|
|
|
شعر أهل الحديث
|
|
|
بقلم الأستاذ: عبد العزيز
القارئ |
|
|
المدرس بمعهد الجامعة |
|
|
|
|
|
ـ 1 ـ |
|
|
مما جرى على الألسنة
واشتهر ما نسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله، وهو قوله: |
|
|
لكنت اليوم أشعر من لبيد |
ولولا الشعر بالعلماء يزري |
|
فما نصيب العلماء من الشعر؟ وما نصيب المحدثين منهم؟ وهم في الخاطر أجدر بأن
يكونوا أبعد الناس وأقلهم فيه. |
|
|
لم أشأ أن أوسع بحثي لأتناول العلماء على اختلاف اختصاصاتهم وقد أكتب في الموضوع
بتوسع في بعض المناسبات.. لكني اخترت أهل الحديث من العلماء لأدرس شعرهم وموقفهم
من الشعر والشعراء. |
|
|
وفي النفس أمل يراودها بأن أكتب فيما بعد (أدب العلماء) في مصنفاتهم سواء
منها العلمية أو الأدبية، فهو موضوع مهم يحتاج إلى دراسة واسعة.. |
|
|
قبل الشروع في شعر أهل الحديث.. يحسن أن أقدم له بالكلام عن الشعر وميزان
الجمال فيه ثم موقف النبي صلى الله عليه وسلم من الشعر والشعراء.. مع بحث بعض
الآيات والآثار التي ظاهرها ذم الشعر والحث على هجره. |
|
|
الشعر وديوان العرب: |
|
|
قيل لسعيد بن المسيب: إ ن قوماً بالعراق يكرهون الشعر، فقال: "نسكوا
نسكاً عجيباً". ذلك لأن الشعر من أعظم ما جادت به ألسنة العرب، وهو عنوان
لغتها وبلاغتها وسجل حوادثها وتاريخها، وترجمان أخلاقها وعاداتها، وكان أحب إليهم
من غيره وأرفع قدراً وأعظم شأناً، فهي أكثر اشتغالاً به وأكثر حفظاً ورواية له،
وأعظم حرصاً عليه ولذلك فقد نقل إلينا من أشعارهم أكثر مما نقل من منثورهم. وقد
قيل: إن ما وصل إلينا من منثورهم عشره، وما ضاع من منظومهم عشره[1] ومن إعظامهم لشأن الشعر قرنوه بالكهانة والسحر؛ لأن كلا منهما يغير الأشياء في مرأى الإنسان ومخيلته بأساليب
تأثيرية نافذة، فتأثير الشعر في نفوسهم أشبه تأثير السحر حتى قال قائلهم: |
|
|
رواية مرا ومرا شاعرا |
لقد خشيت أن تكون ساحراً |
|
ولذلك لما تحيروا من عظمة بلاغة القرآن وقوة بيانه لم يجدوا ما ينسبونه إليه إلا
الشعر أو السحر فمرة قالوا: "هذا سحر"، ومرة قالوا: "هذا
شعر". |
|
|
وهذا منهم دليل على إعظامهم لشأن الشعر.. وقد رد الله عليهم بقوله: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ, وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}[2]. |
|
|
إلا أن الشعر تميز بأن أساسه التأثير بواسطة التخييلات البيانية من تشبيه
واستعارة وكناية ونحو ذلك.. ولما كان الخيال صورة من صور الكذب قيل إن أعذب الشعر
أكذبه. ولكن ليس ذلك على إطلاقه، فإن العمدة في حسن الشعر وجودته على صدق الشعور
وجمال التعبير.. وكم من أبيات اعتبرت من عيون الشعر بينما هي لا تعتمد على أي صورة
كاذبة، وإنما تتجلى بلاغتها في حسن إصابتها للمعنى الصحيح وحسن صياغتها في تعبير
جميل .. ولعل حسان رضي الله عنه كان يعني هذا الميزان حينما قال: |
|
|
بيت يقال إذا أنشدته صدقا |
وإن أشعر بيت أنت قائله |
|
إلا أن الذي غلب على الشعراء المبالغة في الصور البيانية إلى حد التخييل
الكاذب الصريح.. وخاصة في مقاصد الوصف والمدح والهجاء، فتسابقوا إلى الإغراب في
ذلك وإلى ابتداع المعاني الموغلة في الاستحالة، زاعمين أنه بذلك يحلو الشعر
