|
|
|
في ظلال
سورة الأنفال |
|
بقلم الشيخ:
أبي بكر جابر الجزائري |
|
المدرس في
الجامعة |
|
|
|
وقال الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي
مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ, وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ
إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ
عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ, إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ
أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ
بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ
وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ}. |
|
بسم الله والحمد لله،
والصلاة والسلام على رسول الله |
|
وبعد، فهذه آيات ثلاث
أخرى من سورة الأنفال نتفيؤ ظلالها مع الإخوة القراء، تقوية لإيماننا، وتنمية
لمشاعر التقوى والإحسان في نفوسنا، ترقية للأرواح، وتهذيباً للوجدان. |
|
صلة هذه الآيات بسابقاتها: |
|
ما هذه الآيات التي
نتفيؤ الآن ظلالها إلا بمثابة جواهر ثلاث من عقد النعم الذي طوقه الله تعالى جيد
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر الانتصار، فهو يمنه عليهم ويذكرهم
به، ليبين لهم أن الذي أولاهم تلك النعم، ووهبهم ذلك الإحسان والإفضال لم يكن في
انتزاعه الغنائم منهم ساعة اختلفوا في قسمتها وتنازعوا فيها، ليجعلها له ولرسوله
يحكم فيها تعالى بما يشاء، ويقسمها الرسول على ما يريد، لم يكن ذلك عن بغض لهم،
ولا عن إرادة شر، أو سوء بهم، وإنما كان من باب مزيدهم إفضالاً فوق الإفضال
وإنعاماً وإحساناً فوق الإنعام والإحسان، فهو تعالى يقول لهم: اذكروا الوقت الذي
أحاطت بكم المخاوف من كل جانب، وانتابكم الفزع، واستبد بكم القلق ففزعتم إلى
ربكم تستغيثون، فأمدكم بألف من الملائكة مردفين، فكانت تلامس أرواحكم فتقوى
عزائمكم، وتخالط صفوفكم فيشتد بها أزركم، ويحمي ظهركم، واذكروا ليلة لقائكم
عدوكم والخوف الشديد يساوركم فيطرد النوم من أعينكم، فما أنتم ساعتها إلا نفوس
حائرة وأعصاب ثائرة مرتاعون ارتياع من طار قلبه وفارقه عزمه، وعيل صبره. كيف
غشاكم ربكم برداء رحمته بنعاس خالط الأجفان، فكان الأمان، فبه زالت المخاوف،
وذهب القلق، فسكنت لذلك القلوب وهدأت الأعصاب، وقضيتم ليلتكم نائمين إلا ما كان
من نبيكم عليه صلوات وسلام ربكم فإنه قضى ليلته يناجي ربه، ويسأله إنجاز وعده. |
|
واذكروا إذ سبقكم عدوكم
إلى الماء فنزل عليه، وحال بينكم وبين الوصول إليه، فقبض بذلك على زمام المعركة،
وعزم على أن يقودها نصراً له وهزيمة عليكم، وكيف أنزل عليكم ربكم من السماء ماءً
فأزال به ظمأكم، وطهر به أحداثكم، وأبعد وسواس الشيطان من صدوركم، ربط به
القلوب، وثبتت به الأقدام. |
|
لعلك، أخي القارئ، قد
أدركت بهذا وجه المناسبة والصلة بين الآيات السابقة وهذه اللاحقة، فنمضي معك
الآن قدماً في تفيء ظلال هذه الآيات. |
|
إن الآية الأولى: {إِذْ
تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ
الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ}. |
|
يخاطب فيها الرب تبارك
وتعالى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مذكراً إياهم بنعمة استجابته دعاءهم
يوم استغاثوه طالبين نصره فأغاثهم بأن أمدهم بألف من الملائكة مردفين (متتابعين)
فكان في ذلك ما قوى عزائمهم، وحمى ظهورهم حتى انتصروا على عدوهم الذي يفوقهم
عدداً، ويتفوق عليهم عدة. |
|
أما الآية الثاني: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ
بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. |
|
فقد تضمنت إعلامه
سبحانه وتعالى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الإمداد بالملائكة لم يكن
إلا من قبيل التبشير بالنصر، والتطمين للقلوب، أما نصر الله متى أراده فإنه لا
يتوقف على شيء من ذلك أبداً. |
|
كما تضمنت الآية
الإخبار بأن أي نصر يكسبه الإنسان في هذه الحياة موضوع من الله، موهوب من لدنه
عز وجل، فلا يتصور وجود نصر خارج عن عطاء الله وهبته {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ومن هنا وجب أن
يطلب النصر دائماً من الله تعالى إذ هو مالك النصر وواهبه، فليتوسل في الحصول
على أي نصر بطاعة الله تعالى باتباع شرائعه والأخذ بسننه في خلقه، ومن أراد
النصر من غير طريق الله العزيز الحكيم فإنه لا يظفر به ولا يحصل عليه مهما بذل
من جهد، وأنفذ من طاقة؛ لأن الله عزيز غالب لا يمانع في شيء يريده، ولا يمتنع
عنه شيء أراده، حكيم يهب النصر ويضعه في يد من يستحقه، فلا يعطي نصراً ولا يمنحه
غير مستحقه، وهذا بعض ما يدل عليه قوله: {وَمَا
النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. |
|
وأخيراً الآية الأخيرة:
{إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ
عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ
الأَقْدَامَ}. |
|
فإن معناها: التذكير بنعمتين أخريين
هما: تغشيه تعالى لهم بنعاس كان أماناً لهم من المخاوف التي ما برحت تساورهم،
ومن القلق الذي هيج أعصابهم، وأطار النوم عن أعينهم بحيث لو باتوا على تلك الحال
من الهيجان والقلق والخوف لما أمكنهم غداً قتال عدوهم، ولما استطاعوا الوقوف
أمامه، ولكن تداركهم الله برحمته فأغشاهم بذلك النعاس الذي ذهب به كل تعب جسماني
وروحاني فأصبحوا وهم أقدر على خوض المعركة والاستبسال فيها والصبر على خوضها حتى
تم لهم النصر بإذن الله. |
|
والثانية: إنزال الله
تعالى عليهم ماء من السماء والذي كان له أعظم الأثر وأطيبه في إصلاح حالهم،
وإعدادهم لخوض المعركة والانتصار فيها، وذلك أن هذا الماء المنزل عليهم اشتمل
على أربع فوائد عظيمة إليكها أخي القارئ واحدة بعد أخرى: |
|
1- تطهيرهم به تطهيراً حسيا بالنظافة التي انشرحت بها الصدور،
ونشطت بها الأعضاء،وتطهيراً شرعيا بإزالة الأحداث الكبرى والصغرى. |
|
2- إذهاب رجز الشيطان عنهم، وهو ما كان يلقيه في نفوسهم بالوسوسة
كان يقول لهم: أتزعمون أنكم على الحق، وفيكم نبي الله، وقد غلبكم عدوكم على
الماء فها أنتم ظامئون عطاشاً تصلون بغير طهارة، فكيف تنتصرون غداً إلى غير ذلك
مما كان يؤلم به نفوسهم ويعذبهم به. |
|
3- الربط على القلوب وهو تثبيتها وتوطينها على الصبر بما حصل لهم
من ارتياح كبير بحصولهم على الماء واستيلائهم عليه دون عدوهم.. إذ أنهم قاموا من
آخر الليل وصنعوا الحياض للماء، ثم غوروا ما عدا حياضهم ونزلوا عليها وبنوا
لنبيهم عريشاً فوقها ليدير المعركة غداً من هذا المركز الذي أرشد إليه الحباب
ابن المنذر رضي الله عنه. |
|
4- تثبيت الأقدام، إذ كانت الأرض رملية دهاسا تسوغ فيها الأقدام،
فلما نزل بها الماء تماسكت واشتدت وأصبح المقاتل ثابت القدم عليها يمكنه أن يكر
ويفر، ويجول في ساحة المعركة كما يشاء. |
|
مباحث الألفاظ: |
|
الاستغاثة: طلب الغوث والإنقاذ من
الهلكة. |
|
مردفين: متتابعين يردف بعضهم
بعضاً، من أردفه على الدابة إذا أركبه وراءه على ردف الدابة وهو عجزها. |
|
يغشيكم: يلقي النعاس عليكم كما
يلقي الغشاء الغطاء على الشخص. |
|
النعاس: أول النوم، وهو فتور
في الحواس وأعصاب الرأس يعقبه النوم. |
|
أمنة: أماناً أكسبهم طمأنينة
في نفوسهم وسكوناً في قلوبهم. |
|
رجز: عذاب، وهو ما تخلقه
وسوسة الشيطان من آلام في النفس. |
|
هداية الآيات: |
|
من ضروب الهداية في هذه
الآيات ما يلي: |
|
أ - الاستغاثة من
العبادة ولا تصلح لأحد غير الله تعالى، وقد ورد أنه قيل للرسول صلى الله عليه
وسلم يوماً: تعالوا نستغيث برسول الله من هذا المنافق (لمنافق كان يؤذيهم) |
|
فقال لهم عليه الصلاة
والسلام: "إنه لا يستغاث بِي، وإنما يستغاث
بالله". |
|
ومن هنا يتبين خطأ
أولئك الذين يستغيثون بالأولياء والصالحين يا فلان، يا فلان مما هو صريح الشرك
والعياذ بالله. |
|
ولو كان يجوز الاستغاثة
بغير الله تعالى لاستغاث رسول الله وأصحابه، وهم في أحلك الظروف وأشدها.. ولكن
كانت استغاثة الصحابة: يا رب، يا رب انصرنا على عدوك، يارب أغثنا، يا غياث
المستغيثين.. وكانت استغاثة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم أنجز لي ما وعدتني به اللهم آتني ما وعدتني ،
اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" فلم
يسألوا الله تعالى بحق أحد ولا بجاه آخر، ولو كان ذلك جائزاً لما تركوه وهم في
أشد الحاجة إليه، وأمسها إلى مثله. |
|
ألم يسع المسلمين اليوم
ما وسع نبيهم وأصحابه، ألم يكفهم ما كفى سلفهم ؟ أليس الله بكاف عبده؟ |
|
ب - في استجابة الله
تعالى لرسوله وأصحابه بإمدادهم بالملائكة وإنزال الماء عليهم ونصرهم على عدوهم
الأكثر منهم عدداً وعدة كرامة واضحة من الله تعالى لهم، ولهذا كانت عقيدة السلف
إثبات الكرامات لأولياء الله تعالى، وتضليل من ينفيها. |
|
جـ - النصر لا يأتي من
أحد غير الله تعالى، إذ الله وحده المالك له وهو الذي ينصر من يشاء ويخذل من
يشاء، فلا ينبغي أن يطلب النصر إلا منه تعالى، وذلك بطاعته عز وجل في شرعه
وسننه، في شرعه بامتثال أمره واجتناب نهيه، وفي سننه في خلقه بجمع القلوب على
القتال، والصبر فيه، وإعداد ما يلزمه من عدة وعتاد وطاعة القيادة، والأخذ
بالحذر، وبذل ما في الوسع من طاقة وجهد. |
|
وأخيراً إلى اللقاء
أيها القارئ في ظلال آيات أخرى إن شاء الله تعالى. |