طباعة

 توثيق النص

 

 

 

ندوة الطلبة

دراسات في الديانات الهندية

الديانة الجينية - الجينية (جين دهرم)

بقلم الطالب: محمد ضياء الرحمن الأعظمي

 

 

لا بد لأي باحث في الديانات الهندية من أن يذكر شيئاً عن (جين دهرم) مع قلة أتباعه[1] لما له من تأثير كبير في الديانات الأخرى.

 

موجز تاريخها:

يدعي أتباع الجينية أن دينهم قديم كقدم العالم والمصلح الأخير الذي جدد أصوله ونشر عقيدته هم (مها بيرسوامي) كان معاصراً (لبوذا) فحصل بينهما معارك كثيرة ونقد عليه (بوذا) في بعض خطبه ومواعظه، وقد تقدم (مها بيرسوامي) ثلاث وعشرون (تيرشنكر)[2] (الرسل الذين يعتقد فيهم الجينيون الألوهية) والزمان الذي بين كل اثنين منهم يستغرق ملايين السنين، بل قد عجز الرياضي عن ضبطه، يقول:(لالا ديوان جند) في كتابه (هل جين دهرم أزلي) – "إن هذه الدنيا قديمة أزلية لا بداية لها ولا نهاية فكذلك (جين دهرم)".

 

الفرق والمذهب:

افترقت الجينية إلى فرقتين كبيرتين:

1- الفرقة الدكمبرية.

2- الفرقة السوبنامبرية.

ثم كل منهما انقسمت قسمين: قسم يعبد الأصنام، وقسم يحرمها.

فالقسم الذي يحرم عبادة الأصنام من الدكمبرية يسمى (تارن بنتهي) Taran Panthi

ومن السونبامبرية (داس) Das.

 

ترتيب تعليمات مها بيرسوامي:

توفي (مها بيرسوامي) سنة 527 ق.م.

تقول الفرقة الدكمبرية: إن حفاظ الجينيين كانوا يعلمون الناس (دواو شانك) من محفوظاتهم بعد وفاة (مها بيرسوامي) كانت لهم حافظة قوية يحفطون جميع التعلميات، ولكن بعد سبعة قرون على وفاة مها بيرسوامي مضى الحفاظ الكاملون ولم يبق فيهم إلا من يحفظ بعض الأجزاء ، فلما رأى (كند كندسوامي) هذا الضعف توجه إلى ترتيب ما بقي في الحافظة فكتب كتباً كثيرة ثم تلاه تلميذه (أوماسوامي) فصنف كتاباً نال مرتبة (التوراة) و (الإنجيل) عند الجينيين وهو المعروف إلى يومنا هذا باسم (تتورات سوتر)Tatuarth Sutra  والآن يعتبر هذا الكتاب مصدراً وحيداً لتعليمات (جين دهرم): (هذه هي رواية الفرقة الدكمبرية).

أما رواية الفرقة السونبامبرية فكما يقول مصنف كتاب (جين مت سار):

(إن ديو آردي جمع خمسمائة من علماء الجينيين في بلده (بلبهي) سنة 453م أي بعد عشرة قرون تقريباً وأمرهم أن يرتبوا ما بقي من حافظتهم في كتاب.

 

النقد التاريخي:

بعد إيرادنا هذه الرواية يسهل علينا أن نقول إن تعليمات (مها بيرسوامي) لم تصل إلينا كما هي بل ضاع منها جزء كبير عبر الزمن، والذي بقي لا نثق بصحته التاريخية لأن ديو آردي لم يتأكد من صدق هؤلاء الحفاظ الذين جاءوا من أنحاء البلاد؛ لأن (ديو آردي) كان كلما سمع كلمة من فمهم أمر الكتاب بكتابتها، والأهم من هذا هو كيف يثق أحد بسند هذا الكتاب إلى ديو آردي مع أنه خال من أي وثيقة ومستند، فالعجب ممن يؤمن بهذه القصص والأساطير والحكايات.

 

الاختلاف الأساسي بين الفرقة الدكمبرية السونبابرية:

الاختلاف بين هاتين الفرقتين في أربع وثمانين مسألة ولكن أكثرها جزئي لا نهتم به، أما الاختلاف الأساسي فهو في ثلاث:

 

الأولى:

أنه لا تحصل المعرفة الكاملة والنجاة الدائمة عن الفرقة الدكمبرية بأن يقطع الإنسان علاقته الدنيوية تماماً بحيث يجتنب اللباس وستر العورات لأجل هذا نجد نساك الفرقة الدكمبرية يعيشون عراة ، وأما نساك الفرقة السونبامبرية فلا يقطعون عن الحوائج الضرورية من اللباس والفراش والعصا وغيرها، ونساك الدكمبرية يكتفون بأشياء ثلاثة:

1- شاشر (الكتاب المقدس).

2- ومراوح من ريش الطاووس لتكنيس الأرض وطهارتها.

3- وإبريق للاستنجاء.

