طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

شروط  لا إِلـه إِلا اللـه

الدكتور عـواد المعتـق

 

 

المقدمـة

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

أما بعـد: فإنه لا يخفى على من له أدنى علم بكتـاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما للشهادة من أهمية، إذ هي دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام.

قال تعالى :{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ}[1]، وهي مفتاح الإسلام، وبالله ثم بها يعصم الدم والمال، وبتحقيقها تحصل النجاة من النار.

وحيث إن البعض قد يفهم أن مجرد النطق بها، أو النطق والإقرار بدون عمل بمقتضاها كافٍ في الحصول على حقيقة الإيمان. أو يقصر في بعض شروطها ظاناً أن ذلك لا يؤثر في تحقيقها.

لذا أحببت أن أكتب لمحة موجزة حول هذه الشروط تتلخص فيما يلي:

تمهيد: ويتضمن ما يلي:

أولاً: معنى لا إلـه إلا الله، وتحقيقها.

ثانياً: متى ينتفع الإنسان بقولها.

ثالثاً: أركانهـا.

ثم شروطها: وفيه:

تمهيد: في تعريف الشرط.

الشرط الأول: العـلم.

الشرط الثاني: اليقـين.

الشرط الثالث: الإخـلاص.

الشرط الرابع: الصـدق.

الشرط الخامس: المحبـة.

الشرط السادس: الانقيـاد.

الشرط السابع: القبـول.

ثم ختمت البحث بذكر بعض النتائج. وأخيراً أسأله تعالى أن يتقبل صوابه ويتجاوز عن خطئه إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

 

تمهيد

يحسن قبل أن نبين شروط هذه الكلمة- أن نشير إلى معناها، وتحقيقها ومتى ينتفع الإنسان بقولها، وأركانها. ثم شروطها.

 

أولاً: معناهـا وتحقيقهـا:

أما معناها: فإن معنى لا إلـه إلا الله: هو: لا معبود بحق إلا الله وحده لا شريك له.

فتضمنت هذه الكلمة العظيمة أن ما سوى الله من سائر المعبودات ليس بإله حق بل إنه باطل. وأن الإلـه الحق إنما هو الله وحده لا شريك له- كما قال تعالى :{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ}[2] مع قوله تعالى :{ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ }[3].

ونحـوهما من الآيات وما صح من الأحاديث التي فيها بيان حقيقة هذه الكلمة من حيث مدلولها ومقتضاها.

ومما يشهد لهذا المعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم  لما قال لكفار قريش "قولوا لا إله إلا الله " قالـوا :{ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ }[4] ففهموا من هذه الكلمة أنها تبطل عبادة الأصنام كلها وتحصر العبادة لله وحده. ومثل ذلك قوم هود لما دعاهم هود عليه السلام إلى قول لا الله إلا الله قالوا: { قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا }[5] وهذا هو معنى لا إله إلا الله.

فتبين بهذا أن معنى لا إلـه إلا الله ومقتضاها: إفراد الله بالعبادة وترك عبادة ما سواه، وأن معنى الإلـه هو المألوه: أي المعبود فإذا قال العبد لا إله إلا الله: فقد أعلن وجوب إفراد الله بالعبادة وبطلان عبادة ما سواه من الأصنام والقبور والأولياء وغيرهم.

وبهذا يبطل: ما يعتقده عباد القبور اليوم وأشباههم من أن معنى لا إله إلا الله: هو الإقرار بوجود الله، أو أنه هو الخالق القادر على الاختراع وأشباه ذلك. أو أن معناها: لا حاكميه إلا لله، ويظنون أن من اعتقد ذلك وفسر به لا إلـه إلا الله، فقد حقق التوحيد المطلق، ولو فعل ما فعل من عبادة غير الله كالاعتقاد بالأموات، والتقرب إليهم بالذبائح والنذور والطواف بقبورهم والتبرك بتربهم.

