدخيل) و(الأمثال) وغير ذلك [27].

وقد تتلمذ على المصنف، وقال في أثناء ترجمته له[28]: وكنتُ فيِ عنفوان عمري تلمذتُ له، وأخذتُ عنه، وكنتُ أرى لُقيته فائدةً أكتسبها، وجملة فخرٍ لا أتعداها، فلزمتُه حتى قرأتُ عليه الصّرف والحساب، وكان يتحفني بفوائد جليلة، ويلقيها عليَّ.…

8- مصطفى بن فتح الله الشافعي، الحموي، المكي، مؤرّخ، أديب، من مصنفاته: (فوائد الارتحال ونتائج السفر، في أخبار أهل القرن الحادي عشر-خ)، ثلاثة مجلدات في دار الكتب المصرية، مات باليمن سنة (1123هـ)[29].

9- فضل الله بن علي بن محمد بنش محمد الأسطواني، الحنفي، كان رئيس الكُتّاب في المحكمة الكبرى، وعاش سخياً، متنعماً، وجمع من نفائس الكتب ما لم يجتمع عند أحدٍ من أبناء عصره، مات سنة (1100)[30].

10- يونس بن أحمد المحلي، الأزهري، الشافعي، فقيه اشتهر بقوة الحفظ، وطلاقة العبارة، والاستحضار التام، ولد بالمحلة الكبرى بمصر سنة (1029هـ)، وأخذ عن علمائها، ثم التحق بالأزهر، ورحل من ثَمّ إلى دمشق، وأخذ بها عن المصنف وعن غيره، ودرّس الحديث في الجامع الأموي بها، مات سنة (1120هـ) بدمشق[31].

كما أن الناسخ لنسخة (أ) وهو: محمد بن أحمد المحيوي الحنبلي، قد ذكر في آخر النسخة أنه تلميذٌ للمصنف، حيث قال: "تأليف شيخنا العلامة أبي الفلاح عبد الحي بن أحمد ابن العماد"، ولم أقف على ترجمة له.

مصنفاته:

لعلَّ أولَ مصدرٍ تاريخيٍ يخطر ببال أي باحث عند إرادته معرفةَ تاريخ حادثةٍ من الحوادث، أو ترجمة علم من الأعلام، هو ذلك المصدر التاريخي الشهير (شذرات الذهب) الذي ارتبط ارتباطاً وثيقاً باسم مؤلفه ابن العماد الحنبلي، ولا يخفى على أحدٍ أهمية هذا المصدر التاريخي، الذي يعد موسوعة تاريخية حافلة، اشتملتْ على أهم الحوادث والوفيات التي وقعت خلال القرون العشرة الأولى من الهجرة النبوية.

وهذا المصدر الضخم بمجلداته العشرة هو أبرز وأهم مصنفات أبي الفلاح ابن العماد الحنبلي، ولو لم يكن له إلا هذا الكتاب لكفى.

وقد نُسِبَ إليه مصنفاتٌ أخرى، لا يزال بعضُها مخطوطاً، في حين لا يعرف شيء عن بقيةِ مصنفاتِه سوى أسماء عناوينها، وفيما يلي بيان لمصنفات ابن العماد وأماكن وجودها:

1- أسباب الخلاص بسورة الإِخلاص.

اطلعت على نسختين له:

الأولى: محفوظة بمركز الملك فيصل بالرياض ضمن مجموع رقمه (2865/13)، وعدد أوراقها ست عشرة ورقة من (129 -144) [32].

والثانية: في دار الكتب المصرية بالقاهرة، تحت رقم (19952 ب)، في ثلاث عشرة ورقة [33].

2- بغية أولي النهي في شرح المنتهى[34].

وهو شرح لمتن (منتهى الإرادات) في الفقه الحنبلي لمؤلفه تقي الدين محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي، الشهير بابن النّجار (ت 672 هـ)[35].

