طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الفتاوى

للشيخ عبد العزيز بن باز

 

 

س-1- هل تفرض علينا صلاة الجمعة في هذه الديار الأسبانية علما بأنه لا مسجد فيها، ونحن أتينا إلى تلك الديار من أجل الدراسة؟

ن. أ. ص غرناطة

الجواب: قد نص أهل العلم على أنه لا يجب عليكم ولا على أمثالكم إقامة صلاة الجمعة بل في صحتها منكم نظر، وإنما الواجب عليكم صلاة الظهر لأنكم أشبه بالمسافرين وسكان البادية، والجمعة إنما تجب على المستوطنين، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بها المسافرين ولا أهل البادية، ولم يفعلها في أسفاره عليه الصلاة والسلام ولا أصحابه رضي الله عنهم، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع صلى الظهر في عرفة يوم الجمعة ولم يصل الجمعة ولم يأمر الحجاج بذلك لأنهم في حكم المسافرين، ولا أعلم خلافا من علماء الإسلام في هذه المسألة بحمد الله. إلا خلافا شاذا من بعض التابعين لا ينبغي أن يعول عليه. ولكن لو وجد من يصلي الجمعة من المسلمين المستوطنين فالمشروع لكم ولأمثالكم من المقيمين في البلاد إقامة مؤقتة لطلب علم أو تجارة ونحو ذلك، الصلاة معهم لتحصيل فضل الجمعة، ولأن جمعا من أهل العلم قالوا بوجوبها على المسافر تبعا للمستوطن إذا أقام في محل تقام فيه الجمعة تمنعه من قصر الصلاة.

 

س-1- إذا جامع الرجل أهله ولم ينزل فهل فيه عليه غسل؟

س-2- إذا أحرم الإنسان في إحدى الصلوات الفرائض في المسجد أو غيره منفردا ثم جاء شخص آخر أو أكثر فصف معه هل يصح ذلك؟

س-3- ما حكم حلق اللحى أو تقصيرها هل مكروه أو محرم؟

الإجابة :

ج-1- نعم متى جامع زوجته حتى مس الختان الختان وجب عليه الغسل وإن لم يخرج منه الماء، لما ثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر بذلك ومن الوارد في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل وإن لم ينزل" متفق عليه وهذا لفظ مسلم وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب عليه الغسل" وعنها رضي الله عنها أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "كنت أفعله مع هذه -يعني عائشة-  ثم نغتسل " أخرجهما مسلم في صحيحة.

ج-2- الصواب صحة ذلك، فإن كان واحدا صف عن يمينه وإن كان الذي حضر أكثر من واحد صفوا خلفه وجعلوه إماما ولا حرج في ذلك في أصح أقوال أهل العلم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الليل وحده فجاء ابن عباس فصف عن يساره فجعله عن يمينه وصلى به، والنبي صلى لله عليه وسلم لم ينو الإمامة حين أحرم. وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان في بعض أسفاره يصلي وحده منفردا فجاء اثنان من الصحابة فصفا عن يمينه وشماله فجعلهما خلفه وصلى بهما، وإذا جاز هذا في النافلة جاز في الفريضة لأنهما سواء في الأحكام إلا ما خصه الدليل، ولأن ذلك لو كان لا يجوز في الفريضة لنبههم النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرهم أن مثل هذا إنما يجوز في النافلة لا في الفريضة. فلما لم يخبرهم بذلك دل على أن الحكم واحد والله الموفق.

ج-3- قد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن ذلك محرم ومنكر ومن صفات المشركين والمجوس. فالواجب على كل مسلم تركه والحذر منه لما في ذلك التشبه بأعداء الله من المشركين والمجوس ومن تشبه بقوم فهو منهم ولا ينبغي للمسلم أن يغتر بكثرة من فعل ذلك من المسلمين لأن الحق أحق بالاتباع ولو تركه الناس. ومما ورد في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "أحفوا الشوارب ووفروا اللحى خالفوا المشركين" وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جزوا الشوارب وأرخوا اللحا" والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

 

س-1- ما حكم الاستنجاء من  الريح ونحوها من نوا قض الوضوء غير البول والغائط، وإذا كان الناقض البول فقط فهل يجب عليه غسل الدبر تبعا للقضيب؟