ويستعذب.. فمن قائل: |
|
|
عقيقاً فصار الكل في جيدها عقدا |
بكت لؤلؤاً رطباً فسالت مدامعي |
|
|
وقائل: |
|
وقدت لرجل البين نعلين من خدي |
وجذت رقاب الوصل أسياف هجرها |
|
وقائل: |
|
|
منك يشكو ويصيح |
بح صوت المال مما |
|
|
وقائل: |
|
صليل البيض تقرع بالذكور |
فلولا الريح أسمع من بحجر |
|
ولعمري لو كان هذا الميزان صحيحاً إذاً لكان أكثر حسناً وعذوبة في الشعر
قول أبي نواس: |
|
|
لتخافك النطف التي لم تخلق |
وأخفت أهل الشرك حتى أنه |
|
أو قول المتنبي: |
|
|
|
يترشفن من فمي رشفات |
|
أو قول جرير: |
|
|
على خبث الحديد إذا لذابا |
ولو وضعت فقاح بني نمير |
|
والنقاد يجمعون على استهجان مثل هذا الشعر مع أنه أشد إغراقا في الكذب:
فالنطف التي لم تخلق لا تخاف صاحب أبي نواس، وربما حتى لو خلقت، والرشفات من فم
المتنبي حاشا أن تكون أحلى (من التوحيد) وفي بيته هذا قبح من وجهين: تغزله بنفسه،
واعتداؤه القبيح على مثل هذا الجناب العظيم[3].. وكذلك فقاح بن نمير لا يمكن
في أي يوم من الأيام أن تذيب الحديد أو خبثه مهما كان شأن بني نمير مع صاحبهم. |
|
|
فكل هذا مستقبح مستهجن مع أنه من أكذب ما قيل من الشعر.. بل قالوا في قول
المهلهل: "فلولا الريح أسمع من بحجر". إنه أكذب بيت قالته العرب. |
|
|
ولكن لعلك تستعذب معي مثل قول كثير: |
|
|
أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها |
وكنت إذا ما زرت سعدى بأرضها |
|
إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها |
من الخفرات البيض ود جليسها |
|
أو قول جرير في الفخر: |
|
|
حسبت الناس كلهم غضاباً |
إذا غضبت عليك بنو تميم |
|
أو قول المتنبي في مطلع قصيدة: |
|
|
وتأتي على قدر الكرم المكارم |
على قدر أهل العزم تأتي العزائم |
|
أو قول عنترة العبسي: |
|
|
مني وبيض الهند تقطر من دمي |
ولقد ذكرتك والرماح نواهل |
|
|
فوددت تقبيل السيوف لأنها |
|
فهل تجد في هذه الأبيات شيئاً من الصور الكاذبة المستحيلة؟. ومع ذلك فهي من
أعذب الشعر وأجوده حتى لقد قيل في قول كثير عزة: |
|
|
|
من الخفرات البيض ود جليسها |
|
|
|
|
..................................... |
|
|
|
|
|
إنه أرق شعر قيل في النسيب. |
|
|
ولو تأملت هذا المقام لوجدت أن حسن الشعر يتجلى في أمرين: |
|
|
الأمر الأول: صدق المعنى الذي يذكره في البيت أو صدق الشعور الذي يعبر عنه. |
|
|
والأمر الثاني: جمال الصورة التعبيرية التي يختارها لأداء ذلك المعنى
وإبراز ذلك الشعور.. |
|
|
فمثلاً أبيات كثير عزة: تصور لنا شعوراً يختلج في نفس كثير تجاه حبيبته،
فهو يحبها حباً شديداً ويكاد يهلك شوقاً لمرآها.. فهو يصور كيف تكون نفسه في سعادة
عندما يهم بزيارتها والرحيل إلى ديارها: كأن الأرض تطوى له من شدة رغبته في الوصول
إليها.. حتى إذا اجتمع بها ودارت بينهما الأحاديث تلذذ بكل ما تقصه عليه، فما
تنتهي من أحدوثة إلا تمنى لو تعيدها مرات ومرات. |
|
|
ومثل هذه الإحساسات يعرفها ويشعر بها كل محب مع من يحب، وما في هذه الأبيات
إذا معنى مستحيل.. بل صدق إحساس أحسن الشاعر التعبير عنه. |
|
|
وقول الآخر : |
|
|
حسبت الناس كلهم غضابا |
إذا غضب عليك بنو تميم |
|