وقد نسب هذا الشرحَ- للمصنف- المحبّي[36]، وابن حميد[37]، وإسماعيل باشا[38]، والثعالبي[39]، والزركلي[40]، وكحالة [41].

3- ثبت[42].

ذكر فيه مشايخه الذين لقيهم وروى عنهم.

4- حاشية على أنوار التنزيل.

وهي حاشية كتبها على تفسير سورة (يس) من تفسير القاضي عبد الله بن عمر بن محمد البيضاوي (ت 685 هـ) المسمى بـ (أنوار التنزيل وأسرار التأويل)[43].

وقد سمَّى هذه الحاشية بـ (نزهة العماد)، وفرغ من تأليفها سنة خمس وستين وألف للهجرة كما ذكر ذلك في مقدمته لهذه الحاشية.

وهي تقع في (49) ورقة، في كل ورقة (23) سطراً، كتبتْ بخط نسخ دقيق، محفوظة بالمكتبة الظاهرية بدمشق، تحت رقم (5542- علوم القرآن )[44].

ه- رسائل وتحريرات.

في موضوعات ومسائل مختلفة[45].

6- شذرات الذهب في أخبار من ذهب[46].

وهو أشهر مصنفاته، وأشهر من أن يُعرّفَ به، وقد ذكر فيه ما وقع من الحوادث المختلفة المشهورة، وتراجم الأعيان ووفياتهم، مرتباً على السنين حسب الوفيات لا على الأسماء، ابتدأ فيه من الهجرة إلى سنة (1000هـ) منها، وقد ذكر في مقدمته الهدف من تأليفه، فقال: [47]"... أردتُ أن أجعله دفتراً جامعاً لوفيات أعيان الرجال، وبعض ما اشتملوا عليه من المآثر والسّجايا والخلال، فإنّ حِفْظَ التاريخ أمر مُهِمُّ، ونفعه من الديّن بالضرورة عُلِمَ، لاسيما وفيات المُحدّثين والمتحَمّلين لأحاديث سيّد المرسلين، فإنّ معرفة السّنَدِ لا تتم إلا بمعرفة الرواة، وأجَلُّ ما فيها تحفظُ السّيرةَ والوفاة".

هذا وقد طُبع الكتاب طبعاتٍ كثيرةً، غير أنّ الكتاب لم يسلم من الأخطاء، والتحريفات، والتصحيفات، حتى قام- أخيراً- الأستاذ محمود الأرناؤوط بتحقيق الكتاب تحقيقاً علمياً، وعلقّ عليه، ووثّق التراجم الواردة من مصادرها، وقام والده الشيخ عبد القادر بتخريج الأحاديث الواردة في الكتاب، فخرج هذا المصدر الهام في عشرة أجزاء بطبعة منقحة، وإخراج جيّدٍ له.

7- شرح بديعية ابن حجة [48].

   وهذه البديعية لناظمها أبي بكر بن علي بن عبد الله الحموي، الشهير بتقي الدين ابن حِجَّة (ت 837 هـ)[49].

ولشرح المصنّف عدة نسخ خطية، منها:

1- نسخة بدار الكتب القطرية، بقلم محمد قناوي الأزهري، وهي نسخة جيّدة بقلم معتاد، في سبع وثلاثين ورقة، بمعدل أربعة وعشرين سطراً في الصفحة الواحدة، محفوظة تحت رقم (257) بالدار المذكورة بالدوحة [50].

       2- نسخة بدار الكتب الظاهرية، تحت رقم (8772)[51].

8- شرح[52] على (غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى).

من تأليف العلامة مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي، (ت 1033هـ)[53].

قال ابن بدران في المدخل[54]: "وقد تصدّى لشرحه- أي غاية المنتهى- العلامة الفقيه الأديب أبو الفلاح عبد الحي بن محمد ابن العماد، فشرحه شرحاً لطيفاً دلّ على فقهه وجودة قلمه لكنه لم يتمه".