م .ع.ع ألمانيا

الجواب: قد دلت الأدلة الشرعية على أن الاستنجاء إنما يكون من البول والغائط خاصة. فأما ما يخرج من الدبر من الريح وهكذا النوم ومس الذكر وأكل لحم الإبل فهذه وأشباهها من النواقض لا يجب فيها استنجاء، بل يكفي فيها الوضوء الشرعي الذي دل عليه قوله سبحانه في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}الآية. هذه المسألة ليس فيها خلاف بحمد الله بين أهل العلم. قال موفق الدين محمد بن عبدا لله ابن قدامة - رحمه الله - في كتابه المغنى: "لا نعلم خلافا بين أهل العلم في أنه لا يجب الاستنجاء من النوم والريح" انتهى. والحجة في ذلك الآية السابقة، وما ثبت في الأحاديث الصحيحة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يذكر فيها أنه استنجى من النوم أو الريح ونحوهما، وإنما ثبت استنجاءه من البول والغائط، وإذا كان الناقض البول فقط وجب غسل ما أصاب القضيب من البول، أما الدبر فلا حاجة إلى غسله إذا لم يخرج منه شيء من الغائط عند البول وهكذا الخصيتان لا يجب غسلهما إذا لم يصبهما شيء من البول، لأن المقصود الاستنجاء هو التطهير من النجاسة، فالمحل الذي لم تصبه النجاسة لا يجب غسله، لكن إذا لم تصبه النجاسة لا يجب غسله، لكن إذا كان الناقض هو المذي وهو ما يخرج عند أثر الشهوة عند انتشار القضيب بسبب نظر إلى النساء أو تفكر أو ملامسة فإن هذا المذي يوجب غسل الذكر والأنثيين. الأحاديث وردت في ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم والمذي غير المني. أما المني فهو أصل الإنسان وهو الذي يخرج بدفق وشهوة عند وجود أسباب ذلك، فهذا يوجب الغسل كما هو معلوم من الأدلة الشرعية.

 

س-1- ما حكم أكل اللحوم التي تباع في أسواق الدول غير الإسلامية وهل هي حلال أم حرام؟.

الجواب: قد أجمع علماء الإسلام على تحريم ذبائح المشركين من عباد الأوثان ومنكري الأديان ونحوهم من جميع أصناف الكفار غير اليهود والنصارى والمجوس، وأجمعوا على إباحة ذبيحة أهل الكتاب من اليهود والنصارى واختلفوا في ذبيحة المجوس عباد النار. فذهب الأئمة الأربعة والأكثرون إلى تحريمها إلحاقا للمجوس بعباد الأوثان وسائر صنوف الكفار من غير أهل الكتاب. وذهب بعض أهل العلم إلى حل ذبيحتهم إلحاقا لهم بأهل الكتاب وهذا قول ضعيف جداً بال باطل والصواب ما عليه جمهور أهل العلم من تحريم ذبيحة المجوس كذبيحة سائر المشركين لأنهم من جنسهم فيما عدا الجزية، وإنما شابه المجوس أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم فقط، والحجة في ذلك قوله الله سبحانه في كتابه الكريم في سورة المائدة: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُم}.

فصرح سبحانه بأن طعام أهل الكتاب حل لنا، وطعامهم ذبائحهم كما قاله ابن عباس وغيره من أهل العلم. ومفهوم الآية أن طعام غير أهل الكتاب من الكفار حرام علينا. وبذلك قال أهل العلم قاطبة إلا ما عرفت من الخلاف الشاذ الضعيف في ذبيحة المجوس.

إذا علم هذا فاللحوم التي تباع في أسواق الدول غير الإسلامية إن علم أنها من ذبائح أهل الكتاب فهي حل للمسلمين إذا لم يعلم أنها ذبحت على غير الوجه الشرعي إذ الأصل حلها بالنص القرآني فلا يعدل عن ذلك إلا بأمر متحقق يقتضي تحريمها، أما إن كانت اللحوم من ذبائح بقية الكفار فهي حرام على المسلمين ولا يجوز لهم أكلها بالنص والإجماع، ولا تكفي التسمية عليها عند غسلها ولا عند أكلها، أما ما قد يتعلق به من قال ذلك فهو وارد في شأن أناس من المسلمين كانوا حديثي عهد بالكفر، فسأل بعض الصحابة رضي الله عنهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالوا:  "يا رسول الله إن قوما حديثي عهد بالكفر يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا".  فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سموا الله عليه أنتم وكلوا " رواه البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها وبذلك يصلح أنه لا شبهة لمن استباح اللحوم التي تجلب في الأسواق من ذبح الكفار غير أهل الكتاب بالتسمية عليها، لأن حديث عائشة المذكور وارد في المسلمين لا في الكفار فزالت الشبهة لأن أمر المسلم يحمل على السداد والاستقامة ما لم يعلم منه خلاف ذلك، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم أمر هؤلاء الذين سألوه بالتسمية عند الأكل من باب الحيطة وقصد إبطال وساوس الشيطان لا لأن ذلك يبيح ما كان محرما من ذبائحهم. والله سبحانه وتعالى أعلم.

وأما كون المسلم في تلك الدول غير الإسلامية يشق عليه تحصيل اللحم المذبوح على الوجه الشرعي ويمل من أكل لحم الدجاج ونحوه، فهذا ونحوه لا يسوغ له أكل اللحوم المحرمة ولا يجعله في حكم المضطر بإجماع المسلمين، فينبغي التنبيه لهذا الأمر والحذر من التساهل الذي لا وجه له. هذا ما ظهر لي في هذه المسألة التي عمت بها البلوى وأسال الله أن يوفق المسلمين لما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأن يعمر قلوبهم بخشية وتعظيم حرماته والحذر مما يخالف شرعه.