هو كذلك في غاية الروعة في تصوير الحالة النفسية التي يغرق فيها من غضبت
عليه بنو تميم، فإن الأرض تضيق به ووجوه الناس تتغير عليه، حتى يتخيل كل إنسان يمر
به حانقاً عليه، وفيه تصوير بديع لسطوة هؤلاء القوم وعظم مكانتهم وامتداد نفوذهم،
ولا يضاهيه في معناه إلا قول نابغة بني ذبيان لما غضب عليه النعمان ففر منه هائماً
على وجهه: |
|
|
وإن خلت أن المنتأى عنك واسع |
فإنك كالليل الذي هو مدركي |
|
ولعمري إن بيت النابغة أكثر نجاحاً في تصوير هذه الحالة النفسية من القلق
والرهبة باختياره لكمتي (الليل) و (مدركي) فالليل لا يمكن الفرار منه فهو مدركه
أنى ذهب.. |
|
|
وأما بيت المتنبي (علي قدر…) إذا جردت معناه من شعره فلا تكاد تجد أي صورة
بيانية، بل هو مجرد تعبير قوي عن حقيقة واقعة من حقائق الحياة، والحسن كل الحسن
فيه في الإطار الشعري الذي صاغ المعنى به، وغالب أبيات المتنبي من هذا القبيل..
وما أخالك إذا سمعت مثل قوله: |
|
|
فمن العجز أن تموت جبانا |
وإذا لم يكن من الموت بد |
|
إلا هاتفا بملء فيك: صدق. |
|
|
وأبيات عنترة كذلك: صورة ملخصها: معركة محتدمة ازدحمت فيها الخيول وبرقت
الأسنة ولمعت السيوف حول الشاعر تتناهشه وتنهل من دمه. |
|
|
ومع عظم هذا المقام وشدة هوله يتذكر حبيبته، ويتخيل لمعان السيوف والأسنة
كلمعان ثغرها عندما تبتسم ، فيتفجر في نفسه الشوق إليها حتى يكاد يهجم على تلك
السيوف لا باطشاً ولكن مقبلاً. |
|
|
فهذه الصورة نجحت في التعبير عن: شجاعة الشاعر، وشدة محبته لصاحبته، وجمال
ثغرها وحسنه. |
|
|
وهكذا كلما تأملت شيئاً من عيون الشعر وجيده تجد أن حسنه وجودته في صدق
المعاني وصدق التعبير وجماله. |
|
|
وتجد الشعر كلما أغرق في الاستعارات البعيدة والصور المستحيلة ازداد قبحاً
وصار مستهجناً. |
|
|
وبذلك تعلم أن أعذب الشعر أصدقه! وأن هذا هو الميزان الصحيح كما قرره حسان
بن ثابت رضي الله عنه. |
|
|
|
|
|
موقف النبي صلى الله عليه وسلم من الشعر: |
|
|
النبي هو سيد العلماء، فهل كان يكره الشعر ويذمه؟ |
|
|
من المجمع عليه أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن شاعراً ولم ينظم الشعر، بل
طبعه الله عز وجل على خلاف سجية الشعراء ومنع عنه ملكة الشعر.. حتى ما كان يستقيم
في لسانه في الغالب، وإن كان يجري على لسانه أحياناً، إلا أن المنفي عنه بالجملة
أن يكون شاعراً، فإذا جرى على لسانه بيت أو بيتان مستقيمان فإن ذلك لا يعني أنه
قال شعراً، لأن جريان كلام منظوم بغير قصد لنظمه وعنايته بإيجاده موزوناً، يجري
على كل الألسنة ولا يعتبر شعراً.. |
|
|
قال تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ}[4] : أخرج ابن كثير عن الشعبي
قال: "ما ولد عبد المطلب ذكراً ولا أنثى إلا يقول الشعر إلا رسول الله صلى
الله عليه وسلم". |
|
|
أما قوله: {وَمَا يَنْبَغِي لَهُ}
أي ليس من طبعه فلا يحسنه ولا تقتضيه جبلته، ولعل الحكمة في ذلك (الإعجاز) بالقرآن
فإنه أعظم من الشعر وليس بشعر، وإثبات أنه من عند الله وليس من تأليف الرسول.. فسد
الله عز وجل كل باب يمكن أن يتذرع به المشركون في دعواهم أن القرآن من كلامه صلى
الله عليه وسلم أو أنه من شعره، فجعل الرسول أميّاً لا يقرأ ولا يكتب، حتى لا يقال