  وقد ذكر البعض[55] أن المصنف- ابن العماد- شَرَحَ (غاية المنتهى) للشيخ مرعي، وذكر آخرون أنه إنما شَرَحَ (منتهى الإِرادات) لابن النجار.

قلت: لا يمنع أن يكون قد شرح الكتابين. والله أعلم.

9- معطية الأمان من حِنث الأيمان.

وهو هذا الكتاب المحقق، وسيأتي الكلام عليه فيما بعد إن شاء الله تعالى[56].

وفـاته:[57]

في سنة (1089هـ) قصد المصنف مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، وبعد أن قضى تفثَه، وأتَّم مناسكَ حجه، وشارك الحجاجَ في أداء هذه الشعيرة العظيمة، أقام بمكة يلتمس شيئاً من الراحة، فأتاه اليقين، وطواه الموت، فرحل العَلَمُ الذي دوّن حياةَ الأعلام، وسجّل التاريخ الحافل بأشهر الوقائع والأيام، وسَطَّرَ بمداد قلمه انتصاراتِ هذه الأمة، وتغلبها على أعدائها في الخطوب المدلهمّة.

وكانت وفاته في اليوم السادس عشر من شهر ذي الحجة سنة تسع وثمانين وألف من الهجرة النبوية، وكان عمره عند موته سبعاً وخمسين سنة، وخمسة أشهر، وثمانية أيام، ودفن بمقبرة المَعلاة بالحجون في مكة المكرمة، رحمنا الله وإياه رحمة واسعة.

ثناء العلماء عليه:

أثنى المترجمون للمصنف من المؤرخين وغيرهم عليه، وأبرزوا شخصية ابن العماد العلمية، كواحدٍ من أبرز الرجال الذين قدّموا للأجيال اللاحقة بعده عملاً علمياً استحق عليه الإشادة والثناء والتقدير.

يقول عنه تلميذه المحبّي[58]: "الشيخ، العالم، الهمام، المصنّف، الأديب، المتفنّن، الطرفة، الإخباري، العجيب الشأن في التجولِ في المذاكرة، ومداخلة الأعيان، والتمتع بالخزائن العلمية، وتقييد الشوارد من كلِ فنّ، وكل من أدأب الناس، وأعرفهم بالفنون المتكاثرة، وأغزرهم إحاطةً بالآثار، وأجودهم مساجلة، وأقدرهم على الكتابة والتحرير".

وقال الغزّي:[59]

"انتفع به كثير من أبناء عصره، وكان لا يمل ولا يفتر من المذاكرة والاشتغال، وكَتَبَ الكثيرَ بخطه الحسن المضبوط، وكان خطه حسناً بيّن الضبط، حلو الأسلوب والتناسب".

وقال تلميذه عبد الرحمن الذهبي:[60]

"أحيا فقه ابن حنبل، وأتقن الحديث، وأحسن الرواية والتحديث، وكان معرضاً عن موجبات القيل والقال، إلا أنه كالشمّس لا يخفى".

وقال عنه ابن بدران:[61]

"وقد تصدّى لشرح كتاب (غاية المنتهى) العلامة، الفقيه، الأديب، أبو الفلاح عبد الحي بن محمد ابن العماد، فشرحه شرحاً لطيفاً، دل على فقهه وجودة قلمه".

وقال الثعالبي:[62]

"العالم، الهمام، المصنّف، الأديب، المتفنّن، الإخباري، أعرف من كان في عصره بالفنون المتكاثرة".

 

ثانياً: دراسة الكتاب

نسبة الكتاب إلى المصنّف

هذا الكتاب المُحقّق، والمسمّى بـ [معطية الأمان من حِنث الأيمان]، هو أحد مصنفات العلامة الفقيه المؤرخ عبد الحي بن أحمد ابن العماد الحنبلي، ونسبة هذا الكتاب إليه ثابتة، لا يتطرق إليها أقل احتمال، ولا يعتريها أدنى شك، فنسبته إليه مؤكدة كنسبة كتاب (الشذرات) إليه.