وما شعر هؤلاء أن كفار العرب يشاركونهم في هذا الاعتقاد ويقرون بأن الله هو الخالق القادر على الاختراع. قال تعالى :{ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ}[6] وأنهم ما عبدوا غيره إلا لزعمهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى. كما قال تعالى عنهم :{… مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى … }[7]. لا أنهم يخلقون ويرزقون.

ولو كان معنى لا إله  إلا الله ما زعمه هؤلاء لم يكن بين الرسول صلى الله عليه وسلم  وبين المشركين نزاع بل كانوا يبادرون إلى إجابته صلى الله عليه وسلم  إذ يقول لهم- بزعم هؤلاء- قولوا لا الله إلا الله- بمعنى: لا قادر على الاختراع إلا الله. لكن القوم- وهم أهل اللسان العربي- فهموا أنهم إذا قالوا لا إله إلا الله: فقد أقروا ببطلان عبادة الأصنام. ولهذا نفروا منها وقالوا :{ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ }[8] فعرفوا أن لا الله إلا الله تقتضي ترك عبادة ما سوى الله وإفراده سبحـانـه وتعالى بالعبادة، وأنهم لو قالوها واستمروا على عبادة ما سوى الله لتناقضوا مع أنفسهم. وعباد القبور اليوم لا يأنفون من هذا التناقض، فهم يقولون لا إلـه إلا الله ثم ينقضونها بعبادة الأموات والتقرب إلى الأضرحة بأنواع من العبادات [9].

وبهذا يتضح أن معناها الصحيح:- هو ما ذكرناه في البداية- من نفي الألوهية الحقة عما سوى الله وإثباتها لله وحده لا شريك له.

وأما تحقيقها: فهو أن لا نعبد إلا الله وحده بالقلب واللسان وسائر الجوارح مع نفي استحقاق أي مخلوق لأي نوع من أنواع العبادة التي لا تصح إلا لله. قال شيخ الإسلام ابن تيميه "... وبـالجملة فمعنا أصلان عظيمان: أحـدهما: أن لا نعبد إلا الله. والثاني: أن لا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة. وهذا الأصلان هما: تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " [10].

 

ثانياً: متى ينتفع الإنسان بقولها:

ينتفع الإنسان بقول لا الله إلا الله- إذا حقق أركانها وشروطها- كما سيأتي بيانه. ومات على ذلك لم يرتكب ناقضاً من نواقضها.

وبذلك يزول الوهم الذي تعلق به بعض الناس- وهو أن مجرد التلفظ بهذه الكلمة يكفي- أخذاً بظاهر بعض النصوص كقوله صلى الله عليه وسلم - فيما رواه البخاري من حديث عتبان "إن الله حرم على النار من قال لا إلـه إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " [11] وحديث أنس قال "إن النبي صلى الله عليه وسلم - ومعاذ رديفه على الرحل- قال: يا معاذ بن جبل: قال: لبيك يا رسول الله وسعديك- (ثلاثا)- قال: "ما من أحد يشهد أن لا إله  إلا الله وأن محمداً رسول الله صِدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار… " الحديث [12]. وحديث أبي هريرة أنهم كانوا مع النبي  في غزوة تبوك… الحديث، وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أشهد أن لا إلـه إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عنه الجنة" [13]، وأمثالها.

إذ المراد بهذه النصوص وأمثالها من قال لا إلـه إلا الله- محققاً أركانها وشروطها ومات على ذلك.

إذ الركن أساس ، والشرط: لا يصـح المشروط له إلا به، والأعمال بالخواتيم فلو قالها- محققاً أركانها وشروطها لكن ارتكب بعد ذلك ناقضاً من نواقضها ومات لم تنفعه. فلابد أن يموت عليها لم يرتكب ناقضاً من نواقضها- بدليل حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  "ما من عبد قال لا إلـه إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة... " الحديث[14] [15]

 

ثالثاً: أركان لا إله إلا الله.