إنه ينقل من كتب اليهود والنصارى، ولم يجعله شاعراً حتى لا يقال إنه يؤلف شعراً. |
|
|
وكون الرسول أمياً لم يعن مذمة الكتابة والقراءة.. وكذلك كونه ليس شاعراً
لا يعني ذم الشعر.. فلا يفهم من قوله: {وَمَا
يَنْبَغِي لَهُ} إلا أن الشعر
مع مقام الوحي لم يكن مناسباً، كما أن الأمية كانت مناسبة، والدليل على أن المقصود
هو تأكيد أن القرآن ليس بشعر أن الآية جاءت في معرض هذا المعنى حيث يقول بعدها: {إِنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} فيكون
المعنى وما ينبغي أن يكون القرآن شعراً؛ لأنه كتاب إرشاد وتعليم وموعظة للناس،
والشعر ليس محلا للتفصيل والتبيين والإيضاح بل هو محل الإجمال والإشارة.. فهذا
الكلام ليس من نوع الشعر ولكنه (قرآن مبين).. |
|
|
ثم قال: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً
وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} أي يحق عليهم بأن هذا الكلام
المبين كلام الله وبذلك تنقطع حجة المشركين.. |
|
|
ومثل هذه الآيات قوله تعالى: {وَمَا هُوَ
بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ، وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا
تَذَكَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[5]. |
|
|
وبذلك يتبين لك أن ليس في قوله: {وَمَا
يَنْبَغِي لَهُ} أي دليل على غضاضة في الشعر، وسيزيدك إيضاحاً لذلك ما
سيأتي من استشهاد الرسول بالشعر واستنشاده له، ومناقشته لبعض معانيه وحثه عليه.. |
|
|
وإن قال قائل: إن العلة في غضاضة الشعر كونه محلاً للأكاذيب وتلفيق المعاني
وتغيير الحقائق فقد بينت لك آنفاً أن قولهم: أعذب الشعر أكذبه ميزان غير صحيح عن
النقاد. |
|
|
وقد يستدل بآيات الشعراء على ذم الشعر وهي قوله: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ, أَلَمْ تَرَ
أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ, وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا
يَفْعَلُونَ}[6] ولو لم يكن لذلك من جواب إلا
الاستثناء الذي ختمت به هذه الآيات {إِلاَّ
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً
وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا}
لكفى.. |
|
|
لكن يحسن أن تذكر سبب نزول هذه الآيات لنتبين المقصود منها: |
|
|
فسورة الشعراء مكية، وهذه الآيات الأربع في آخرها مدنية، ونزلت في شعراء
المشركين من قريش الذين كانوا قد أشعلوا حرباً كلامياً ضد الرسول صلى الله عليه
وسلم بهجائهم له ولأصحابه ولدينه.. وهي دعاية تعتبر خطيرة في ذلك الوقت ضد
الإسلام، لما علمت من مكانة الشعر في نفوس العرب وسرعة تأثيره فيها.. ولأجل خطورة
هذه الحرب المناوئة التي شنها هؤلاء على الإسلام والمسلمين أهدر النبي دماءهم وقتل
من قتل منهم وأسلم من أسلم. |
|
|
ولأجل ذلك أيضاً نزلت الآيات تندد بهؤلاء الشعراء وتسفه من أمرهم فهم {فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} أي يحيدون عن طريق
الحق ليضيعوا في أودية الباطل والكفر والضلال، فيقولون بغير بصيرة ولا تعقل،
ويكذبون في اتهاماتهم وشتائمهم.. و{يَقُولُونَ مَا
لا يَفْعَلُونَ} من تهديدهم للنبي والمسلمين.. |
|