وقد أثبت عنوان الكتاب منسوباً إلى المصنف على غلاف النسخ الثلاث هكذا: [كتاب معطية الأمان من حنث الأيمان، تأليف الفقير إلى الله تعالى أبي الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد ابن العماد غفر الله تعالى له].

كما أثبته المصنّف في آخر كتابه، فنسبه إلى نفسه بقوله: [وكان الفراغ من نسخها على يد مؤلفها الحقير أبي الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد ابن العماد الحنبلي...].

كما نسبه إليه كلّ من:

إسماعيل باشا في: هدية العارفين: 1/508.

والزركلي في: الأعلام: 3/290.

وعمر كحالة في: معجم المؤلفين: 5/107.

وقد ورد عنوان الكتاب منسوباً إلى المصنف بنفس العنوان المثبت أعلاه، إلا أنه ورد في نسخة (ب) زيادة: [هذه رسالة في اختلاف الأئمة الأربعة في الطلاق، تأليف الإمام الشيخ عبد الحي بن أحمد ابن العماد الحنبلي الخلوتي وسماها: معطية الأمان من حنث الأيمان].

موضوع الكتاب

أوضح المصنّف في مقدمته موضوعَ كتابهِ هذا، وأنَّه خاصٌ بمسائل الأيمان والطلاق التي فشت وانتشرت بين النّاس.

يقول رحمه الله: ".... ولما كثر على الألسنة الأيمان والطلاق، جمعتُ من ذلك مسائل مهمَّة في هذه الأوراق... ".

فابتدأ كتابه بمقدمةٍ ذكر فيها أن الحلفَ بالله تعالى، والحِنث فيه يعتري كلاً منهما الأحكام التكليفية الخمسة: الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهة، والحرمة, ثم ذكر حكم تكرار الحلف، والأدلة على حكمه من الكتاب، والسنّة، والآثار، وحكم إبرار المقسِم، والاقتسام بوجه الله تعالى، وحكم إجابة السائل بالله عز وجل.

ثم وضع عنواناً سماه [كتاب الأيمان] ابتدأ فيه بتعريف اليمين، والأصل في مشروعيتها، ومن تصح يمينه، ثم ذكر حروف القسم ومَثّل لها، وكيفية إجابة القَسَم والنيّة عند الحلف، ثم بيّن صيغة اليمين الموجبة للكفّارة.

وأعقب ذلك بعقد (فصلٍ) أوضح فيه حكم الحلف بغير الله تعالى، وأردفه بذكر (فصلٍ) بيَّن فيه حكم تحريم الحلال، ومن حلف بملةٍ غير الإسلام، وأيمان البيعة، ويمين الطلاق، والحلف بالنذر ونحو ذلك.

ثم ذكر شروط وجوب الكفارة، ومثّل لكل شرط، وحكم يمين المكرَه، ثم أتبع ذلك بذكر أحكام الاستثناء في اليمين والطلاق، وشروط صحته، ثم ذكر أمثلة للأيمان المؤقتة بزمن محدّد وأحكامها، ونماذج للحلف على السكنى والخروج ونحو ذلك، وحكم يمين الفور عند الفقهاء.

عَقِبَ ذلك عقد باباً بعنوان [باب جامع الأيمان] بيّن فيه المرجع في الأيمان وألفاظها، والتعريض باليمين، وأمثلة للحلف على الأكل، والشرب، واللبس، والشم ونحو ذلك، وبيّن أقل ما يحنَث به الحالف.

ثم عقد (فصلاً) لبيان أحكام الطلاق: ذكر في مقدمته تعريفه، ومتى يباح ومتى يحرم وحالات وجوبه، ومن يصح طلاقه ومن لا يصح، والتوكيل في الطلاق، وتفويض الطلاق إلى الزوجة، وطلاق السنة والبدعة، وحكم طلاق الثلاث واختلاف الفقهاء فيه، وأطال الكلام على هذه المسألة.