فما نرى من الصور العارية في الكتب الدينية والمراكز الثقافية[3] كلها متعلقة بالفرقة الدكمبرية، نساك الفرقة السونبامبرية يرخون على وجوههم ثوباً عند السفر والكلام، ونساك الفرقة الدكمبرية يجتنبون الثياب كليا.

نساك الفرقة الدكمبرية يأكلون مرة واحدة في اليوم والليلة ولا يستعملون الأواني بل يصنعون الطعام في أيديهم ثم يأكلون.

ونساك الفرقة السونبامبرية ياكلون مرتين في الأواني.

 

الثانية:

الفرقة السونبامبرية ترى أن المرأة تحصل النجاة في قالبها النسائي بينما الفرقة الدكمبرية ترى أن المرأة لا تحصل النجاة لأن في إبطها جرثومة صغيرة تموت بحركتها فتلزم عليها ولادتها بقالب الرجل في الحياة الأخرى (جولان الروح) وكذلك لأنها تتنجس في كل شهر بحيض فلا تقدر على المراقبة التامة وكذلك لا تقدر على التخلص من اللباس كلياً، وهكذا.

 

الثالثة:

إن الفرقة الدكمبرية ترى أن العارف الكامل لا يلحقه الجوع والعطش والمرض في حياته الدنيوية بصورته الإنسانية خلافاً للفرقة السونبامبرية.

هذه هي الفروق الأساسية بين هاتين الفرقتين أما الجزئيات والفرعيات فكثيرة نتركها إيثاراً للإيجاز.

 

العقائد الجينية:

1- الدنيا ثمرات الروح والمادة وليس لها خالق ومدبر خارج عنها.

2- أن العلاقة التي نجدها بين الروح والمادة هي نتيجة الأعمال (كرما) لأن الأعمال تعيد الروح إلى الدنيا مرة بعد مرة.

3- لا تتخلص الروح من العودة إلا بالإيمان الصحيح والعلم الصحيح والسيرة الحسنة ويسمى هذا التخلص (مكتي) (النجاة).

4- الروح الناجية هي (برماتما) (إله) وتتردد وبعد النجاة لإضاءة السبيل للسائرين، فالواجب على الإنسان أن يجتهد في تخليص روحه من العودة.

5- الدنيا مركز الأرواح ومستقرها وتسلسل الأرواح في الدنيا غير متناه.

6- أهنسا برمو دهرما (أفضل الدين هو ترك القتل والإيذاء).

 

الألوهية عند الجينيين:

إذا فكرنا في العقيدة الأولى وجدنا أن الجينيين لا يعتقدون بوجود خالق الكون ومدبره بل يقولون إن الدنيا نتيجة للعلاقة التي بين الروح والمادة فهي قديمة كالروح والمادة لأنها لم تكن معدومة فأوجدها موجد بل كانت موجودة من الأزل بشكل آخر فشكلت بهذا الشكل لأجل العلاقة الجديدة.

ولكن الجينيين ينكرون ذلك ويقولون نحن لا ننكر وجود الخالق بل ننكر صفته الخالقة والمدبرة، لأن وجوده ليس خارجاً عن الدنيا.

يقول العالم الجيني بي - آر - جين:

"إن الجينيين لا يعتقدون بمعبود أزلي قديم وموجود في كل زمان ومكان عالم لكل صغير وكبير قادر على كل شيء خالق الكون والحياة، بل يعتقدون بالأرواح الناجية التي بلغت درجة الإله".

معنى هذا الكلام أن آلهة جينيين كعدد الأرواح الناجية (والعياذ بالله) فروا من إله واحد فوقعوا في آلهة لا تحصى.

 

طبقات الرجال:

إن الجينيين يقسمون رجالهم إلى خمس طبقات:

1- أرهت:

الأرواح الناجية في الأجسام التي حصل لها علم كامل ومعرفة تامة فوصلت إلى درجة المعبود في الحياة الدنيا وهم أربع وعشرون تيرشنكر قبل الموت.

2- سدها:

الأرواح التي نجت من تكرر العودة في الدنيا ووصلت إلى مقام النجاة هم أربع وعشرون تيرشنكر بعد الموت.

3- آجاريه: رئيس الرهبان.

4- أبا دهياء: الرهبان المرشدون.

5- سادهو: الرهبان والنساك.

 

فلسفة عبادة الأصنام:

إن المبتدئين الذين بدأوا حياتهم الرهبانية لا يقدرون على استقرار الفكر ودوام الفكر لعدم قدرتهم على تركيز القلوب في تصور المعبود فاحتاج هؤلاء إلى إله مكشوف بالأعين الظاهرة فلما عرف علماء الجينيين هذه الحقيقة أذنوا لهم في بناء الأصنام التي تحمل الأوصاف المطلوبة فتوجهت كل فرقة إلى بناء المعبود وفق اعتقادهم.

فالفرقة الدكمبرية مثلا تبني معبوداتها عراة لتصور تخليهم عن الضروريات الدنيوية والفرقة السوبنامبرية تبنيها وفق اعتقادها.