تعريف الركن لغة واصطلاحاً.

الركن لغـة: من كل شيء: جانبـه الأقـوى الـذي يستند إليه، والأمر العظيم. وللرجل: ما فيه عزّة ومنعَة من عشيرة أو سلطان وكل ما يتقوى به. وفي القوم: الشريف بينهم. جمعه أركان وأركن. وأركان الإنسان جوارحه والأركان من كل شيء: جوانبه التي يستند إليها. والعبادة: كالصلاة- ما تبطل بالإخلال به عمداً أو سهواً [16]

الركن في الاصطلاح: ما يقوم به ذلك الشيء من التقوّم، إذ قوام الشيء بركنـه لا من القيام وإلا يلزم أن يكـون الفـاعـل ركنا للفعل، والجسم ركنا للعرض، والموصوف للصفة [17]  وقيل: ركن الشيء: ما يتم به وهو داخل  فيه بخلاف شرطه وهو خارج عنه [18]. وقيل ركن الشيء: ما توقف الشيء على وجـوده وكان جزءاً من حقيقته كقراءة القرآن في الصلاة فإنها ركن لها لتوقف وجودها في نظر الشارع على تحققها. وهي جزء من حقيقة الصلاة. وهكذا كل ما كان ركنا لشيء فإن ذلك الشيء لا يكون له وجود في نظر الشارع إلا إذا تحقق ذلك الركن[19].

والتعارف- كما نرى- متقاربة إلا أن الأخير أدقها وأكملها لذا نختاره.

وعليه، فأركان الشيء: أجزاؤه التي لا يتحقق بدونها.

وإذا: فأركـان لا إله إلا الله: هي أجزاؤها التي لا تتحقق بدونها وهي اثنان: نفي، وإثبات.

النفي: وحدّه: لا إله. والمراد به: نفي الإلـهية الحقة عما سوى الله من سائر المخلوقـات. والإثبات: وحدّ5: إلا الله. والمراد به: إثبات الإلـهية الحقـة لله وحـده لا شريك له في عبـادته كما أنه لا شريك له في ملكه فهو سبحانه وتعالى الإله الحق وما سواه من الآلهة التي اتخذها المشركون كلها باطلة. قال تعالى :{ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ... }الآية[20] [21].

 

  شـروط لا الله إلا الله:

تقديم: في تعريف الشرط.

الشرط لغة:- بسكون الراء- هو إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه. جمعه شروط. تقول: شرط له أمراً: التزمه وعليه أمراً: ألزمه إياه [22].

وفي الاصطلاح: ما يتوقف ثبوت الحكم عليه [23].

وقيل: ما لا يوجد المشروط مع عدمه ولا يلزم أن يوجد عند وجوده[24].

وقيل: ما يتوقف عليه صحة شروطه [25]

وقيل: ما توقف الشيء على وجوده ولم يكن جزءاً من حقيقته. كالوضوء في الصلاة. فإنه شرط لصحة الصلاة. فإذا لم يوجد لم تصح الصلاة، وليس الوضوء جزءاً من حقيقة الصلاة. وهكذا كل ما جعله الشارع شرطاً لشيء. فإن هذا الشيء لا يتحقق ولا يعتد به- في نظر الشارع إلا إذا تحقق ذلك الشرط- وإن لم يكن جزءاً من حقيقته [26] وهذا التعريف: هو الأولى، لأنه يتضمن ما أشارت إليه التعاريف السابقة وعليه: فشروط الشيء هي التي لا يصح إلا بتوافرها.

وإذاً فشروط لا الله إلا الله. هي: التي لا تصح لا الله إلا الله إلاّ بتوافرها. وهي سبعة نظمها أحد العلماء في قوله.