ثم عقد (فصلاً) بيّن فيه ألفاظ صريح الطلاقِ وكنايته وأحكام ذلك كلّه، وحكم تحريم الزوجة، وما يختلف به عدد الطلاق، وما تخالف به المدخول بها غيرها، وتعليق الطلاق بالشروط، ثم ذكر المسأَلة السريجية وما قاله العلماء فيها، وحكم الردة من الزوجين أو من أحدهما.

بعد ذلك عقد (فصلاً) ذكر فيه أحكام كفارة اليمين، والأصل فيها، وبيان خصال الكفارة، ومقدار المخرَج في كلٍ منها وكيفيته، ومن يستحق هذه الخصال، ثم ذكر أحكام تكرار اليمين على الشيء الواحد، أو على أجناس مختلفة، وكيفية تكفير العبد عن يمينه.

ثم ختم الكتاب ببيان مقدار الصاع والمد، وحكم إخراج القيمة في الكفارات.

فالكتاب بيّن فيه مصنفه معظم الأحكام المتعلقة بالأيمان والطلاق التي يكثر وقوعها بين الناس على مذهب الإمام أحمد، ويذكر أقوال الأئمة الثلاثة الآخرين في معظم المسائل، كما أنه يورد أقوال الصحابة والتابعين وغيرهم من الفقهاء الآخرين في بعض المسائل.

منهج المصنّف في الكتاب

افتتح المصنّف كتابه هذا بحمد الله- تعالى- والثناء عليه، ثم بالصلاة والسلام على الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم .

بعد ذلك بيّن السبب الباعثَ له على تأليف هذا الكتاب، وأوضح أنّ شيوعَ ألفاظ الأيمان والطلاق، وانتشارها بين الناس أدّى إلى الكتابة في هذه المسائل، وذكر أنه جمع من ذلك الأحكام المهّمة التي يُحتاج إليها في الأيمان والطلاق. وبعد معايشتي للكتاب، وقراءته من خلال تحقيقه، اتضح لي أنَّ المصنف دوّن الأحكام المتعلقة بالبابين السابقين وسار على الطريقة الآتية:

أولاً: اقتصر على ذكر أشهر المسائل في بابي الأيمان والطلاق، سواء المتفق عليها، أو ما فيها خلاف بين الفقهاء.

ثانياً: أحسن ترتيب كتابه هذا، من حيث التبويب والتقسيم، حيث ذكر مقدمةً بيّن فيها حكم الحلف والحنث فيه.

ثم عند بيانه لأحكام المسائل وجزئياتها التابعة لها، يضع عنواناً مختصراً لما سيذكره من الأحكام تحت هذا العنوان، وقبل أن يضع العنوان، يقول: (فصلٌ) في كذا.

ثالثاً: بعد بيانه للمسألة وأحكامها، والأدلة الواردة فيها، يختم الباب أو الفصل في بعض الأحيان بذكره لفظة (تذنيب) أو (تتمة) يذكر تحتهما زيادة توضح للمسألة، أو فرعية تابعة لها، كما يتبع بعض الفصول بذكر (فائدة) قد يرى أنها تتميم للمسألة.

رابعاً: يبين حكم المسألة عند الحنابلة، ثم يتبعها بذكر الأقوال في المذاهب الثلاثة الأخرى وهذا ليس في جميع المسائل التي أوردها في الكتاب، وإنما يورد الخلاف في بعض المسائل، كما يشير إلى مذهب الظاهرية في بعض الأحيان.

خامساً: يشير أحياناً إلى أقوال الصحابة رضي الله عنهم، والتابعين رحمهم الله، عند ذكر حكم المسألة، كما يذكر الإجماع الوارد في بعض المسائل.

سادساً: يستدل للمسائل بالآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة ويشير إلى من خرّج الأحاديث في بعض الأحيان.

