طباعة

 توثيق النص

 

 

 

صفحة من التاريخ

للشيخ أبي عمر المدرس في الجامعة

 

 

فرانسوا الأول أحد مشاهير ملوك فرانسة في القرن السادس عشر، يشتبك في حروب طاحنة مع الإمبراطور الكبير شارلكان[1] ملك أسبانيا وأمير ألمانيا، وسيد البلاد الواطئة، وتدور دائرة هذه الحروب على العاهل الفرنسي، وتلتف حول عنقه الأغلال، ويقاد إلى أسبانيا أسيرا صاغرا في أعقاب معركة (بافيا) سنة 1525.

ويضطر الملك الأسير، وهو في قبضة عدوه، إلى أن يوقع معاهدة تمثل إرادة الجانب الظافر يستبد بالجانب المقهور، ثم يطلق سراحه على أثرها، ويعود إلى عاصمته باريز.... وهناك في باريز، وبعد أن يعقد العزم على نقض المعاهدة، والتحلل من كل ما جاء فيها، يتلفت حوله، ويسرح طرفه في المجتمع الدولي، عل الحظ يسعده بحاكم قوي، أو ملك ذي طول، يستنقذه مما حاق به من الكوارث... وأخيرا، وبعد لأي، لا يجد أمامه إلا سيد القسطنطينية، عاصمة الإسلام خلال خمسة قرون، السلطان سليمان الأول ... ولكن أنى له أن يستعين بسلطانا مسلما على خصمه شارلكان النصراني الزميت، على أنه هو نفسه (فرا نسو الأول) لا يقل عن شار لكان تزمتا في النصرانية بل لعله يربي عليه، ألم يعتبره البابا دون سائر ملوك أوربة النصراني الأول، والحصن المنيع ضد التوسع الإسلامي الذي أخذ يهدد أوربة من جهة الشرق تحت راية العثمانيين الأوائل؟ أيخيب ثقة حبر روما به؟ أيطرح جانبا تدينه وما يمليه عليه هذا التدين من واجبات؟ أولها ألا يستنصر أعداء دينه على إخوانه فيه.

وهنا تظهر طبيعة الإنسان الغربي التي تحمله في النهاية ودائما على الانقياد (للمنفعة) والتخلي عما سواها، لأنها ليست بالطبيعة الخيرة الصامدة التي تقوى على التزام المبادئ الرفيعة حين لا تجر إلى صاحبها (المنافع). وأي طبيعة تقوى على ذلك مالم تكن غاية في الكبر، وغاية في الشرف والعظمة مالم تكن مؤمنة حقا؟.

وما أن حل اليوم السادس من كانون الأول سنة 1525 حتى كان سفير فرانسة (فرانكيان) على عتبة الباب العالي يلتمس مقابلة السلطان.. وقد رحب السلطان الداهية بمقدم السفير، وأكرم مثواه، وبالغ بالحفاوة به، لأنه - وهو الخبير بالوضع الدولي في مصر - سيعرف كيف يستغله حتى الثمالة.

وينهي السفير إلى مسامع السلطان حالة مليكه، وأنه وقع في أسر شارلكان، وأنه لم يتخلص من الأسر إلا بعد أن أبرم مع خصمه معاهدة جائرة مهينة، وأنه يرجو جلالة السلطان مساعدته على هذا الخصم العنيد، وذلك بالانقضاض عليه من جهة المجر (هنغاريا) كيما يشغله عن جيوش فرانسة التي أرهقها وفل حدها... وبعد أن تدارس السلطان الحالة مع رجاله يعد السفير في بساطة متناهية باحتلال المجر، ولم ير أن يعقد معه معاهدة بل اكتفى بتزويده في أوائل ربيع الثاني سنة 932هـ برسالة إلى مليكه يعده  فيها النصر، وإلى القارئ الكريم خلاصة هذه الرسالة: "الله العلي المعطي المغني المعين:

بعناية حضرة عزة الله جلت قدرته، وعلت كلمته..... أنا سلطان السلاطين، وبرهان الخواقين متوج الملوك، ظل الله في الأرض، سلطان البحر الأبيض، والبحر الأسود والأناضول، والروملي، وقرمان الروم، وولاية  ذي القدرية وديار بكر، وكردستان، وأذربيجان والعجم، والشام، وحلب، ومصر، ومكة، والمدينة، والقدس، وجميع بلاد العرب واليمن، وممالك كثيرة أيضا أفتتحها آبائي الكرام، وأجدادي العظام، بقوتهم القاهرة، أنار الله براهينهم، وبلاد أخرى كثيرة، أفتتحتها يد جلالتي بسيف الظفر، أنا السلطان سليمان خان ابن السلطان سليم خان ابن السلطان بايزيد خان إلى فرنسيس ملك ولاية فرانسة، وصل إلى أعتاب ملجأ السلاطين المكتوب الذي أرسلتموه مع تابعكم (فرانقيان) النشيط مع بعض الأخبار التي أوصيتموه بها شفاهيا، وأعلمنا أن عدوكم استولى على بلادكم، وأنكم الآن محبوسون وتستدعون من هذا الجانب مدد العناية بخصوص خلاصكم، وكل ما قلتموه عرض على أعتاب سرير سدتنا الملوكاتية، وأحاط به علمي الشريف على وجه التفصيل، فصار تمامه معلوما، فلا عجب من حبس الملوك وضيقهم، فكن منشرح الصدر ولا تكن مشغولا الخاطر، فإن آبائي الكرام وأجدادي العظام، نور الله مراقدهم، لم يكونوا خالين من الحرب لأجل فتح البلاد، ورد العدو، ونحن أيضا سالكون على طريقتهم، وفي كل وقت نفتح البلاد الصعبة، والقلاع الحصينة، وخيولنا ليلا ونهارا مسرجة، وسيوفنا مسلولة، فالحق سبحانه وتعالى ييسر الخير بإرادته ومشيئته، وأما باقي الأحوال فتفهمونها من تابعكم المذكور، فليكن معلومكم هذا".

تحريرا في أوائل شهر آخر الربيعين سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة.

دار السلطنة العلية القسطنطينية المحروسة المحمية  

لا شك أن أسلوب هذه الرسالة إن من جهة الصياغة أو المضمون لم يعد مألوفا في الأوساط الدبلوماسية المعاصرة، غير أن الذي يهمنا منها الآن شيئان: الأول أنها تعبر عن سمو المنزلة التي كانت تحتلها الدولة الإسلامية في القرن السادس عشر، والثاني أنها لم تكن مجرد تبجح وكلام فارغين، فيها أن صاحبها يعززها بفعال مجيدة لعلها أقوى في عالم الواقع من معاني هذه الرسالة في عالم الرسائل، وآية ذلك أنه ما كاد يحل اليوم الخامس عشر من نيسان سنة 1526حتى كان السلطان نفسه مع وزرائه الثلاثة على رأس جيش جرار في طريقة إلى بلاد المجر (هنغاريا)، وكان هذا الجيش مؤلفا من مائة ألف مقاتل مدججين بأحدث الأسلحة المعروفة لذلك العصر، منها ثلاثمائة مدفع، ومزودين بثمانمائة سفينة تمخر نهر الدانوب (الطونة) لنقل الجنود والعتاد من جهة إلى أخرى عند الضرورة...

 

(معركة موهاكس)

وبعد أن يستولي الجيش على عدد من الحصون والقلاع الواقعة على نهرالدانوب ينتهي يوم الجمعة العشرين من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة الموافق (28-8-1526) إلى وادي موهاكس، وهناك يبدأ تعبئة تدل على البراعة الفائقة في الفنون العسكرية... لقد جعل ثلاثة خطوط وكمن السلطان ومعه جميع المدافع في الخط الخلفي، ثم نشبت الحرب وحمي الوطيس، وانقض مقاتلة المجر الأشداء المعروفون بالشجاعة والبأس على جنود الخط الأول العثماني، وما هي إلا جولات قصيرة حتى تراجع العثمانيون إلى ما وراء مواقع المدفعية... وما أن أقترب الجيش المجري من المواقع حتى قصفته المدفعية قصفا شديدا، فأذهلته عن نفسه، وملأته رعبا، وأجبرته على التقهقر، وعندها حمل عليه جند الله حملات صاعقة أتوا خلالها على أكثر فرسانه، وفي جملتهم ملكهم الذي هلك ولم يعثر لجيشه على أثر، ومن لم يقتل من هؤلاء هام على وجهه يلتمس النجاة بعار الفرار، وهكذا تحطم الجيش المجري،  وضاع استقلال البلاد التي سقطت بأيدي المسلمين... وسار سلطانهم وألوية النصر تخفق فوق رأسه حتى دخل العاصمة في ثالث ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة، وكانت تسمى (بود) وهي بودابست اليوم. واجتمع الأعيان ورجال الدين وقدموا إليه مفتاح العاصمة علامة خضوع واستسلام، ويأبى الفاتح المسلم شأن ذوي النفوس الكبيرة المؤمنة، إلا أن يكون كريما في معاملة الذين كانوا إلى أيام خلت خصومة الألداء، فيعفوا عنهم، ويؤمنهم على أموالهم ونفوسهم وذراريهم، ويتوج عليهم ملكا من بني دينهم، هو (جان زابولي) أمير ترانسلفانيا. 