|
ومثل هؤلاء الشعراء الذين كانوا يحاربون الإسلام بشعرهم كل شاعر يحارب
الإسلام أو يدعوا إلى الرذائل أو يحسن الباطل.. فوجه الذم ليس في أصل الشعر ولكن
في هذه الصفات التي علقت به.. |
|
|
وهذا ما ذكره أكثر المفسرين.. أخرج بن كثير قال: قال علي بن أبي طلحة، عن
ابن عباس: "يعني الكفار يتبعهم ضلال الإنس والجن.." وكذا قال مجاهد رحمه
الله وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهما.. ا هـ . |
|
|
وقال الخازن في تفسيره عند هذه الآية: قال أهل التفسير: "أراد شعراء
الكفار الذين كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وسلم منهم: عبد الله بن الزبعري
السهمي، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومانع بن عبد مناف، وأبو عمرو بن عبد الله
الجمحي، وأمية بن أبي الصلت الثقفي.." ا هـ . |
|
|
وكانت بين هؤلاء، وبين حسان بن ثابت شاعر رسول النبي والإسلام معارك شعرية
طاحنة ذكر ابن هشام طرفاً منها في السيرة.. وهي مذكورة في كتب السير والأدب فلما
فتحت مكة هرب عبد الله بن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب إلى نجران فرمى حسان ابن
الزبعرى ببيت واحد ما زاد عليه: |
|
|
نجران في عيش أجد لئيم |
لا تعدمن رجلا أحلك بغضه |
|
فأتى هذا البيت من الشعر بقياده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن
إسلامه، وقال معتذراً ومكفراً عن شعره بشعره: |
|
|
والليل معتلج الرواق بهيم |
منع الرقاد بلابل وهموم |
|
فيه فبت كأنني محموم |
وآتاني أن أحمد لامني |
|
عيرانة سرح اليدين غشوم |
يا خير من حملت على أوصالها |
|
أسديت إذ أنا في الضلال أهيم |
إني لمعتذر إليك من التي |
|
سهم وتأمرني بها مخزوم |
أيام تأمرني بأغوى خطة |
|
أمر الغواة وأمرهم مشئوم |
وأمد أسباب الهوى ويقودني |
|
قلبي ومخطئ هذه محروم |
فاليوم آمن بالنبي محمد |
|
ودعت أواصر بيننا وحلوم |
مضت العداوة وانقضت أسبابها |
|
زللي فإنك راحم مرحوم |
فاغفر فدى لك والداي كلاهما |
|
وذكر ابن كثير بعض الأخبار المرسلة: أنه لما نزلت آية الشعراء جاء حسان بن
ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهم يبكون
قالوا: "قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء"، فتلا النبي: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا}
وقال: "أنتم.." ومهما يكن حال هذا الحديث فإن المعنى بالآية هم رضي الله
عنهم. |
|
|
|
|
|
هل كان صلى الله عليه وسلم ينهى عن الشعر؟ |
|
|
أما كونه صلى الله عليه وسلم كان لا يحب الشعر فقد ورد في أثر ذكره ابن
كثير عن قتادة أنه قيل لعائشة رضي الله عنها: هل كان رسول الله يتمثل بشيء من
الشعر..؟ |
|
|
قالت: "كان أبغض الحديث إليه، غير أنه كان صلى الله عليه وسلم يتمثل
ببيت أخي بني قيس فيجعل أوله آخره وآخره أوله.." تعني قول طرفة: ويأتيك
بالأخبار من لم تزود.. فإنه كان يقول صلى الله عليه وسلم: فيأتيك من لم تزود
بالأخبار.. |
|
|
ومما روي عن تغييره لوزن الشعر ما رواه البيهقي في الدلائل أنه صلى الله
عليه وسلم قال للعباس بن مرداس السلمي رضي الله عنه: أنت القائل: أتجعل نهبي ونهب
العبيد بين الأقرع وعيينة فقال: إنما هو بين عيينة والأقرع.. فقال: "الكل