سابعاً: يذكر الرواياتِ المنقولةَ عن الإِمام أحمد- رحمه الله- في المسألة، ومَنْ نقلها من تلاميذه، ثم يبيّن الرواية المعتمدة في المذهب وما عليه العمل.

ثامناً: نصَّ على اختياراتِ شيخ الإسلام ابن تيميه، وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى، وذكر ذلك في كثيرٍ من المسائل التي أوردها.

تاسعاً: نَقَلَ المصنف معظم الأحكام والمسائل والأدلة التي أوردها في كتابه من المصادر الرئيسة في مذهب الحنابلة، كما سيأتي بيانه في المبحث التالي.

موارد المصنف في كتابه

يُعَدّ المصنف- رحمه الله تعالى- أحد فقهاء الحنابلة المتأخرين، حيث عاش في القرن الحادي عشر الهجري، وقد سبقه العشرات من كبار فقهاء الحنابلة، وجهابذتهم كأبي الخطاب، وأبي يعلى، وابن قدامة، وابن تيميه، وابن القيم، والمرداوي، وابن النجار وغيرهم رحمهم الله تعالى، ممن أسهموا إسهاماً بارزاً في تدوين فقه الإمام أحمد رحمه الله، وتقديمه للقارئ موثقاً بالنقولات المعتمدة، ومقروناً بالأدلة الشرعية، من خلال مصنفاتهم المتعددة، وكتبهم التي اشتهرتْ وأصبحتْ متداولةً ومعروفة لدى القارئ، فكانتْ هي المصادر الرئيسة - بعد الكتاب والسنة - التي يَعْتَمد عليها الباحثون في تدوين بحوثهم ومؤلفاتهم، والمورد الذي يستقون منه قول الإِمام أحمد، وآراء مجتهدي المذهب في أي مسألة من المسائل الفقهية.

ومن خلال إلقاء نظرةٍ متأنيةٍ على أبواب هذا الكتاب ومباحثه، يظهر لنا أنّ المصنّف- رحمه الله- قد اعتمد اعتماداً كبيراً على تلك المؤلفات التي دُونت في فقه الحنابلة، فنقل منها معظم المسائل التي أوردها في كتابه هذا، حيث نقل عن أشهر الكتب المعتمدة في المذهب، كما نقل عن كثيرٍ من كتب المذاهب الأخرى، حيث اقتصر على بعض المصنفات في كل مذهب، وأخذ منها الأقوال المعتمدة عندهم، ويختلف منهج المؤلف في النقل، فنجده – أحياناً - ينقل المسألة بنصها، وفي بعض الأحيان ينقلها بشيء من التصرف والتغيير في بعض الألفاظ.

وعلى كلٍ فقد استفاد المصنف في كتابه هذا من كثير من المصادر التي سبقتْه سواء ما دوّن منها في فقه الحنابلة، أو فقه المذاهب الأخرى، وكذلك اعتمد على بعض كتب التفسير.

ولاشك أنّ هذا يعتبر شيئاً مألوفاً في استفادة اللاحق من أعمال السابق في مجال التأليف والكتابة.

وفيما يلي بيان لأهم المصادر التي نقل عنها المصنف واستفاد منها في تأليف كتابه هذا، مرتبةً حسب أسبقية وفيات مؤلفيها:

1) الهداية في فقه الإمام أحمد.

تأليف العلامة أبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني الحنبلي (ت510 هـ).

2) المغني.

تأليف: موفق الدين عبد الله بن أحمد ابن قدامة المقدسي الحنبلي، (ت620 هـ) وقد نقل عنه بعض المسائل التي أوردها في هذا الكتاب.

3) روضة الطالبين وعمدة المفتين.

تأليف العلامة أبي زكريا يحي بن شرف النووي الشافعي، (ت 676هـ).

4) الشرح الكبير على متن المقنع.

تأليف عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد ابن قدامة المقدسي الحنبلي، (ت 682هـ) وقد أكثر النقل عنه، ويذكره أحياناً بعنوانه هذا، أو يقول: "قال الشارح".