فهذه هي بداية عبادة الأصنام في الديانات الهندية لأننا نجد ذكر الأصنام وبناء المعابد في ويدك دهرم وبدها دهرم كما أثبتنا في موضعه فكلا المذهبين تأثرا من (جين دهرم).

عبادة الأصنام أمر مستحسن عند الجينيين فهم يتأسفون الآن على الأجيال الجديدة التي تركت عبادة الأصنام وينقدون الإسلام لأنه هو الذي حرم بناء الأصنام وعبادتها أول مرة في تاريخ الديانة الهندية.

هنا يسأل السائل: عن الجينيين لا يعتقدون بصفة من صفات الله فعلى أي صورة يصنعون أصنامهم؟

يجاب: هم لا يصنعون صورة الإله الذي ينكرون وجوده بل يصورون حياة (تيرشنكر) الذين نجت أرواحهم من عودتها إلى الدنيا، ممثلاً ديوجي وبارش بات جي ومها بيرجي، وشومنات جي[4] وغيرهم.

 

أثر جين دهرم على ويدك دهرم وبدها درهم:

1- عبادة الأصنام وبناء المعابد:

إن الهندوسيين ما كانوا يعرفون عبادة الأصنام وبناء المعابد في عصر ويدك دهرم وكذلك البوذيون بل تأثروا كلهم بجين درهم وحذروا حذوه.

 

2- أهنسا:

إن ويدك دهرم قد صرح بتضحيته الأنعام من الخيل والجاموس حتى البقرة، فجاء جين دهرم وحرم الأضحية حتى قتل الجراثيم التي تطير في الهواء، فتأثر به ويدك دهرم وحرم على أهله تضحية الحيوان عامة وخاصة البقرة بغضاً للمسلمين، وأما بدها دهرم فكيف يريب العاقل بجوار الأضحية رغم أن بدها لم يمت إلا بعد أن أكل لحم الخنزير، والآن هم كذلك يفتخرون بقولهم: (أهنسا برمو دهرما) .

 

3- مسألة التناسخ أو جولان الأرواح:

لقد أثبتنا أن ويد قد صرح بوجود الجنة والنار وإثبات الحياتين، فجاء جين دهرم وأثر على ويدك دهرم حتى على بدها، فصار ويدك دهرم ملتزما بالتناسخ.

 

4- الرهبانية:

تقدم بحث أعمار الإنسان في ويدك دهرم، فالقسمان الأولان متعلقان بالحياة الأهلية، أما جين دهرم فيبحث عن بداية الحياة وفي ترك العلاقة الدنيوية والتمسك بالحياة الرهبانية.

نعم، أن بدها يحرض على ترك اللذات والشهوات، ولكن الغاية العظمى عنده هي النجاة، لا كالجينيين، فإن الغاية عندهم قطع العلائق الدنيوية كلية في جميع مجالات الحياة من الطعام والشراب واللباس فتأثر نساك الهندوسيين من جين دهرم وتركوا العلائق الدنيوية كلية وسكنوا في رأس جبل (هملايا).

 

5- العري:

لا نجد فكرة العري في ويدك دهرم ولا في بدها دهرم بل جاءت هذه الفكرة من حين دهرم وأخذها نساك الهندوسيين، والآن هم الذين يحتفلون كل سنة ويجولون في الشوارع عراة ولكن الحكومة الهندية منعتهم وسمحت لهم أن يقيموا احتفالاتهم هذه في الصحاري والغابات.

 

وأخيراً:

هذه هي الديانة الجينية أوجزناها قدر المستطاع مع أن تفصيلها يستغرق آلاف الصفحات، ويجعل هذه المباحث السهلة تعود غامضة يتعب العقل من إدراكها ويصعب على القراء فهمها.

فسبحان الذي أنزل آيات بينات في كتابه المبين يستوي معه في فهمها الحضري والبدوي، ويستفيد منها حسب حاجته العالم والجاهل، فنشكر الله على ما من علينا بالتوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

بقلم الطالب: محمد ضياء الرحمن الأعظمي.

 

 

 



[1] يبلغ عددهم في إحصائيات سنة عام 1951م 1,618,405

[2] شبو ديوجي - اجت نات جي -شبوانات جي - نفدن جي - سمت نات جي - يدم جي - سياثيوجي جندرجي - سبدي نات جي - شنيل نات جي - شريانسي - شرى اسوويوجي - شري بمل ناشاجي - آره ناتجي - ملى نات جي - مني سوامي - اننت نات جي - شرى دهرم نات جي - شانتى نات جي - كنت نات جي - نمى نات جي - نسيم نات جي - بارش نات جي - شرى مها بيرسوامي جي - هؤلاء كلهم في فترة واحدة من الزمان وبين كا اثنين ملايين السنوات فإذا انتهت هذه الفترة تبدأ فترة ثانية وهكذا تعيد الدنيا فتراتها مرة بعد مرة.

[3] في المطارات والمعابد والاحتفالات.

[4] هذا هو الصنم الذي هدمه محمد غزنوي حينما قام بغزو الهند سنة 1018م.