علم يقين وإخلاص وصدقـك مع

محبة وانقياد والقبول لها [27]

كـما جمعها الشيخ حافظ في قوله:

وبـشروط سبـعة  قد قيدت

وفي نصوص الوحي حقاً وردت

فإنـه لم ينـتـفـع  قائلهـا

بالنطق إلا حيث يستكملها

والـعـلم والـيقـين والقبول

والانقياد فادر ما أقـول

والصـدق والإخـلاص والمحبة

وفقـك الله لمـا أحبه [28]

والآن نشرع في بيان كل شرط منها بشيء من الإيضاح.

 

الشرط الأول: العـلم.

العلم لغة: نقيض الجهل. تقول علمه علماً- أي- عرفه حق المعرفة وفي التنزيل :{... مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ... }الآية[29].

وعلم الرجل: خبره، وأحب أن يعلمه: أن يخبره. وعلم بالشيء: شعر به ودرى. يقال: ما علمت بخبر قدومك، أي: ما شعرت. وفي التنزيل :{ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ , بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي...} [30]   الآية.

وعلم الأمر وتعلمه: أتقنه.

وعلمت العلم نافعـاً: أيقنت وصـدقت. وفى التنـزيل :{... فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ... } الآية[31] [32]

وفي الاصطلاح: عرف بتعاريف كثيرة، اخترت منها هذا التعريف.

وهو: معرفة المعلوم على ما هو به.[33] وهو ما اختاره أبو يعلى في كتابه العدة[34]- بعد أن عرض بعض التعاريف وناقشها مبيناً عدم صحتها وأن هذا التعـريف هو الصحيح. وذلـك أن هذا الحـد- كمـا قال القاضي أبو بكر: "يحصره على معناه ولا يدخل فيه ما ليس منه، ولا يخرج منه شيئاً هو منه. والحد إذا أحـاط بالمحـدود على هذا السبيل وجب أن يكـون حداً ثابتاً صحيحاً... وقد ثبت أن كل علم تعلق بمعلوم فإنه معرفة له وكل معرفة لمعلوم فإنهـا علم به، فوجب توثيق الحـد الذي حددنا به العلم"[35]. وعليه فالعلم بلا إله إلا الله: معـرفتها بحقيقتها. وهو: أن تعلم بمعناها نفيا وإثباتاً علماً منافياً للجهل.

ومعناها: البراءة من كل ما يعبد من دون الله، وإخلاص العبادة لله وحده باللسان والقلب وسائر الجوارح.[36]

وقد دل الكتاب والسنة على ذلك. فمن الكتاب:

قوله تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ... } الآية.[37]

وهذه الآية- كما نرى- صريحة في اشتراط العلم بلا إله إلا الله.

قال الـوزير أبو المظفر في الإفصاح: "قوله "شهادة أن لا إلـه إلا الله "

يقتضي أن يكون الشاهد عالماً بأنه لا إله إلا الله. كما قال تعالى :{ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ }.[38]

وقـولـه تعالى :{ وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }[39].

والشاهد- قوله :{ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }.

إذا المراد بشهادة الحق: قول لا إله إلا الله [40] فيكون المعنى: إلا من شهد أن لا إلـه إلا الله وهم يعلمون معنى ما نطقوا به.

وقوله تعالى :{ هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ …} الآية[41].

ومن السنة: قوله صلى الله عليه وسلم  "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة".[42]

وقوله صلى الله عليه وسلم  فيما رواه عبادة بن الصامت. قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته  ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ".[43]

والشاهد: قوله "من شهد" كيف يشهد وهو لا يعلم، إذ مجرد النطق بالشيء لا يسمى شهادة به.[44]

وقوله صلى الله عليه وسلم  فيما رواه أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: "إذا قال العبد أشهد أن لا إله إلا الله قال الله يا ملائكتي علم عبدي أنه ليس له رب غيري- أشهدكم أني قد غفرت له " [45].

وقوله صلى الله عليه وسلم : "من علم أن الله ربه وأني نبيه موقنا من قلبه حرمه الله على النار" [46].