سواء..". |
|
|
وذكر ابن كثير أيضاً خبراً مرسلاً عن الحسن البصري: أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهياً.. |
|
|
فقال أبو بكر: "يا رسول الله، كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً". |
|
|
والحاصل: أن كراهيته صلى الله عليه وسلم كانت إما للإكثار من الشعر أو أنه
كان يكره قرض الشعر لأنه لا يمكن أن يقال بكراهيته لمطلق الشعر، وقد كان يستشهد به
ويسمعه ويجيز عليه ويحث شعراءه على نظمه. |
|
|
ومما يدل على أن هذه الكراهية خصوصية له صلى الله عليه وسلم، بسبب ما ذكرنا
من سد الذريعة أن تتطرق إلى القرآن، ما ثبت من أنه صلى الله عليه وسلم ما يستقيم
على لسانه وزن الشعر في الغالب كما مثلت، وقد توسع ابن العربي في أحكام القرآن
الكريم في هذه المسألة وادعى أنه صلى الله عليه وسلم ما استقام بيت من الشعر على
لسانه قط، وخرج كل ما روي عنه على ذلك وما أظن جميع الروايات تساعده كما سيأتي. |
|
|
ومن أعظم ما يشكل في هذا المقام حديث في الصحيح: عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن يمتلئ
جوف الرجل قيحاً يريه خير من أن يمتلئ شعراً". وفي رواية عن مسلم عن
أبي سعيد قال: "بينما نحن نسير مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم بالعرج إذ عرض شاعر ينشد فقال رسول الله: "خذوا الشيطان أو
أمسكوا الشيطان؛ لأن يمتلئ جوف رجل قيحاً خير من أن يمتلئ شعراً".
فهذا الحديث في ظاهره يدل على التنفير من الشعر والحث على هجره واجتنابه.. بل على
تحريم تعاطيه فهو كقوله صلى الله عليه وسلم "من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده
في دم خنزير". |
|
|
ولو كان ذلك كذلك: فما ورد من تمثله صلى الله عليه وسلم بالشعر وإنشاده بين
يديه واستنشاده له واتخاذه شعراء كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله ابن
رواحة.. يعارض هذا ويناقضه.. هذا مع أنه لا يعقل أن ينهى النبي صلى الله عليه وسلم
العرب عن الشعر وقد علم مكانته في نفوسهم. |
|
|
وقد روي عن السائب المخزومي رضي الله عنه أنه كان يقول: "أما والله لو
كان الشعر محرماً لوردنا الرحبة كل يوم مراراً", (والرحبة الموضع الذي كانت
تقام فيه الحدود) ولكن المعنى والله أعلم: هو النهي عن الاشتغال به عن القرآن، وعن
ذكر الله، ويدل عليه لفظة "يمتلئ" فإن القلب إذا افتتن بالشعر فامتلأ
منه لم يبق به موضع لذكر الله ودراسة القرآن والحديث.. |
|
|
وهذا ما ذكره بعض المحققين منهم البخاري فقد أورد هذا الحديث في الأدب المفرد
معنوناً له بقوله: (باب من كره الغالب عليه الشعر). |
|
|
وقال النووي في شرح هذا الحديث: "الصواب أن المراد أن يكون الشعر
غالباً عليه مستوليا عليه بحيث يشغله عن القرآن لكريم وغيره من العلوم
الشرعية". ا هـ. |
|
|
ومن أوضح الأدلة على هذا المعنى أن الله عز وجل لما استثنى الشعراء وصفهم
بقوله: {آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا}
فإذا لم يشغل الشعر صاحبه عن الإيمان والعمل الصالح وذكر الله، وكان وسيلة لنصر
المسلمين والذب عن الدين والدفاع عن المظلومين، فلا يتوجه إليه النهي والذم ولا