وبعد أن يطمئن السلطان إلى سلامة التدابير التي اتخذها، يعود إلى عاصمته استنبول يحفه النصر ويحدوه الجلال، وقد بر بوعده الذي وعده للعاهل الفرنسي، وتوج ملكا، وبسط حكم الآستانة على مملكة جديدة من ممالك أوربة الشرقية...

هكذا أيها القارئ، هكذا كان أجدادنا المسلمون، وإلى عهد ليس ببعيد يدوخون الممالك، ويتوجون الملوك، ويوقدون مشاعل الهداية في طريق الإنسانية التائهة...

هذه فعالهم يوم كانوا يعتصمون بالإسلام، يوم كانت تعاليمه تفجر في نفوسهم روح الفداء، وطاقات النصر، يوم كانت تخفق فوق هاماتهم ألوية القرآن والسنة.

إننا لا نريد البكاء، فالبكاء لا يجدي، ولا نريد التأوه فهذا ما نتركه للفتيات، ولكنا نريد تمثلا حقيقيا للإسلام الحقيقي، إسلام القرآن والسنة، إسلام أبي بكر وعمر وخالد وصلاح الدين... الإسلام الذي جعل منا خير أمة أخرجت للناس...

أنت معي أيها القارئ في أنه لا داعي لليأس مهما أظلمت الآفاق من حولنا، إن عهدنا بالغلب والمجد ليس ببعيد، والعلاج لواقعنا المرير ما يزال بين أيدينا محفوظا {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. فمتى نتحلى بالإخلاص والشجاعة الكافيين لتناوله كما أنزله الله، وفي غير مواربة أو تحريف، فإن مصارع المبادئ في تعاريج المواربة، وفي ظلمات التحريف... في تناول هذا العلاج، وعلى النحو الذي ذكرت، كيما نجدد لأنفسنا وللبشر قاطبة حياة يسري في أوصالها نسغ القرآن والسنة، وتضئ على طريقها مصابيح الحق والعدالة والحرية؟؟

أرى برغم كثافة الظلام مشاعل تضئ في جنبات وجودنا الفكري والاجتماعي، وعما قريب، وبفضل الله ثم بفضل الطلائع الواعية المؤمنة سينجاب الظلام، ويشرق النور.

ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور. 

 

أيهما ألزم؟

هل يشفى المريض المدنف باقة من الدهر، أم حقنة من البنسلين؟. وهل يكفي الجائع لحن مطرب، أم رغيف مشبع؟. وهل يسعد الفقير أن تزين له جدرانه بالرسوم، أم أن تهيء له مايحتاجه من أثاث؟ وهل يخاف العدو إذا كنت تحسن الرقص، أم إذا كنت تحسن صناعة الموت؟

((مصطفى السباعي)) 

 

 

 

[1] ولد هذا الإمبراطور سنة 1500وهو من جهة أمة حفيد فرديناند وايزابلا ملكي أسبانيا اللذين انتهي على عهدهما وجود المسلمين في الندلس، وقد قضى معظم أيامه في محاربة فرنسا والبروتستانت، كما حارب خير الدين باشا أمير البحر العثماني المعروف. وفي سنة 1556سئم الحياة السياسية فتنازل عن أسبانيا لأبنه فيليب الثاني، وعن ألمانيا وما يتبعها لأخيه فرديناند، والتحق بإحدى الأديرة وبقي فيه حتى مات سنة 1558.