هذه بعض الأدلة من الكتاب والسنة التي توضح شرطية العلم بلا إله إلا الله ولاشك أن العلم لا يكون علماً إلا إذا كان نافعاً ولا يكون نافعاً إلا مع العمل. فمن لم ينتفع بهذه الشهادة بالعمل بما تقتضيه لم يتحقق لديه شرط العلم.

قال البقاعي: " "لا إله إلا الله " أي انتفى انتفاءً عظيماً أن يكون معبوداً بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علماً إذا كان نافعاً وإنما يكون نافعاً إذا كان مع الإِذعان والعمل بما تقتضيه وإلا فهو جهل صرف"[47].

والمراد من هذه الكلمـة- كـمـا ذكـرت آنفـاً- معناها وتحقيقها بالعمل بمقتضاها لا مجرد لفظها فإن المنافقين كانوا يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار.

والكفـار- مع جهلهم بمـا جاء في الكتـاب والسنة- يعلمون أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم  بهذه الكلمـة هو إفراد الله بالتعلق والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه، فإنه لما قال لهم: "قولوا لا إله إلا الله" قالوا: { أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ!}[48].

فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام وهولا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفرة بل يظن أن ذلك: هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معناها: لا يخلق ولا يرزق إلا الله. فلا خير في إنسان جهال الكفار أعلم منه بلا اله إلا الله. وبسبب هذا الجهل ضل من ضل منهم حين قلبوا حقيقة المعنى فأثبتـوا الإلهية المنفية لمن نفيت عنـه من المخلوقين أرباب القبور والمشاهد والأشجار والأحجار والجن وغير ذلك. فلهذا تجدهم يقولون لا إلـه إلا الله وهم يدعون مع الله غيره، وما ذاك إلا بسبب الجهل بمعنى لا إلـه إلا الله [49].

والحد الأدنى للعلم بشهادة أن لا إله إلا الله العلم بمعناها بصورة إجمالية ويأتي بعد هذا الحد درجات يتفاوت الناس فيها في العلم بهذه الشهادة أعلاها البصيرة التي تكون بنسبة المعلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر[50]. وبقدر العلم والجهل يحصل التفاضل في الإِيمان بها، إذ أن العلم يستلزم العمـل فكلمـا زاد العلم زاد العمل، وبذلك يزداد الإيمان ومن ثم يحصل التفاضل فيه.

روي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال "يخرج من النار من قال لا اله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إلـه إلا الله وفي قلبه وزن بُرّة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير" .[51]

وفي رواية عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم  "من إيمان " مكان "من خير"[52].

المراد بقوله "من خير" من إيمان. بدليل الرواية الأخرى.

والحديث ظاهر الدلالة بمنطوقه على تفاضل أهل الإيمان فيه وبمفهومه على زيادته ونقصانه [53].

وهذا التفاضل في الإيمان من أثر العلم والجهل، فكلما ازداد الإنسان علماً كان إيمانه أفضل. ويؤيد ذلك قوله تعالى: {.. إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ }00 الآية [54].

قال ابن كثير: "أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به... لأنه كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر" [55]وعليه فإيمان العلماء أفضل من إيمان غيرهم.

وقوله تعالى :{... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ}[56].

أشار سبحانه وتعالى- في هذه الآية- إلى أن العالم [57] لا يستوي مع غير العالم بل بينهما تفاضل، ومن أوجه التفاضل: التفاضل في الإيمان.

وعليه: فكلما ازداد الإنسان علماً بلا إله إلا الله كان إيمانه بها أفضل. وبذلك يتضح أن العلم بلا إله إلا الله (بمعناها ومقتضاها المستلزم للعمل) أحد شروط لا إلـه إلا الله التي لا تصح إلا بها. وأن العلم بها يتفاوت وبقدر العلم والجهل يحصل التفاضل في الإيمان بها. والله أعلم.