غضاضة في تعاطيه، وقد يكون المقصود بالحديث أيضاً الشعر الذي يخالف آداب الإسلام،
فإن الإسلام حرم عادات الجاهلية من تعاظمها بالآباء ومن النياحة والكذب وقذف
الأعراف والتشبيب بالمحجبات.. وقد كانت هذه كلها عادات مستحكمة في الشعر عند العرب
.. فشدد الرسول في القضاء عليها والنهي عنها. |
|
|
أخرج البخاري (في الأدب) بسنده عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: "إن أعظم الناس جرماً إنسان شاعر
يهجو القبيلة من أسرها ورجل ينتفي من أبيه".. وأخرجه ابن ماجة بلفظ: "رجل هاجى رجلا فهجا القبيلة بأسرها" وصحح
هذا الحديث ابن حبان. |
|
|
ويؤيد هذا المعنى والذي قبله ما أخرجه أحمد والترمذي وصححه أن الصحابة رضي
الله عنهم كانوا يتناشدون الأشعار في المسجد فلا ينهاهم النبي صلى الله عليه وسلم
وربما ابتسم معهم، وكذلك ما أخرجه مسلم من أن حسان كان ينشد في المسجد وفيه رسول
الله صلى الله عليه وسلم. |
|
|
وفي رواية عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال[7]: "لم يكن أصحاب رسول الله
محتزقين ولا متماوتين، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم،
فإذا أريد أحد منهم على شيء من أمر الله دارت حماليق عينيه كأنه مجنون". |
|
|
هذا مع ما روي من قوله: "إن من البيان
لسحراً وإن من الشعر لحكمة" . وفي رواية : "لحكما"
[8]. |
|
|
وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "الشعر منه حسن ومنه قبيح،
خذ بالحسن ودع القبيح، ولقد رويت من شعر كعب بن مالك أشعاراً منها القصيدة
الأربعون بيتاً ودون ذلك"
[9]. |
|
|
وروي عن أبي العالية قال: كنت أمشي مع ابن عباس وهو محرم وهو يرتجز بالإبل
يقول: |
|
|
إن تصدق الطير لميسا |
وهن يمشين بنا هميسا |
|
وذكر البخاري في الأدب قال: ثنا إبراهيم بن المنذر قال: ثنا معن قال: ثنا
عمر بن سلام أن عبد الملك بن مروان دفع ولده إلى الشعبي يؤدبهم فقال: علمهم الشعر
يمجدوا وينجدوا.. |
|
|
ولعل هذا المقصد وهو ألا يغلب الشعر أصحابه فيشغلهم عن القرآن.. قد تجلى في
بعض الشعراء الذين انصرفوا عن الشعر إلى القرآن كلبيد بن ربيعة العامري.. فإنه عاش
في الإسلام خمساً وخمسين سنة ولم يقل إلا أبياتاً أو بيتاً من الشعر.. |
|
|
قال الحافظ في ترجمته
[10]: لما كتب عمر إلى عامله
بالكوفة: سل لبيداً والأغلب العجلي ما أحدثا من الشعر في الإسلام. قال لبيد:
أبدلني الله بالشعر سورة البقرة وآل عمران، فزاد عمر في عطائه. |
|
|
وفي رواية: ما قلت شعراً منذ سمعت الله يقول: {ألم
ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيه}. |
|
|
ويقال إنه ما قال في الإسلام إلا بيتاً واحداً هو قوله: |
|
|
حتى اكتسيت من الإسلام سربالا |
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي |
|
ـ للبحث صلة ـ |
|
|
|
|
[1] العمدة: لابن رشيق. |
|
[2] الحاقة : 41، 42. |
|
[3] قيل : إنه يريد بالتوحيد نوعاً من التمر معروفاً وهناك رواية (حلاوة) بدل (أحلى من) - المجلة -. |
|
[4] يس: 69. |
|
[5] الحاقة : 41 ـ 43 . |
|
[6] الشعراء : 224 ـ 227 . |
|
[7] الأدب المفرد. |
|
[8] البخاري عن أبي بن كعب والترمذي وأبو داود عن ابن عباس. |
|
[9] الأدب المفرد. |
|
[10] الإصابة: ج3. |