ه) إعلام الموقعين عن رب العالمين.

تأليف العلامة أبي عبد الله محمد ابن أبي بكر الشهير بابن قيّم الجوزية (ت 751هـ) وقد نقل عنه فصولاً كاملة تجاوزت في بعض الأحيان الورقة ونصف الورقة.

6) الفروع في فقه الإِمام أحمد بن حنبل.

تأليف محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي (763 هـ).

وهذا من المصادر التي اعتمد عليها المصنف اعتماداً كبيراً وخاصة في نقله للروايات واختيارات شيخ الإسلام ابن تيميه.

7 ) قوت المحتاج في شرح المنهاج.

تأليف شهاب الدين أحمد بن حمدان بن أحمد الأذرعي الشافعي (ت 783 هـ)، وقد نقل عنه المصنف في عدة مواضع، ويذكره باسم (شرح المنهاج).

8) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد.

 تَأليف علي بن سليمان المرداوي الحنبلي (ت 885هـ).

9) جامع الرموز في شرح النقاية.

تأليف محمد القهستاني الحنفي، (ت 953هـ).

وقد نقل عنه في عدة مواضع باسم (شرح النقاية)، أو (قال القهستاني).

10) ملتقى الأبحر.

تأليف إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي الحنفي (ت 956هـ).

11) الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل.

تأليف شرف الدين موسى الحجاوي الحنبلي، (ت 968هـ).

12) منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات.

تأليف تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي، الشهير بابن النجار (ت 972هـ) أكثر المصنف النقل عنه وإن لم يشر إليه باسمه ولا باسم مؤلّفِه في أكثر المواضع.

13) تنوير الأبصار وجامع البحار.

تأليف شمس الدين محمد بن عبد الله التمرتاشي الحنفي، (ت 1004هـ).

وهو أكثر كتاب نَقَلَ عنه أقوال المذهب الحنفي.

14) شرح منتهى الإرادات.

تأليف منصور بن يونس البهوتي الحنبلي، (ت 1051هـ).

وصف النسخ الخطية

اجتمع لديّ ثلاث نسخ لتحقيق هذا الكتاب، وكانت أول نسخة عثرتُ عليها في دار الكتب المصرية بالقاهرة، ولما قرأتُها وتصفحتُها رأيتُ أنه من المناسب إخراج هذا الكتاب الفقهي المهم، لاسيّما وأنّ ابنَ العماد الحنبلي قد اشتهر عنه أنّه أديبٌ ومؤرخ، ولم يُعرف بأنّه فقيه، ففي إظهار كتابه هذا وتحقيقه إبرازٌ لشخصيةِ ابن العماد كفقيهٍ من خلال تصنيفه لكتابه هذا [معطية الأمان من حنث الأيمان].

ثم بدأتُ رحلة البحث والتنقيب عن نسخٍ أخرى للكتاب، خاصّة وأنه عند رجوعي لترجمة ابن العماد في كتاب (الأعلام) وجدتُ أن الزركلي قد نَسَبَ إليه عدة مصنفاتٍ وقال: منها (معطية الأمان من حنث الأيمان بخطه عندي)، فانصبّ جهدي على الحصول على هذه النسخة، لكن كيف الطريق إليها وقد تبعثرتْ مكتبة الزركلي بعد وفاته، فبعضها في جامعة الملك سعود بالرياض، وبعضها في القاهرة، والبعضِ الآخر في بيروت، وبعد سؤال المختصين في تلك الأماكن لم أجد إجابةَ شافية، ولم أتمكن من الوقوف عليها.

ولكن الله- تعالى- وفقني وهداني إليها في وقت كنتُ فيه أبحثُ عن كتابٍ آخر غيرها، فلم أشعر إلاّ وبطاقتها أمامي برقمها وعدد أوراقها، وذلك في قسم المخطوطات بجامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية بالرياض، وبعد