 

الشـرط الثاني: اليقـين.

اليقين لغة: هو زوال الشك، وتحقيق الأمر، والعلم به.

وهو: نقيض الشك- كما أن العلم نقيض الجهل.

والموت: كما قال تعالى: { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ }[58].

وربما عبروا بالظن عن اليقين وباليقين عن الظن- قال: أبو سدرة الأسدي ويقال الهجيمي:

تحـسـب هواس وأيقن أنـني        

بها مقتد من واحد لا أغامـره

يقـول: تشمم الأسـد ناقتي يظن أنني أفتدي بها منه واستحمي نفسي فأتركها له ولا أقتحم المهالك بمقاتلته.

وحق اليقين- كما في قوله تعالى-:{ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ }[59] هو خالصه وأصحه [60].

وفي الاصطلاح: اعتقاد الشيء بأنه كذا مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا مطابقاً للواقع غير ممكن الزوال [61].

والمراد هنا: أن يكون قال لا إله إلا الله مستيقناً قلبه بمدلول هذه الكلمة يقيناً جازماً منافياً للشك.

فمن قالها وهوشاك في شيء مما دلت عليه من معناها لم يتحقق لديه هذا الشرط [62]

والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة.

فمن الكتاب: قوله تعالى :{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ }[63] فالآية تدل على أن من شروط صدق إيمان المؤمنين بالله ورسـوله الذي هو معنى الشهادة كونهم متيقنين بها لم يرتابوا- أي لم يشكوا- فمن ارتاب فليس بمؤمن بل هو من المنافقين الذين قال الله تعالى فيهم :{ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ }[64].

ومن السنة ما ورد في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسوله الله صلى الله عليه وسلم : "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة" [65]

وقوله صلى الله عليه وسلم  لأبي هريرة: " اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة "[66].

وقوله صلى الله عليه وسلم  فيما رواه معاذ أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نفس تموت وهي تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله يرجع ذلك إلى قلب موقن إلا غفر الله لها"[67].

وقوله صلى الله عليه وسلم  فيما رواه جابر أنه  قال: " اذهب فناد في الناس أنه من شهد أن لا إله إلا الله موقنا أو مخلصاً فله الجنة "[68].

وعن عثمان بن عفان عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: "إني لأعلم كـلمة لا يقولها عبد حقاً من قلبه فيموت على ذلك إلا حرمه الله على النار: لا إله إلا الله " [69].

فهذه الأحاديث- كما نرى- تدل صراحة على اشتراط اليقين بالشهادة بل سماه بعض الأئمة أصل الإيمان كما قال ابن حجر في شرحه لقول ابن مسعود: (اليقين الإيمان كله) [70].

إن مراد ابن مسعود أن اليقين هو أصل الإيمان، فإذا أيقن القلب- كما ينبغي- انبعثت الجوارح كلها للقاء الله بالأعمال الصالحات. حتى قال سفيان الثوري:  "لو أن اليقين وقع في القلب- كما ينبغي- لطار اشتياقاً إلى الجنة وهرباً من النار" [71].

إذا عرفنا ما ذكر اتضح أهمية اليقين بالشهادة وأنه فضلاً عن كونه شرطاً لتحققها وفارقاً بين المؤمن والمنافق وشرطاً للمغفرة ودخول الجنة.

أنه أصل الإيمان- كما قال ابن حجر.

أما القول بأن التلفظ بالشهادتين بدون استيقان القلب كافٍ في الإِيمان فهو مذهب غلاة المرجئة- والآيات والأحاديث الآنف ذكرها كلها تدل على فساده بل هو مذهب معلوم الفساد من الشريعة لمن وقف عليها، ولأنه يلزم منه تسويق النفاق والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح وهو باطل قطعاً [72]. والله أعلم.

 

الشـرط الثالث: الإخـلاص.